فهرس الكتاب

الصفحة 475 من 3028

-ويَدَّعي -عند حديثه عن المفهوم الديني السلفي للزمن التاريخي- أن الزمن عند السلفيين المُحْدَثين زمن هابط، وأنهم تجريديون مثاليون يسعون إلى إلغاء حركة التاريخ، بفرض نسق تاريخي معين على التاريخ كله، فنراه يقول -خالطًا مع السلفيين غيرهم-:"يَعتبر المفهوم الديني السلفي الذي نتابعه، منذ بدايته الأولى في الحركة الوهابية حتى حركة الإخوان المسلمين، وخاصة في كتابات سيد قطب، وفي حركة (التكفير والهجرة) ، يعتبر هذا المفهوم الحاضرة الحديثة شكلًا آخر من أشكال العصر الجاهلي الذي ينبغي رفضه وإزالته، على أن يُستبدل به نسق آخر من الحياة، هو نسق مرحلة الدعوة الأولى. والزمن عند أصحاب هذا المفهوم زمن هابط، إلا أنه في المقدور السيطرة عليه وتعديل مساره. وبالرغم أن هذا المفهوم يتضمن مشروعًا في التاريخ وفي مواجهة التاريخ، إلا أن هذا المشروع مشروع غير تاريخي يقوم على التماثلية في حركة التاريخ، أي: إلغاء هذه الحركة بفرض نسق تاريخي معين على التاريخ كله. والفعل التاريخي بحسب هذا المفهوم هو فعل إرادي انقلابي أساسًا، يهدف إلى إزالة ما يراه شذوذًا في مرحلة تاريخية، ليحقق تماثلًا مع مرحلة أخرى مثالية نمطية" (107) .

-ويحدد النهج السلفي في التفكير فيقول:"هو تنقيب في الماضي التاريخي والتراثي لاكتشاف ثوابت معيارية يمكن اتخاذها سندًا لإضفاء المشروعية على توجهات سياسية أو فكرية في الحاضر، أو تقديم تبرير تاريخي تراثي لها…، والتاريخ عند المفكر السلفي متماثل الآنات واللحظات والمراحل غير متحرك أو متطور، بل قد يكون تراجعًا وانحدارًا وليس تقدمًا أو تطورًا. فالماضي عنده هو محور الإشارة الذهبي المطلق الصحة والكمال، ولهذا فقيمة أي فكر أو أي فعل إنما تقاس بمدى مطابقتها أو اقترابها من محور الإشارة هذا، على أن هذا النهج السلفي في التفكير قد نجده كذلك عند كثير من المفكرين الذين يتبنون دعوة التحديث والتجديد، وتتمثل هذه السلفية عندهم في التوقف عند نص باعتباره معيارًا ثابتًا مطلق الصحة، ورفض أي محاولة لتأويله أو الخروج عليه إذا كشفت حركة الحياة المتجددة ضرورة ذلك، كما تتمثل هذه السلفية في مختلف مواقف التشبث والجمود عند ثوابت أو سمات معينة في مختلف الخبرات الإنسانية الماضية، واتخاذها كذلك معيارًا ثابتًا مطلق الصحة للحكم والتقييم والسلوك، مع افتقاد روح العقلانية والنقد والكشف والإبداع" (108) .

-ويعود مؤكدًا قوله السابق فيقول:"خلاصة الأمر أن الموقف السلفي -عامة- من مفهومي الخصوصية والأصالة، سواء في المجال الديني أو السياسي أو الاجتماعي، هو: البحث عن ثوابت مجردة مطلقة، واتخاذها معيارًا نهائيًا لتقييم الحاضر وتبريره وتكريسه. على أن الخصوصية في الحقيقة ليست ثوابت مجردة مطلقة فوق المكان والزمان، بل هي سمات مشروطة اجتماعيًا وتاريخيًا، ولهذا تختلف الخصوصيات باختلاف الملابسات الاجتماعية والتاريخية. حقًا هناك بعض السمات المشتركة المتصلة عبر التاريخ، ولكن هذه السمات نفسها تختلف وتتنوع باختلاف وتنوع الملابسات الاجتماعية والتاريخية. ولا شك أن الأوضاع الجغرافية الثابتة قد تلعب دورًا في تحديد بعض هذه السمات، على أن الأوضاع الجغرافية نفسها محكومة في كثير من الأحيان -إن لم يكن دائمًا- بالأوضاع السياسية، فهي في الحقيقة أوضاع جغرافية سياسية؛ ولهذا فهي بالضرورة كذلك مشروطة اجتماعيًا وتاريخيًا. وتأسيسًا على هذا فإن القول بالاستمرارية التاريخية المجردة المطلقة هو قول ميتافيزيائي غير علمي، وقول سلفي في جوهره وكذلك الشأن بالنسبة للأصالة، فالأصالة لا تكون بالارتباط بثوابت تراثية قديمة على نحو مجرد مطلق، وإنما تكون باستيعاب التراث القديم استيعابًا نقديًا، كما تكون -أساسًا- بعمق الفاعلية الإبداعية الإنسانية، بحسب مقتضيات وملابسات وتكوينات الواقع الاجتماعي والتاريخي المعين، لا ارتفاعًا فوقه أو تعاليًا عليه أو تغافلًا عن حقائقه الحية. ليست الخصوصية استمرارًا تاريخيًا راكدًا لنمط ثابت، وليست الأصالة استغلاقًا وانغلاقًا فكريًا وقيميًا في إطار خبرة تاريخية في لحظة عبر سيادة روح النقد والعقلانية والفاعلية والبناء والإنجاز والإبداع، أما غير ذلك فهو شكل من أشكال السلفية والجمود إن لم يكن الغفلة والتضليل" (109) .

-ويصم الاتجاه السلفي في العصر الحديث بـ (التزمت) ، فنراه يقول تحت عنوان (ليست ظاهرة دينية خالصة) :"التيار السلفي المتزمت هو نهاية المطاف في حديثنا الذي طال عن (التراث وتحديات العصر) ، على أن الحديث عن هذا التيار حديث متشعب، فبرغم أن هذا التيار الفكري يتخذ من التراث الديني عامة، ومن ظاهر النص الديني خاصة معيارًا مطلقًا للحكم والتقييم والسلوك، فما أشد التنوع والاختلاف في الرؤية والنهج والموقف العملي داخل هذا التيار نفسه، وهو اختلاف ينبع من اختلاف الملابسات التاريخية والاجتماعية التي يتجلى فيها هذا التيار أو يوظف. وما أريد في هذا المقال أن أفصل القول في ذلك، وإنما حسبي أن أعرض لهذا التيار في أشد مظاهره وتجلياته وتوظيفاته تزمتًا" (110) ، ضاربًا المثل لهذا التيار بجماعة (التكفير والهجرة) من خلال قراءة نقدية لكتاب أميرها ومنظرها -شكري مصطفى- المعروف بكتاب (التوسمات) (111) .

-ويزعم أن النظرة السلفية إلى التراث"نظرة تقديسية تسعى لفرض الماضي على الحاضر؛ تسعى لتثبيت الحاضر وتجميده باسم الماضي، وهي تبطن موقفًا اجتماعيًا مختلفًا" (112) .

-ويشن حملة قوية على جميع الجماعات الإسلامية المعاصرة؛ الغالية منها والمعتدلة، متهمًا إياها بالجهل والتخلف والجمود وسوء النوايا (113) ، كما يربط بين التمسك بأحكام الشريعة الإسلامية وتطبيقها وبين التعصب والجمود والتخلف الحضاري، فنراه يقول -مدعيًا-: أنه"ليس ثمة بلد عربي واحد تتعارض قوانينه وتشريعاته الأساسية والفرعية مع الشريعة الإسلامية…، بل إن بعضها يغالي في تطبيق الشريعة إلى حد الحرفية والجمود والتعصب المظهري الشكلي. والأمر الذي له دلالة أن هذا يتمثل بوجه خاص في أشد البلاد العربية والإسلامية تخلفًا من الناحية الاجتماعية والثقافية والحضارية عامة" (114) !!

-ويصف مفهوم الداعين إلى تطبيق الشريعة بأنه:"مفهوم مثالي لا تاريخي ولا اجتماعي للتشريع عامة، فليست القضية الأساسية أن نطبق التشريع الإسلامي أو لا نطبقه، إنما القضية الأساسية هي ما هو التوجه السياسي والاجتماعي الذي نطبق التشريع بمقتضاه، فالتشريع هو تعبير عن علاقات اجتماعية وإنتاجية سائدة، أي: هو انعكاس لعلاقات الإنتاج، أو لنمط الإنتاج السائد. ولهذا يختلف التشريع باختلاف أنماط الإنتاج، واختلاف العلاقات الاجتماعية عامة، ولهذا فليس بالتغيير التشريعي وحده يتغير المجتمع، وإنما يتغير المجتمع أولًا ثم يأتي التشريع لتكريس هذا التغيير وإعطائه مشروعيته، ويضمن له الاستقرار والاستمرار" (115) . انتهى كلام الدكتور مفرح القوسي .

يضاف على ما سبق:

* يقول العالم عن نفسه:"استقريت على الماركسية منهجًا، والشيوعية طريقًا وطريقةً". (اعترافات شيخ الشيوعيين العرب، ص27) .

* غير مقتنع بسقوط الماركسية (انظر كتابه: مواقف، ص219) . ويقول في لقائه لموقع إيلاف:"حتى لو انهار الاتحاد السوفيتي لم تنهار الماركسية"!

* ويقول:"لا حداثة بغير تحرير المرأة من القيود التي تقيد جسدها وفكرها وحياتها". (مفاهيم وقضايا إشكالية، ص 82) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت