أما عند الرومان واليونان فالحياة مسرح للذة والشهوة والبطولات المتهورة وفرصة عفوية للتمتع بالجسد العاري والتسلي بمشاهدة الصراعات الدرامية بين الآلهة والإنسان وبين السادة والعبيد وأما عند اليهود فهي تنافس بغيض وفوضوي على مزيد من العنصرية والربا والمادية الطاغية والتخريب والتدمير للآخرين ثم جاءت النصرانية لتنحرف بها إلى الروحانيات الجافة والزهد الانهزامي والرهبانية الذليلة والنفور المقيت من الحياة والجهاد والتكسب.
وبعد...
يقول المفكر المسلم (أنور الجندي) "إن أحق الأديان بطول البقاء والأخذ بتجربتها وقيادتها للبشرية ما وجدت أحواله متوسطة بين الشدة واللين ليجد كل امرئ من ذوي الطبائع المختلفة ما يصلح به حاله في معاده ومعاشه ويستجمع له فيه خير دنياه وآخرته وكل دين أو مذهب لم يوجد على هذه الصفة بل أسس على مثال يعود بهلاك الحرث والنسل فمن المحال أن يسمى دينا فاضلا." (10) .
ولقد طوفت البشرية بين كثير من الأديان والمذاهب وجربت كل الأيدلوجيات المطروحة قديما وحديثا فهل حققت سعادتها المنشودة واكتمل رشدها وهل حافظت على مقوماتها وأخلاقياتها وكرامتها ؟ فلقد أذاقتها اليهودية سموم العنصرية الحمراء ولطختها بوحل المادية الطاغية ثم جاءت النصرانية فعطلت طاقاتها وطمست مواهبها وإبداعاتها وحالت بينها وبين زينة الحياة الدنيا بانتهاجها سبيل الرهبانية المبتدعة ولا يخفى على عاقل ما لاقته وتلاقيه من مجون الوجودية وانحلالها وشهوانيتها ومن بغي الشيوعية وطغيانها الأحمر الحاقد ومن جشع الرأسمالية وميوعتها ومن علمانية الغرب وإلحاده.
فهلا آن لها أن تستريح في ظلال التوحيد وتنعم بسماحة الإسلام وتكريمه وتوقيره وتسترد بالتالي نقاوة فطرتها وسالف عزها وأمجادها وما دنس وشوه من مقوماتها حتى تعود إلى استئناف دورها الخلافي في الأرض من الإصلاح والتعمير إلى نشر الخير والعدل والأمن..
هوامش ?
(1) الإسلام والعالم المعاصر- أنور الجندي -ص54
(2) المصدر السابق نفسه- ص 236
(3) فلسفتنا- محمد باقر الصدر- ص 34
(4) الإسلام والعالم المعاصر- ص 238
(5) مجلة الأمة- مقال النظرة الإنسانية في فلسفة التربية الإسلامية- عيسى حسن الجراجرة- ص 33 العدد 36
(6) الإسلام والعالم المعاصر- ص 214
(7) المصدر السابق نفسه- ص 164
(8) الإسلام على مفترق الطرق- محمد أسد
(9) الإسلام والعالم المعاصر- ص 250
(10) المصدر السابق نفسه- ص 295.
العطش الروحي... من يرويه ؟
في الوقت الذي يظن فيه المشدوهون والمبهورون بالحضارة الغربية... إن الغرب المتحضر قد اكتمل رشده الإنساني وبلغ سعادته المثلى وحاز الأهلية المطلقة في السيادة والريادة والسيطرة الأدبية والمادية على العالم... في الوقت ذاته تتعالى صيحات عميقة منذرة من قلب هذا الغرب من عقلائه ومفكريه وفلاسفته تحذر من إهمال الوجه الروحاني للحضارة ومن فراغ هذه الأخيرة من المثل والقيم والالتزامات الأخلاقية.... مما يعتبره هؤلاء المفكرون الغربيون مؤشر هدم خطير وهو اعتبار واقعي وموضوعي.
أي إن ما ننعته نحن الآن ومن سنين في الشرق الإسلامي بأسباب تخلفنا ومن مواصفات رجعيتنا وجمودنا وبالمعوق لتحضرنا وتقدمنا ... اصبح هو المؤمل المرتجى عند عقلاء الغرب وأرباب هذه الحضارة.
ذلك أن الأديان التي نبذها في أول العهد منظرو هذه الحضارة أزاحوا ظلها عن تفكيرهم وحرصوا على محو أي اثر لتعاليمها فيما يقولون ويعملون ولم يتخذوا منها ولو لبنة واحدة كبرت أم صغرت في بنائهم لحضارتهم إذ اعتبروا الدين والتدين مسألة شخصية... ثم هو مخدر وأفيون يصرف الشعوب عن التمدن والبناء والتغيير و أن على الإنسان وحده أن يبحث عما يلائمه حتى بلغ الأمر بهم أن علقوا إبان الثورة الفرنسية في قرية ( هوتفيلر) منشورا يقول"ابتداء من الغد على مواطني ومواطنات هذه القرية أن لا يعترفوا بأية عبادة باستثناء عبادة العقل والحرية والمساواة وأما مبنى الكنيسة الذي اغلق الآن فسوف يصبح معبدا للعقل ويخصص من الآن للاحتفال بالأعياد الوطنية".
بعد كل ذلك العداء الظاهر والباطن والتهكم الصارخ اصبحوا الآن ينظرون إلى الدين والتدين والقيم والمثل والالتزام الخلقي والروحانيات على أنها الواقي الصلب الذي يحول بين الحضارة والاندثار بعد ما رأوا بطلان اطروحاتهم وفساد نظرياتهم وشلل رؤيتهم.
ولن اذهب بكم بعيدا فهذا"توينيبي"يقول في إحدى محاضراته"إن الأديان الكبرى جميعا مهملة وآخذة في الانحسار وربما توقف مستقبل الجنس البشري على عودتها ثانية إلى سيطرتها السابقة على البشرية""ثم إن الإنسان الغربي وهو تائه في غمار حضارته قد فشل في دوره كإله ارضي و أقر بأنه يفتقر إلى شيء ما ليكون سعيدا" ( ماهو الغرب ؟ راشد الغنوشي)
سفينة بلا قيادة ..
وهذا الطبيب الفيلسوف الألماني"البرت شفيتزر"يصرخ من كل أعماقه".... الخاصية الروعة في حضارتنا هي أن تقدمها المادي اكبر بكثير من تقدمها الروحي ..لقد اختل توازنها.... والحضارة التي لا تنمو فيها إلا النواحي المادية دون أن يواكب ذلك النمو نمو متكافئ في ميدان الروح هي أشبه ما يكون بسفينة اختلت قيادتها ومضت بسرعة متزايدة نحو الكارثة التي ستقضي عليها... إن توكيد العالم والحياة قد تزعزع عندنا فلم يعد الرجل العصري المتحضر يشعر بدافع إلى التفكير في المثل العليا ذلك انه لم يعد يؤمن بالتقدم الروحي والأخلاقي للناس والإنسانية مع أن هذا التقدم الروحي والأخلاقي هو العنصر الجوهري في الحضارة...".
"ومن هنا نشأ الإنسان الغربي المتحضر يتيما تافها لا يعدو أن يكون مجرد جسد ومجرد حاجيات مادية.. نشأ يتيما لأنه لا ينتظر أية مساعدة من الله- كما قال"شبنهاور"- ... ونشأ تافها لأنه اعتبر العالم فوضى من المعقولات والقبائح" ( ما هو الغرب ؟ للغنوشي) .
ونحن لا ننكر أن الحضارة الغربية بإقلاعها المادي الباهر قد أشبعت الجانب البطني الترابي من الإنسان وملأت حياته- حد التخمة- بأسباب الرفاه والترف الشيء الذي حبب إليه المجون واللامبالاة والتميع وأوقعه بالقلق والقسوة...
وإزاء هذه الحال المنذرة بمزيد من الشر وهو شر لن يتوقف خطره على الغرب فحسب إنما هو قادم في سباق نحونا إن عاجلا أو آجلا. وذلك بحكم التبعية العمياء التي نسلكها إزاء الغرب والمنهج الذيلي الذي نطبقه في شتى المجالات.... إزاء كل هذا فواجب على المسلمين الصادقين أن ينقذوا الإنسانية من هذه الظلمات المتراكمة و أن يعجلوا بتقديم الجرعة الشافية للبشرية المريضة ذلك أن الله سبحانه قد حملهم الشهادة على العالم.
لقاح ضد جراثيم الفساد....
وهم لن يستطيعوا ذلك إلا عندما يقدمون الدين للعالمين كموعظة للعقل? دعوة إلى الإبداع والخلق والابتكار.. وكشفاء للنفس يحميها ويلقحها من جراثيم الفساد والانحلال والتميع .. وكهدى ورحمة للفرد والجماعة يبصر به سواء السبيل ويحفظ به عرض الإنسانية ويذود عن شرفها وكرامتها من أن يتطفل عليها عابث ماجن.