إن تعاملنا على هذا الصعيد تعامل تجاري -غبي- فنحن نتعامل مع الحضارة كزبائن لا كتلاميذ ? نريد من الغرب المتحضر أن يفتح لنا- بشره- متاجره ومغازاته ويبعثر أمامنا سلعه ومنتجاته بدل أن يفتح لنا مدارسه ويكشف لنا تجاربه ويمدنا بأصول نهضته وتقدمه ويعلمنا تقنياته والياته وبهذه الصيغة- الباهتة- نكون قد حرصنا على جمع أكوام من المنتجات الحضارية اكثر من أن نهدف إلى تشييد حضارة.
"إن علاقتنا بالحضارة الغربية لا تستطيع أن تأتينا بالحضارة طالما يوجد في مجتمعنا من يستورد فرو السيدات الباهظ الثمن وهو في صحراء العرب حتى إذا أراد استعماله جعل داخل القصور مكيفا للهواء في درجة الصفر لتستطيع السيدات استعماله فإن هذا عبث وصبيانية وإتلاف لإمكانيات المجتمع" (12) .
وأسوق مثالا لإحصائية عادية من مجلة تجارية عالمية ليتضح لنا اكثر سوء تعاملنا الشيئي الجاف نع الغرب وهو مثال يغني عن كثير من الكلام ?
فقد نشرت مجلة للتجارة الدولية (بوم) في عددها الصادر في نوفمبر 1949 إحصائية جاء فيها ?
دولة إسرائيل عرض ? إسمنت- رخام- امنيات- حقائب
طلب ? حديد للصناعات والبناءات- منتجات كيماوية وعلاجية- فلين
الدول العربية? ( العراق- الأردن- الكويت...)
عرض? لا شيء
طلب ? مجوهرات- ملابس- مساحيق- عطور- لعب- حلوى- فواكه محفوظة - حرير- أقطان.
فهل بمثل هذا التعامل وهذه العلاقة نستطيع أن نرسي حضارة ؟؟
4)من أين العلة ؟
بعد ما بينا أطوار هذا التعامل .. ولم يبق أدنى شك- لدى العاقل- في انه تعامل سلبي ومريض إذ برغم طول المسافة الزمنية التي قطعها لم يأت بنتيجة ولم يبن حضارة ولم يزد على أن قدم تخمة شيئية اثقل بها كاهل المجتمعات ... بقي أن نتساءل بجد ? ما علة ذلك ؟ ما أسباب فساد تلك الصيغة في التفاعل والتعامل مع حضارة الغرب ؟
أرى أن هناك أسبابا خارجية وأخرى داخلية ?
أما السبب الخارجي فهو الاستعمار الذي ابتليت به المجتمعات الإسلامية ? هذا الاستعمار الذي استخدم كل وسائله واستعمل كل ذكائه ومكره ودهائه ووظف كل طاقاته في إذابة فاعلية الشعوب التي أخضعها لقوته وتمييع تصوراتها وإهدار إبداعاتها وخنق طموحاتها مما ولد فيها عقدة الشعور بالنقص والإقرار الضمني بالانهزامية حتى لكأن لسان حالها يقول..لم التعب ومشقة الخلق والبحث والغرب قد كفانا كل ذلك... فما علينا إلا أن نمد يدنا فنأخذ ونشتري ما نشاء. وهذا ما الزمها على التبعية المضلة والذيلية الغبية للغرب ولكل ما هو غربي فهو لم يبسط نفوذه على الشرق ليمدنه ويعلمه أسباب التقدم والقوة وإنما جاءه ليسلبه خيراته ويسرق جهود رجالاته ويصرفه بأي حال عن التطلع إلى الشروق المدني والبناء الحضاري... بما نشر فيه من فلسفات هدامة وشبهات وأفكار متهمة ? فهو مثلا لم يفتح جامعاته أمام الوفود الطلابية- المسلمة- إلا لتعليم العلوم الإنسانية كالتاريخ والفلسفة والفنون وعلوم النفس .. المواد التي يسهل فيها التزييف والتضليل... أما كليات العلوم التجريبية التي ليس فيها منافذ للتضليل فهي موصدة أمامهم.
وأما عن السبب الثاني ? فناتج من أننا ابتعدنا عن مثلنا الأعلى وبهت تطلعنا إليه وانحزنا إلى مثل أعلى أجنبي مستورد وناتج من أن أمة ما بعد أن تفتقد مثلها العليا النابعة منها تفقد فاعليتها وأصالتها ? إذ بقدر ما تتبنى الأمة مثلا أعلى قابلا للتحريك فالله سبحانه يمنحها ويعطيها من خيراته ونعمه..فعندما تشبث المسلمون الأوائل بمثلهم الأعلى الذي هو الله سبحانه وتعالى بنوا حضارة وحازوا قيادة العالم وتربعوا على عرش الأستاذية يعلمون الأجيال مكارم الأخلاق ويمدون الحياة البشرية بأسباب السعادة والخير والأمن.
ذلك أن عقيدتهم التوحيدية علمتهم كيفية التعامل الفعال والصالح مع صفات الله وأخلاق الله بوصفها حقائق عينية وبوصفها رائدا عمليا وهدفا لمسيرتهم ومؤشرات على الطريق نحو الله سبحانه.
والمسلمون من قرون فقدوا ذلك العطاء ونخلوا عن التكامل... عندما تميعت علاقتهم مع المثل الأعلى .. عندما ضيعوا الصيغة الرشيدة للتعامل السليم مع الكتاب... مع دستورهم الخالد فقدوا بذلك الفاعلية ولم يسيروا في اتجاه التاريخ.
فالتاريخ- كما يقول مالك بن نبي- بيد الإنسان المتكامل الذي يطابق دائما بين جهده وبين مثله الأعلى وحاجاته الأساسية والذي يؤدي في المجتمع رسالته المزدوجة كممثل وكشاهد وينتهي التاريخ بالإنسان المتحلل وبالفرد الذي يعيش في مجتمع منحل لم يعد يقدم لوجوده أساسا روحيا أو أساسا ماديا.
ثم هناك علة أخرى كامنة فينا وهي سوء فهمنا للحقيقة الاجتماعية والحقيقة العلمية ? فنحن في تعاملنا مع الغرب لم نفرق بين الصيغتين وكان ذلك مصدرا آخر لتخلفنا وترسيخا لتبعيتنا.. فقد ظننا بعد أن تبينا الغرب كمثل أعلى نرنو أتليه في عليائه ونتمنى اللحاق به على عجل ودون كدح وجهد.. ظننا أن كل ما يتقيؤه الغرب من نظريات وأفكار وفلسفات ومطارحات هي بمثابة الحقائق والقضايا العلمية التي مادامت صحتها ظهرت في الغرب فمن المؤكد أن تصح وتؤتي ثمارها عندنا أيضا وغفلنا عن ترتيبها ضمن الحقائق والقضايا الاجتماعية التي تخضع لمعيار آخر غير الصحة والبطلان..فهي خاضعة للزمان والبيئة والدافع فمثلا قضية نبذ الدين وفصله عن الساسة والنشاطات الاجتماعية هي قضية اجتماعية وليست علمية.. نجحت في الغرب وآتت أكلها هناك .... وفشلت عندنا لأن الدافع والبيئة والزمان مغايرين لما عند الغرب وقس على ذلك قضايا المرأة والأسرة والأخلاق.
5)خاتمة
فماهو السبيل إذن إلى تدارك خطئنا وماهو المسلك السليم لبناء حضارتنا؟
إن الحياة كما قال الفيلسوف المسلم محمد إقبال ? جهاد لتحصيل الاختيار ومقصد الذات أن تبلغ الاختيار بجهادها.
وبناء حضارة راقية صالحة تسعد في أعطافها البشرية ويعم فيها العدل والخير والأمن وإخراج مجتمع متطور إنساني يحتاج إلى أناس طيبين أحرارا يعتزون باستقلالهم في كل المجالات وبكرامتهم ويثقون في أنفسهم... أما التميع والتبعية والإمعية الغبية والشعور بالنقص فلن يخلق سوى نفوس مشوهة رخوة لا تستطيع بأي حال إرساء أسس حضارية قابلة أن تخرج المجتمع الإنساني من الجور والظلم إلى العدل والحرية والنور.
فالقضية إذن ليست قضية أدوات ولا إمكانات ( هذا لا يعني النفي التام لهذه الأسباب ) إن القضية كانت في أنفسنا إن علينا أن ندرس الجهاز الاجتماعي الأول وهو الإنسان فإذا تحرك الإنسان تحرك المجتمع والتاريخ وإذا سكن سكن المجتمع والتاريخ ذلك ما تشير إليه النظرة في تاريخ الإنسانية منذ بدأ التاريخ فترى المجتمع حينا يزخر بوجوه النشاط وتزدهر فيه الحضارة وأحيانا تراه ساكنا لا يتحرك يسوده الكساد وتغمره الظلمات.
ومن جوامع الحكم القديمة ? غير نفسك تغير التاريخ..
هوامش ?
(1) الدكتور علي شريعتي- المفكر ومسئوليته في المجتمع
(2) نفس المصدر
(3) أنور الجندي- الإسلام والعالم المعاصر
(4) محمد الغزالي- من هنا نعلم
(5) الدكتور علي شريعتي- المفكر ومسئوليته في المجتمع
(6) محمد باقر الصدر- مقدمات في التفسير الموضوعي للقرآن
(7) محمد باقر الصدر- مقدمات في التفسير الموضوعي للقرآن
(8) مالك بن نبي- وجهة العالم الإسلامي
(9) مالك بن نبي- وجهة العالم الإسلامي
(10) مجلة"الأمة"-عدد 31 سنة 3- صفحات 12 و22
(11) مجلة"الأمة"- عدد31 -سنة 3 -صفحات 12و22
(12) مالك بن نبي- أحاديث في البناء الجديد.
البشرية وتجارب العقائد