فهرس الكتاب

الصفحة 453 من 3028

لقد صارعت البشرية على امتداد تاريخها الحافل والطويل حضارات عديدة وعايشت تجارب"أيدلوجيات"واديانا ومذاهب مختلفة ومتفاوتة.

وبما أنها كانت بمثابة"فأر المخبر"لكل طارئ وجديد فقد لقي الإنسان- الضحية- من ذلك الحلو والمر والطيب والخبيث وعاين القسوة والرحمة وتحمل الظلم والإنصاف ففي تجربة يؤله ويقدس وفي أخرى تراه مهانا ومستعبدا وفي ثالثة يذبح ويدمر...

مع هذه الأيدلوجية يذهب به إلى ذات اليمين ومع أخرى يطوح به إلى ذات اليسار هذه تبعده عن فطرته بالإفراط والأخرى بالتفريط .

هذه تحرص على دوس كرامته وذبح أخلاقياته وتلك تستهدف خنق مقوماته وأخرى ترى فيه صنو البهيمة مأكلا ومشربا ومنكحا....

ولم يجد المسكين طعما حقيقيا لمعنى ذاته كإنسان ولم ينعم بكرامته وإنسانيته إلا في ظل تجربة التوحيد في واحة"الفتح الإسلامي الشامل".... الذي وقف من البشرية موقف الكرامة والعزة والسماحة أعادها إلى دائرة الفطرة النقية والحق الواضح والأمن الكامل ... والذي أعطى لكل فرد حق الحياة وحق العيش والاستمتاع بحياته بعيدا عن كل خطر يتهدده وعرّفه كما تقول الدكتورة بنت الشاطئ ?

انه لا ينبغي لأي كان أن يملك إنهاء حياة شخص ما- إعداما أو وأدا أو ...-.فالله هو واهب الحياة للإنسان ومن ثم فإنهاء الحياة يجب أن لا يكون إلا لله سبحانه.

1)النظرة المتباينة للإنسان....

إن السؤال الدرامي القديم الذي ظل الإنسان يطرحه على نفسه في حيرة وقلق ? من أنا ؟ من أين أتيت ؟ إلى أين أنا ذاهب ؟ ما هدفي في الوجود ؟.... قد ولد عدة رؤى ومطارحات وإجابات متشائمة حينا ومتفائلة أحيانا مختلفة ومتباينة لدى مفكري ومنظري المذاهب واتباع العقائد على اختلافها.

2)النظرة الوجودية للإنسان....

فالوجودية ترى أن الإنسان اله نفسه وسيد موقفه وموجه ذاته ومالك إرادته وبالتالي فهو حر في كل تصرفاته ولا أحد يحد من طموحاته أو يعكر صفو أمانيه وكل السبل يجب أن تؤدي إلى تحقيق شهواته ورغباته فلا قيود ولا رباطات ولا رقيب ولا حسيب و"الجحيم هم الآخرون"كما أعلنها سارتر.

"بينما نرى أرسطو يحدد للفرد فرديته وحريته لا يجعلها من حق الناس جميعا بل يقصرها على السادة وعنده أن للأعلى- السيد- أن يبسط نفوذه على الأدنى- العبد- كما أن على الأدنى أن يخضع للأعلى ويطيعه. وعنده أن الحر حر رغم استعباده و أن العبد عبد رغم ما يحقق من نصر."

أما أفلاطون فانه يجرد الفرد من قيمته الفردية ليجعله أداة مسخرة لخدمة الدولة" (1) "

3)النظرة اليهودية...

والنظرة اليهودية اقذر ما تكون إذ هي مزيج من عنصرية بغيضة وحقد فائر فالإنسان الآخر- غير اليهودي -لا حق له في الحياة وخير دليل على ذلك ما جاء في سفر يشوع ?

"اهلكوا جميع من في المدينة من رجل وامرأة وطفل وشيخ حتى الغنم والحمير... بحد السيف واحرقوا المدينة وجميع ما فيها بالنار". وما المجازر الرهيبة والوحشية التي يقترفها اليهود إزاء المسلمين في الأرض المحتلة وبيروت ومذبحة صبرا وشاتيلا ... عنا ببعيدة ولا غائبة.

4)الإنسان عند الرومان...

أما الرومان فقد عرف عنهم القسوة التي لا تعرف الحدود والظلم الذي يصل إلى ابعد الدرجات فكانوا يعمدون إلى رمي العبيد إلى الوحوش الضارية والاستمتاع بمشاهدتها وهي تنقض على الآدميين وكان الإعدام بالإلقاء إلى الوحوش على عهد الإمبراطور أغسطس قيصر عقوبة قانونية.

5)التفسيرات النصرانية...

بينما تذهب التفسيرات النصرانية أن الإنسان- الطفل- يولد شريرا بطبعه وانه يولد محملا بكثير من الشرور والآثام فيجب أن يقمع ذلك بالشدة والعنف و أن يسلك به سبل التعذيب والإيلام (2) .

6)النظرية الماركسية....

وترى الماركسية أن الفرد وسيلة لا غاية ولا يتعدى أن يكون اكثر من ذرة تذوب في جسم الدولة لا حق له في ملكية ولا في ثمار الكسب ... فالإنسان في الكهف الماركسي المظلم يعيش مأساة حمراء مزدوجة معنوية ومادية . ورحم الله العلامة محمد باقر الصدر حيث يقول ?"إن إنسانا يعتصر الآخرون طاقاته ولا يطمئن إلى حياة طيبة واجر عادل وتامين في أوقات الحاجة لهو إنسان قد حرم من التمتع بالحياة وحيل بينه وبين الحياة الهادئة المستقرة كما أن إنسانا يعيش مهددا في كل لحظة محاسبا على كل حركة معرضا للاعتقال بدون محاكمة وللسجن والنفي لأدنى ريبة لهو إنسان مروع يسلبه الخوف حلاوة العيش وينغص الرعب ملاذ الحياة" (3)

7)الإنسان في الإسلام..

بينما يرى الإسلام- ذلك الدين القيم الحق- أن الإنسان حر الإرادة و أن إرادته تلزمه التبعية والمسؤولية أمام ربه والالتزام الأخلاقي أمام الناس و أن ذلك كله مرتبط بالبعث والجزاء الأخروي. (4)

والإسلام قد أعلى من شأن الإنسان واعتبره خليفة الله في أرضه وأكد كرامته واعتبرها كرامة ذاتية أصيلة لا تنبع من جنسه ولا من لونه ولا من بلده ولا من قومه ولا من عشيرته ولا من ماله ولا من عرض من أعراض الدنيا الزائلة وإنما تنبع من كونه إنسانا من هذا الجنس الذي أفاض عليه ربه التكريم وسخر له ما في السماوات والأرض ورزقه من الطيبات وفضله على غيره من المخلوقات (5) قال تعالى (( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) ) (الإسراء 70) .

والإسلام- من جهة أخرى- يفرض كفالة مشتركة بين أهله ويجعل العجزة والضعفاء والمحرومين موضع تقدير كبير ولا يطالب بإسقاطهم أو قتلهم بل على العكس يطلب لهم حمايات وضمانات كاملة ويعتبرهم موضع الرزق (( إنما ترزقون بضعفائكم ) ) (6)

وإذا كان القانوني الفرنسي"منتسكيو"يرى انه من المستحيل أن يرثي الإنسان للإفريقيين ذوي البشرة السوداء وانه لا يمكن للمرء أن يتصور أن الله سبحانه وتعالى- وهو ذو الحكمة السامية- قد وضع روحا طيبة داخل جسم حالك السواد... فإن المؤرخ المسلم- ابن خلكان- قد أعلنها صريحة ? إن البشرة السوداء لا تقلل من شرف النفس الطاهرة ولا تنقص من علم العالم ولا من سمو الفكر.

8)النظرة المجحفة للحياة...

لقد قرر القرآن الكريم أن الحياة البشرية ذات معنى و أن الإنسان هو محور فلسفة التاريخ والقرآن لا يعتبر الأرض مكانا للعذاب أو سجنا يسجن فيه البشر الآثمون في أصول تكوينهم لسبب خطيئة أصلية ذلك انه لا توجد أصلا خطيئة للبشر و أن خطيئة آدم قد غفرها الله له. (7) .

وكما يقول صاحب كتاب"الإسلام على مفترق الطرق" ( الإسلام ينظر إلى الحياة بهدوء واحترام ولكنه لا يعبدها. إن النجاح المادي مرغوب فيه ولكنه ليس غاية في ذاته بل يقود الإنسان نحو الشعور بالتبعية الأدبية في كل ما يعمل والغاية من جميع نشاطنا العملي يجب أن يكون خاتميا(8)

ومن هنا نرى أن الإسلام لا يقر الرهبنة التي تعزل الإنسان عن طيبات الرزق ولا يقر في الوقت نفسه الإباحية والتحلل الذي يحطم كيان الإنسان وهو حين يفعل ذلك يضع الإنسان في مكانه الحق من حيث هو بشر له أمانته ومسؤوليته وإرادته الحرة وحسابه وجزاؤه على أعماله . (9)

بينما تقرر الماركسية بتبجح لا يرتكز على برهان في مقولتها الواهية"لا اله والحياة مادة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت