رابعًا: اتهام علماء الأمة وفقهائها بوضع الأحاديث واختلاق الأسانيد، فهو يدعي أن أتقياء المسلمين وفقهاءهم في عصور الإسلام المتقدمة كانوا يتساهلون بوضع الأحاديث التي من شأنها خدمة الإسلام وتعزيز الفضائل والإيمان، وأنه"لم يكن المعيار عندهم هو صدق نسبتها إلى رسول الله أو كذبها، وإنما المعيار هو مدى اتفاق مضمونها مع تعاليم الدين" (71) . ويزعم أنهم لما أفزعهم الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم أرادوا محاربة هذا الكذب فوضعوا أحاديث تحرم الكذب عليه صلى الله عليه وسلم، أي: أنهم أرادوا أن يحاربوا الكذب فكذبوا ووضعوا أحاديث في ذلك، ويضرب مثلًا لذلك بحديث (من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار(72 ) ) (73) ، علمًا بأنه من الأحاديث المتواترة، وقد رواه أكثر من ستين صحابيًا (74) ، ولم يستطع حتى الوضاعون نفيه، وإنما حاولوا صرف مدلوله عنهم؛ بزعمهم أنهم لم يكذبوا عليه وإنما كذبوا له. ويقول أيضًا:"ظل الفقهاء دومًا يُعملون فكرهم ويصلون إلى الرأي بالاجتهاد، غير أنهم صاروا إذا أرادوا الخروج به وتدريسه يلجأون إلى وضع الأحاديث، أو تفسير الأحاديث القائمة تفسيرًا يوافق رأيهم؛ حتى يلقى الرأي قبولًا لدى العامة وأولي الأمر، وحتى يخرسوا المعارضين" (75) .
ولم يكتف حسين أمين بذلك، بل شكك في أمانة الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه، وأومأ إلى اتهامه بوضع الأحاديث واختلاقها على النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال بعد ذكره تورع بعض كبار الصحابة عن رواية الأحاديث النبوية خشية التقديم أو التأخير فيها أو الزيادة أو النقص:"بيد أن سائر الصحابة ما كانوا جميعًا كهؤلاء النفر، فأبو هريرة مثلًا -وهو الذي لم يصحب النبي إلا خلال السنوات الثلاث الأخيرة من حياته- تبلغ مروياته في كتب الأحاديث ثلاثة آلاف وخمسمائة حديث -وفي رواية ابن الجوزي خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثًا- تشغل زهاء ثلاثمائة صفحة من مسند ابن حنبل، وقد أثارت كثرة مروياته عن رسول الله شكوك سامعيه؛ خاصة أنه كان مزاحًا" (76) ، وقال أيضًا: إنه"كان هناك بين أجلة الصحابة -كعبد الله بن عمر ابن الخطاب- من يُسيء الظن به، بل وأطلق عليه البعض وصف الكذاب الورع" (77) .
خامسًا: رفض الأحكام الشرعية وربطها بزمان نزولها في صدر الإسلام، وبالتالي تغيير هذه الأحكام وكذا القيم والمفاهيم الإسلامية بتغير الزمان، والزعم بأن التمسك بها في وقتنا الحاضر والإصرار عليها يؤدي إلى الجمود ويعرقل التطور، فنراه -على سبيل المثال-:
1.يُبدي انزعاجه الشديد من الحجاب الإسلامي، ويعد عودة النساء المسلمات إلى الحجاب ظاهرة غير عادية، كما يعد هؤلاء العائدات نساء غير عاديات (78) ، ويحاول جاهدًا إقناع قراء كتابه -"حول الدعوة إلى تطبيق الشريعة"- بأن حجاب المرأة المسلمة ليس من الإسلام في شيء (79) .
2.ويدعي أن عقوبة قطع يد السارق في الشريعة الإسلامية خاصة بالمجتمع البدوي أو الجاهلي في شبه جزيرة العرب زمن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كانت السرقة أكثر الجرائم شيوعًا في ذلك المجتمع، وتثير العداوات والحروب بين الأقوام، وأنها غير مناسبة البتة للتطبيق في مجتمعنا المعاصر، الذي -كما يقول- اختلفت أحواله أشد الاختلاف عن أحوال المجتمع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، بحيث بات قطع يد السارق فيه منافيًا كل المنافاة لعلة الحد في العصر الذي فرض فيه (80) .ويعقب على ذلك فيقول:"أما ما نقبله وندعو إليه فصياغة إسلامية للتطوير؛ صياغة من منطلق إسلامي تكون وسيلة للتقدم ولمواجهة احتياجات العصر لا عقبة في سبيلهما، وإذا المبتورة (81) سُئلت بأي شرع قطعت" (82) .
3.ويقرر"أن الأخذ بروح الإسلام لا الالتزام بأحكام معينة متناثرة هو الكفيل بأن يكون بمثابة البوصلة التي تهدينا سواء السبيل في أي مكان أو زمان كنا فيه، ومع اختلاف الظروف" (83) .
سادسًا: مدح علي عبد الرازق، بل والمبالغة في ذلك المدح، والإشادة بكتابه (الإسلام وأصول الحكم) وما تضمنه من أفكار تدعو إلى الفصل بين الدين والدولة (84) ". انتهى كلام الدكتور مفرح القوسي ."
-وقال الدكتور سيد العفاني في الرد عليه:
"المفكر المستنير الطاعن في الثوابت الدينية الماركسي حسين أحمد أمين مؤلف كتاب (دليل المسلم الحزين) :"
الرسول صلى الله عليه وسلم ليس معصومًا عند حسين أحمد أمين:
الرسول صلى الله عليه وسلم في نظره ليس معصومًا إلا في نقله للقرآن فقط، وبهذا المفهوم يلغي السنة تمامًا.
يقول هذا المستنير:"ومع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدع قط أنه معصوم من الخطأ إلا حين يملي أو يتلو آيات ربه (!!) بل ونبه القرآن إلى أخطاء بدرت منه؛ فقد افترض أنصار الالتزام بالسنة - يقصد جمهور أهل السنة والجماعة ابتداء من الصحابة حتى أيامنا هذه- أن العناية الإلهية إنما كانت توجه كل عمل أتى به وكل كلمة صدرت عنه، منذ بعثه الله رسولًا إلى قومه، إلى أن مات، ومن ثم فقد رأوا أن أحكام السنة ملزمة في الحالات التي لم يرد بصددها نص قرآني" (85) .
يقول هذا المستنير الماركسي (الدوحة - مارس 83) :"كان هؤلاء المجتهدون يفكرون لأنفسهم (!!) ويراعون في وضعهم الأحكام مراعاتها للظروف المتغيرة في مجتمعاتهم، غير أنهم سلكوا مسلكًا خاطئًًا - لاحظ المصادر الكاملة للنيات والحكم عليها بتعمد الخطيئة لا الخطأ - إذ صاغوا آراءهم المبتدعة في قالب أحاديث نسبوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم واختلقوا لها الأسانيد الكاملة حتى تلقى قبولًا من الأمة".
وهكذا بجرة قلم خاطئة تسقط المدارس الفقهية والحديثية، وعلوم الجرح والتعديل، بل وسائر العلوم التي قامت على أساس الإسناد كفقه اللغة العربية وغيره.
ويقول المستنير نفسه في كتابه (دليل المسلم الحزين) (ص45) :
"لجأ الفقهاء والعلماء إلى تأييد كل رأي يرونه صالحًا، ومرغوبًا فيه؛ فهم يصنعون أو (يفبركون الأحكام ويختلقونها) بحديث يرفعونه إلى النبي صلي الله على وسلم" (86) !!
إنكار حسين أحمد أمين لكثير من الأحاديث الصحيحة في كتابه (دليل المسلم الحزين) :
أنكر حسين أحمد أمين كثيرًا من الأحاديث الصحيحة في كتابه (دليل المسلم الحزين) ، وراح يتهم الفقهاء بوضع الأحاديث النبوية، ويهاجم رواة الحديث بشدة، وما سلم من هجومه أحد حتى بعض الصحابة رضي الله عنهم (87) .
ومن أقواله في كتابه:"وكيف يمكن لنا انتقاء الصحيح من الحديث؟ إنه لمن السهل علينا تبين كذب الأحاديث التي اختلقها أتباع الفرق السياسية، كالشيعة والخوارج والأمويين ... وكذلك من السهل اكتشاف كذب الأحاديث التي تتنبأ بوصف ليوم القيامة تأباه عقولنا، أو كل ما ناقض المنطق ومجه التفكير السليم ..".. وذهب ينكر بعض الأحاديث الصحيحة، مرددًا أقوال من سبقه من المبتدعة والحاقدين.
يقول ساخرًا من حديث رواه أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:"إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله"يسخر من هذا الحديث؛ لأنه لا يخضع لعقله فيقول:"كان انتقاء البخاري للأحاديث الصحيحة على أساس صحة السند لا المتن، فالإسناد عنده وعند غيره هو قوائم الحديث إن سقط سقط، وإن صح السند وجب قبول الحديث مهما كان مضمون المتن" (88) (89) .
البيان في تفسير القرآن تفسيرًا ماركسيًا: