فهرس الكتاب

الصفحة 470 من 3028

يقوم المستنير حسين أحمد أمين بتفسير القرآن الكريم تفسيرًا ماركسيًا على حلقات في مجلة (العربي) تحت عنوان: (البيان في تفسير القرآن) ، ومما جاء في العدد (351) في تفسير قوله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيما وأسيرًا) : يقرر أن الماركسية مع الإسلام، ويسقط من روحها عليه ليثبت أنها لا تفارقه كما يهاجم - كعادة الشيوعيين - الرأسمالية فيقول:"لقد تنبأ كارل ماركس في القرن الماضي بأنه من شأن النظام الرأسمالي أن يزيد الفجوة بين مستوى معيشة الأغنياء ومستوى معيشة الفقراء"إلى أن يقول:"ومع ذلك فإن نبوءة كارل ماركس بدأ يظهر صدقها، واحتمال تحققها في مجال آخر ما كان هو نفسه ليتوقعه أو يحلم به، ألا وهو اتساع الفجوة بين مستوى المعيشة في الدول الغنية والدول الفقيرة.."إلى آخر التحليل الشيوعي الذي يريد أن يفسر به الآية (!!) (90) .

إنكاره لأصول الإسلام:

يقول حسين أحمد أمين، نابذًا الاعتقاد بالقدر - ويترتب عليه نبذ القرآن الكريم نفسه - ومحاولًا القول بأن الاعتقاد بالقدر عقيدة بدائية جاءت مع حركة التدرج الإنساني والنمو الحضاري (جريدة الشعب المصرية - ديسمبر 87) :"ثمة مواقف عقلية هي نتاج منطقي لطبيعة حياة البدوي، فرضت نفسها على أهل الحضر والريف من شعوب الأقطار التي فتحتها جيوش الإسلام، رغم مخالفتها للموقف العقلية الأساسية لأفراد المجتمعات الزراعية وسكان المدن، خذ لذلك مثلًا: نزعة الإيمان بالقضاء والقدر. إن لمن السهل علينا أن نتبين جذور هذه النزعة وأسبابها عند البدوي، فحياة البدوي تعتمد اعتمادًا يكاد يكون كليًا على الماء والكلأ، يجد في الغيث نجاة، وفي الجفاف تهلكة، وكلاهما لا سلطان له عليه ولا حيلة له فيه".

"فهو يفسر نشأة عقيدة القدر ويردها إلى أسباب اقتصادية على طريقة ماركس، فهي من نتاج البيئة الصحراوية في الحجاز، ثم هو يقرر أن هذه العقيدة البدوية قد انتقلت إلى الإسلام (؟!) مع تغير طفيف، (إذ حلت فيه) - كما يقول -"فكرة الله محل الدهر" (91) ."

ويقرر حسين أحمد أمين أن الحجاب"وهم صنعه الفرس والأتراك، وليس في القرآن نص يحرم سفور المرأة أو يعاقب عليه"، و"أن الرجال يتمسكون بالحجاب ليستبدوا بالمرأة فينفسوا عن قهرهم سياسيًا واجتماعيًا".

ويؤول حسين أحمد أمين آية الحجاب تأويلًا بعيدًا عندما يقول:"بالنسبة للحجاب الذي يفرض في المدينة حيث كان النساء يلقين من المتسكعين من شباب المدينة كل مضايقة وعبث كلما خرجن وحدهن إلى الخلاء فنزلت آية (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) ، وذلك حتى يميز الشبان بين المحصنات وغير المحصنات" (92) !

موقفه من الفقه والفقهاء:

هاجم حسين أحمد أمين الفقهاء وأهل الحديث معًا فقال:"لقد شاءت المعارضة، التي بات لها الغلبة في الدولة ؛ أن ترجع كافة الأحكام الشرعية إلى سند من القرآن أو السنة، وأبت الأخذ بالرأي والاجتهاد"، وذلك في القرنين الثاني والثالث من الهجرة. ثم يقول:"وإذا كانت الأحاديث المتوفرة آنذاك قليلة ولا تكفي، لجأ القوم إلى الاختلاق، وقد عظم هذا الاختلاق للأحاديث كلما زاد إصرار العلماء على الاستناد إلى الحديث في بيان الأحكام، أي أن العرض زاد بزيادة الطلب" (93) .

وقد اتهم حسين أحمد آمين بني أمية بتشجيع الفقهاء لوضع الأحاديث، ومنها حديث:"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد"ليصرفوا الناس عن الحج أثناء سيطرة عبدالله بن الزبير رضي الله عنه على الحجاز، وذلك بزيارة مسجد الصخرة الذي بناه عبد الملك بن مروان في القدس (94) .

والاتهامات ساقطة من أساسها، وتافهة لا تنم إلا عن ضحالة فكر وتبعية ذليلة لمستشرق حاقد ، وهذا الاتهام مسروق من أستاذه جولد زيهر" (95) ."

مع أن الحديث رواه البخاري في صحيحه - كتاب فضل الصلاة في مكة والمدينة، ومسلم في كتاب الحج .

ولحسين أحمد أمين فتوى عجيبة في حد السرقة، عندما يقول:"لقد كان الاعتداء على الساري في الصحراء بسرقة ناقته بما تحمل من ماء وغذاء وخيمة وسلاح في مصاف قتله؛ لذلك كان من المهم للغاية أن تقرر الشريعة عقوبة حازمة رادعة بالغة الشدة لجريمة السرقة في هذا المجتمع" (96) !!

يمجد الحجاج ويجهل عمر بن عبد العزيز:

قال حسين أحمد أمين عن الحجاج:"إنه أعظم الإداريين في العالم" (97) .

ومع هذا فإنه يصب جام غضبه على إمام الهدى عمر بن عبدالعزيز، فيرى أنه ساهم بجهله في الشئون السياسية في تدهور أحوال الدولة الأموية ثم سقوطها، ثم يقول:"ولم تجلب سياسته المالية والإدارية غير خراب الدولة" (98) !!

حسين أحمد أمين يصف الفتوحات الإسلامية بأنها استعمار كالاستعمار الغربي لبلاد المسلمين فيقول:

"إن الدول الإسلامية، كانت في عصر من العصور على وشك التهام القارة الأوربية-بعد التهامها أقطارًا عدة في أفريقيا وآسيا."

وقد يحتج بعض المسلمين بأن الاستعمار الإسلامي! لدولة أسبانيا كان بناء وفي خدمة التمدين والعمران، ولم يتخذ شكل النهب والسلب، الذي اتخذه الاستعمار الأوربي لدول آسيوية وأفريقية.

غير أن الاستعمار الأوربي لأمريكا الشمالية وأستراليا كان هو الآخر بناء، وفي خدمة التمدين والعمران، في حين لم يجلب الاستعمار العثماني (!) للبلقان غير الخراب" (99) ."

ولست أدري كيف يستوي - عند مسلم - نشر دين الله وإقامة العدل بأروع صورة بين البشر مع غزو الأوربيين الذي قام على النهب والاستنزاف؟

ولذلك فهو يهاجم الكاتب (( جوستاف لوبون ) )الذي قال:"لم يعرف التاريخ فاتحًا أرحم من العرب" (100) ."أعلام وأقزام" ( 2/137-143) .

* وقال الأستاذ أحمد أبوعامر في الرد على حسين أمين:

"مما رزيء به عالمنا اليوم في عقوده الأخيرة ظهور اتجاهات فكرية جديدة أخذت تلبس لبوس الإسلام، حينما فشلت التيارات العلمانية في طروحاتها وتساقطت أوراقها بعد أن استبان للكثيرين عوارها، فلم يكل العلمانيون، فركبوا موجة التدين، فوجد ما سمي بالعصرانية وما يسمى (باليسار الإسلامي) ، وهي اتجاهات لها فلسفاتها ورموزها ؛ ومنهم الكاتب (حسين أحمد أمين) ، والذين تكشفت حقائقهم من واقع أبحاثهم ومؤلفاتهم وهذه الفئة في الغالب ليسوا متخصصين في الدراسات الإسلامية، ومع ذلك تجدهم قد أعطوا أنفسهم حق الاجتهاد وحرية القول مما سنراه مما يضحك الثكالى."

صاحبنا هو ابن الكتاب والأديب المعروف (أحمد أمين) الذي درس التعليم الأولي بالأزهر والتحق بمدرسة القضاء الشرعي بعد افتتاحها ومنها تخرج وعُين معيدًا بالمدرسة عن طريق أستاذه (عاطف بركات) الذي عرف عنه النزعة العقلية وعنه أخذ هذا الاتجاه وتأكد ذلك لديه من الدروس التي كان يتلقاها على يد بعض المستشرقين في الجامعة المصرية ، وظهر هذا المنحى في أبحاثه ودراساته في (فجر الإسلام وضحاه وظهره) ويلمس القارئ ذلك بصورة بارزة حينما تطرق (أحمد أمين) (للحديث النبوي) في (فجر الإسلام) تأريخه وتدوينه حينما تبني طروحات المستشرقين الناقدة بلا علم للسنة. وكان يرى نقد أقوال المستشرقين دون عزوها إليهم لئلا تقابل بالرفض من القراء لها كما هي نصيحته لزميله (د.علي عبدالقادر) التي بينها ووضح مدى مجابهتها للحقيقة ود. مصطفى السباعي رحمه الله في كتابه القيم (السنة ومكانتها في التشريع) ، وكان (أحمد أمين) يحتفي باتجاه المعتزلة باعتباره أكثر المدارس التزامًا بالعقلانية وأخذ الابن هذا الاتجاه عن أبيه كما سنرى فيما بعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت