فهرس الكتاب

الصفحة 471 من 3028

حياة الابن ودراساته: قضى حسين سنواته الثلاث الأولى في روضة الأطفال والسنة الأولى الابتدائية حيث يقول: إنها أهم السنوات في تكوين شخصيته وتكثيف استعداداته وقد أوجدت منه صبيًا جم المطامح شديد الإحساس بذاته لا يرهب الناس ولا يرضى بغير الزعامة. وفي صباه المبكر كان والده يسمح له بحضور الندوات الأدبية والفكرية مع زملاته من رجال الفكر والأدب.

في المدرسة النموذجية: وهي مدرسة خاصة على نسق المدارس الإنجليزية التي لا يؤمها سوى أبناء الذوات، وكان يُحظر فيها التحدث بغير الإنجليزية وقد أسست لإيجاد طبقة من الشباب تكون مؤهلة للقيام بأعباء الدولة المختلفة.

تربية والده: ذكر حسين أن والده يحرص في أحاديثه معه وأخوته أن ينمي فيهم ما سماه (بنظرة الدين المستنيرة) التي لا تشوبها الأوهام والخرافات كقوله بأن (الجنة) في حقيقة الأمر هي: طمأنة الروح وسكونها! وأن (الجحيم) هو العذاب الناجم عن تأنيب الضمير ووخزه! وأن هذا بخلاف ما يقوله الخدم من الوصف الحسي المعروف للجنة والنار والذي هو أقوى تأثيرًا في نفوسهم مما يقوله والدهم ، وأنه لم يعرف الدين وهو في السابعة إلا حين يشارك أهله في السحور في (رمضان) والاستعداد للعيد وحضور الصلاة ، واستطاع أن يطلع في مكتبة والده على أعمال (جورجي زيدان) الروائية وأعمال العقاد والحكيم وهيكل وابن تيمية وابن حزم ومن الأجانب قرأ: لنتشه وأفلاطون وبدأ يشارك في مجلة الثقافة التي يحررها والده الذي كان يقول لهم (ألا يسمحوا للآراء الشائعة للنقاد أو الناس أن تحد من حريتكم في الحكم على ما تقرأون) . ونتيجة لاطلاعه على بعض الكتب الإلحادية نتج عنده اضطراب فكري شجعه للانضمام إلى (جمعية سرية شيوعية) مع بعض زملائه واستشار زميل والده عما يفيده في الفكر الشيوعي فأشار عليه بقراءة (رأس المال) لماركس لكنه سئم ومل من تعقيد أسلوبه فتركه ، وبعد أن عثر بواب العمارة على زميله يوزع منشوراتهم ضربه علقة ساخنة فتر بعدها حماسه للجمعية فانتقلت العدوى للآخرين من الأعضاء فتلاشت تلك الجمعية.

تدينه ومآله: كان أخوه عبد الحميد متدينًا ولعله تأثر به ولكنه تدين كما يقول بعنف بعدما شاهد ابنة عمه الشابة التي كان يحبها تقع تحت عجلات القطار فاتسم بقتامة كئيبة وجدية مفرطة لا يعرف معها هزلًا حتى أنه لا يفتح موضوعًا مع إخوانه إلا وذكر حكم الشرع فيه ويقول: إن ذلك منه (ثقل دم شديد) !! فضج إخوانه منه ومن سعيه لهدايتهم وتحول صبرهم إلى سخرية منه حيث كانوا ينادونه (الشيخ حسين) مما أفلحوا معه في إسكانه ، وفي هذه الفترة اطلع على اتجاه (الأخوان المسلمين) عن طريق زميله خليفة وأنه لم يوافق على رأي الإخوان في الجمع بين الدين والسياسة وكيف أنه كان يحب (الزعيم النقراشي) الذي يذكر أن الإخوان قتلوه. كل ذلك جعل رحلته مع أهله في الصيف إلى الإسكندرية وسكنهم بجوار أسرة لها بنات متبرجات حاولن إغراءه لكنه مستعصم كما يقول بقراءة كتاب في الأحاديث الموضوعة مما دعا والده للتدخل وأمره بترك كتبه وكراساته وإقناعه بأن ما هو فيه ليس من الدين في شيء!! ويتحطم تدينه حينما رأى فيلمًا خليعًا. والتدين بلا أساس صحيح سريعًا ما ينهار بنيانه.

الفكر الجديد أو ما يسمى باليسار الإسلامي:

هذا الاتجاه الذي سبق أن أشرنا لوجهته في البداية انطلق منه الكاتب (حسين أحمد أمين) والذي أرجعه في نظري إلى أساسين:

1.تأثره بوالده الذي كان متأثرًا بالاستشراق كما سبقت الإشارة إليه في كتابه فجر الإسلام ، وعلى هذا الأساس نجد (سلسلة الظلام) فيما يرويه حسين أحمد أمين عن أبيه عن المستشرق المجري (جولد تسيهر) ولذا لم نعجب من تأثر والده بالمدرسة الاعتزالية التي يزعم أنها أسلم المدارس منهجًا.

2.تأثره بما تلقاه في مدرسته النموذجية ذات الاتجاه العلماني والذي قال عنها: إنها ثاني أحد العوامل في تكوينه.

3.تأثره بما قرأه واطلع عليه من الدراسات العقلانية التي وافقت هواه ووجهته، مع العلم أنه غير متخصص في الدراسات الإسلامية ولا تلقاها عن ثقاة وعلى هذا النهج ظهر (حسين) مفسرًا ومحدثًا ومفكرًا ، فما مدى صحة ما جاء به من آراء وتوجهات. هذا ما سأتطرق له بإذن الله.

أولًا: كيف ادعى علم التفسير:

التفسير لغة هو الكشف والإبانة وفي الشرع الكشف عن معاني آيات الله والغوص في أعماقها للوصول إلى مراد الله بقدر الجهد البشري ولابد للمفسر كما اتفق العلماء أن يكون تفسير القرآن بالقرآن أو تفسيره بالسنة أو تفسيره بأقوال الصحابة وبأقوال التابعين وبعموم لغة العرب، لكن ما هو تفسير هذا الكاتب الذي يتطرق فيه إلى بعض الآيات القرآنية ويحكم فيها رأيه بما لم ينزل الله به سلطانًا ولنرى:

أولًا: في زاويته (البيان في أسباب نزول القرآن) التي نشرتها مجلة (العربي) ففي العدد (322) عند تطرقه لقوله تعالى: ]ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب [ الآيات وقوله تعالى: ] قل تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم[ فبعد ما نقل ما قاله المفسرون قال: إننا ابتلينا في السنوات الأخيرة بمن صار يرى جوهر الدين وحقيقة الإسلام في مسائل كالجلباب وتقصيره وضرورة الأكل باليمين، وقال: إن من يقصرون فحوى الآيات أو يضيفون لها الأوامر والنواهي يسيئون للدين عن قصد أو عن غير قصد وأن هذا الأسلوب يعود بالمسلمين للوراء. داعيًا إلى عدم الإصغاء لهؤلاء لوضوح عبارات الآيات لئلا يقع السائل في براثن من لا يرى بها الخير.

والتفسير ليس بالرأي وإنما له أسلوبه الذي سبق ذكره ودعوى معرفة القرآن لوضوحه فيه نظر. ولذا كان هناك كتب كثيرة للتفسير منها ما هو بالرأي وما هو بالأثر وما جمع بينهما وليس فيهما ما زعمه المفسر المزعوم (انظر البيان في أسباب نزول القرآن) العربي 322.

1-وقوله تعالى: ] إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين[ وبعدما نقل ما أورده صاحب طبقات بني سعد حمل على من يدعو إلى الاقتداء بالسلف ووصفهم بالغلاة لأنهم بزعمه يرفضون الاجتهاد ويقصرون الحق على التفكير بالأموات وإن هذا راجع إلى شغف العربي بالأوضاع والأشكال المثالية وانتهى إلى أنه لا مخرج لنا من التحجر الذي نعاني منه سوى الكف عن الحنين للماضي وأن سلطان العقل هو الذي يحدد ما ينفعنا بين الماضي والحاضر. (انظر البيان في أسباب نزول القرآن) العربي 327. فأين ضوابط الشرع المطهر للتعامل والسلوك ؟ إنها في رأيه لا قيمة لها بما طرح من ضوابط عقلية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت