"وأول ما فعله المفكر في المجتمع الإسلامي والشرقي هو مقاومة الدين ? كان في ثمار مقاومة الدين في أوروبا حرية الفكر والنضج الفكري والمدنية المزدهرة وأنواع التقدم العلمي السريع والمدهش في كل مجالات الحياة . لكن نفس هذا الأمر عندنا- أي مقاومة الدين في المجتمعات الإسلامية- كانت أولى ثمارها وأسرعها وافدحها هي تحطيم السد الذي كان يقف حائلا في وجه النفوذ الإمبريالي والانحطاط الفكري". (5)
ثم إن هناك مفارقة أخرى يجب أن لا تهمل وهي أن النصراني لا يستسهل ترك دينه إلا إذا صار عالما وذلك للتناقض الحاصل الذي يلحظه بين استنتاجات العلم وتعاليم دينه المحرف بخلاف المسلم فانه لا يهمل دينه ولا يتقاعس عن أداء فرائضه والتزاماته الدينية إلا إذا صار جاهلا. إذ الدين الإسلامي لا يمكن أن يبقى على قيد الحياة إلا بانتشار العلوم وتقدمها فإن بين الإسلام والعلوم رابطة كلية متينة.
ثم إن المفكر الغربي عندما واجه سطحية الفكر الكنسي وبدائية تصوراته ومعلوماته الخاوية وتفسيراته اللاعلمية والقائمة على غير برهان للظواهر والأحداث... كان رد فعله- المنطقي- هو رفعه لشعار"العلماوية"أي انه قرر جازما أن لا يقبل أي تفسير لحادث ما إلا تحت الفحص العلمي وتحت مجهر التجربة. ولهذا قال"كلود برنار"?"إذا لم أر الروح تحت مبضع الجراح فلن أؤمن بوجودها".
والمفكر المسلم عندما يرفع هذا الشعار رفعا غبيا صبيانيا كما حصل فانه يكون غير واقعي ولا منطقي ذلك أن دستوره القرآني لم يكن يصده عن إعمال العقل والمطالبة بالبرهان وانتهاج الميدان التجريبي (( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) ) (( فاعلم انه لا اله إلا الله ) ).
ثم إن القرآن قد قاوم النظرة العفوية والنظرة الغبية الاستسلامية لتفسير الأحداث ذلك أن الإنسان الاعتيادي الذي وجده القرآن في الجزيرة العربية كان يفسر الأحداث التاريخية بوصفها كومة متراكمة من الأحداث يفسرها على أساس الصدفة تارة وعلى أساس القضاء والقدر تارة أخرى... والاستسلام لأمر الله تعالى.. القرآن قاوم هذه النظرة العفوية والاستسلامية ونبه العقل البشري إلى أن هذه الساحة لها سنن ولها قوانين وانه لكي تستطيع أن تكون إنسانا فاعلا مؤثرا لا بد لك أن تكتشف هذه السنن. (6)
ثم إن القرآن الكريم لم يطرح نفسه بديلا عن قدرة الإنسان الخلاقة وعن مواهبه وقابلياته في مقام الكدح والتجربة .. القرآن لم يطرح نفسه بديلا عن هذه الميادين وإنما طرح نفسه طاقة روحية موجهة للإنسان مفجرة لطاقاته محركة له في المسار الصحيح. (7)
فهل بعد هذا يجد المفكر في المجتمع الإسلامي ثغرة في منهاجه حتى يتبنى ذلك الشعار الذي رفعه الفكر الغربي؟
2)على الصعيد الثقافي
هناك حادثة وقعت في الأربعينيات ملخصها أن شابا زيتونيا بعد أن اكمل دراسته الزيتونية طلب من إدارته السماح له بالسفر إلى فرنسا لاستكمال دراسته هناك. فكان رد الإدارة في قولها ? ليست لنا حاجة في تعلم اللغة الفرنسية.. (؟؟)
هذه الملاحظة تبين بجلاء- كما يقول مالك بن نبي- كيف يتصور المجتمع الإسلامي في عصور الانحطاط دور الطالب الذي يسافر إلى الخارج. فالهدف الوحيد أن يدرس لغة أو يتعلم حرفة لا أن يكتشف ثقافة. فكل ما يهمه المنفعة العاجلة. لكنا -والكلام لمالك- لا ينبغي أن نعزوا هذا الاتجاه إلى عدم اكتراث المسلم بالحضارة الغربية فحسب بل إن المدرسة الغربية الاستعمارية قد ساهمت في خلق هذا الوضع إذ لم تكن تهتم بنشر عناصر الثقافة الأوروبية بقدر ما تحرص على توزيع نفاياتها التي تحيل المسلم عبدا للاقتصاد الأوروبي فهي لا تسعى إلى اكتشاف ذكاء تلاميذها أو دفع مواهبهم وإنما تسعى إلى خلق آلات ذات كفاءات محدودة (8) ... ذلك أن الأوروبي لم يتحمل عناء السفر إلى الشرق ليقوم بدور الممدن وإنما ليتولى خطة المستعمر.
ثم إن نظرتنا إلى حضارة الرجل الأبيض- في إطار التفاعل والتعامل- وخاصة على الصعيد الثقافي كانت مرتكزة بصفة كلية على المظاهر الطافية والخادعة وكان انبهارنا محصورا فيما نرى ونشاهد بالعين المجردة ليس إلا.. فنحن نرى وننبهر بتلك المرأة القابعة في المقهى والمترنحة في المرقص والضائعة في الشارع والتي تصبغ أظافرها وشعرها وتدخن ولا نرى المرأة الأوروبية التي تجمع الحشيش لأرانبها أو تنشر الحب لدجاجها أو تنكب على حلب بقراتها... أو تلك التي لا تترك فرصة تمر دون مطالعة جادة في كتاب أو تأمل منظر تمر إزاءه أو تفكر في اثر يشد انتباهها.
وبدل أن نعجب بذلك العامل الحريص على إتقان صنعته والمتفاني حد الهيام في عمله أو بذلك الفنان المبدع والمتعمق في أثره... المنظم لدقائقه الحريص على الإبداع والابتكار... ترانا نهيم بذلك الفوضوي المتهور في شوارع أوروبا نقتبس منه شطحاته وفضوله ونحاكي تميعه ومجونه ونقلد طريقة أكله ولباسه وحتى موضة نفثه لدخان غليونه.
ومن هنا تولدت عندنا أشكال غريبة جدا في سلوكياتنا وطفرت فجأة عندنا أخلاقيات وقيم مشينة لم تعرف في عاداتنا ولا تراثنا ولعل أقربها أظهرها موضات التسريحات واللباس والاختلاط الماجن. وما نسمع ونشاهد ونقرأ ونتعلم في مدارسنا وملاهينا ووسائل إعلامنا.
لقد اختل- حقا- مزاجنا وفقدنا توازننا في كل شيء . يقول مالك بن نبي ?"إن مجتمعاتنا قد فقدت توازنها الأصيل وهي لا تزال تتذبذب ولا تعرف لها قرارا حتى اليوم وإننا لنشاهد عدم الاستقرار هذا حتى في أنفسنا وفي تصوراتنا للأشياء حين تختلف باختلاف الناظرين إليها.. فهناك منا من يشك في كل شيء ويرى المدنية معركة اقتصادية و إن تخليص الشعب لن يتأتى إلا بحيلة اقتصادية ... أو بكارثة مالية في السوق السوداء ومنا من يرى المدنية في الأعراس الانتخابية والمظاهرات العمومية وهو يظن أن خطبة يهتف لها تقلب النظام العالمي."
وهناك النظرة المخدرة يرى صاحبها أن المثل الأعلى للمدنية يبرق في قعر كأسه ويلمع في جو الخمارة ومنا من يرى تحرير الشعوب في تحرير النساء ويظن انه ملك المدنية إذا ما فاز بامرأة عصرية" (9) "
"إننا بحق لم نعد نملك اليوم أي ذاتية تستبين من خلالها منطلقات فكرية أو ثقافية متميزة تحدد معالم وجودنا الحضاري المستقل ... أصولنا الثقافية التي كانت دعامة حضارتنا الإسلامية العظمى ملقاة على رفوف الإهمال بل مرمية في زوايا النسيان وإنما نعكف اليوم على أصول ثقافية أخرى اقتطعناها كما هي من الغرب ففنون التربية وعلوم النفس والاجتماع والأخلاق التي تدرس في مدارسنا وجامعاتنا ليست إلا مجموعة نظريات ومواصفات وضعت تعبيرا عن النظرة الغربية إلى الوجود ودعما لأصول الفلسفة الاجتماعية التي ارتضاها الغرب لنفسه" (10)
غير أننا- في غمرة نشوة الانبهار والتفاعل- لم نفقه الصيغة السليمة للأخذ والرد ولم يدر بخلدنا أننا إذا احتجنا إلى الاستفادة من خبرة الغرب وتفوقه في الصناعات الآلية التي كانت سببا في مجده وسيادته فمن المؤكد أننا في غير حاجة إلى استيراد قواعد السلوك والتربية والأخلاق التي تدل الإمارات والبوادر على أنها ستؤدي حتما إلى تدمير حضارته والقضاء عليها قضاءا تاما في القريب العاجل (11) .
3)على الصعيد المادي أو الشيئي