فهرس الكتاب

الصفحة 448 من 3028

2)معنى الوعي التاريخي...

الوعي التاريخي نعني به ? ذلك التبصر الدائم والهادف بالتاريخ القريب والبعيد الذاتي والموضوعي الحاصل- أي التبصر- من غلال التوغل المركز في قراءة صفحات التجارب البشرية الكثيرة والمتنوعة وفحصها وتدبر أبعادها وخلفياتها واكتشاف المؤثرات والسنن التي ساهمت في بعثها وإيجادها قصد التزود والاعتبار ومحاولة تفهم الأسس السيكولوجية للكثير من الأحداث والصراعات والانفعالات والتأثيرات والحروب... الحاصلة والمتولدة عبر الأيام في تاريخ البشرية الحافل والطويل.

3)قيمة الوعي التاريخي....

وقيمة الوعي التاريخي بهذا المفهوم ترجع أساسا إلى كون علم التاريخ ومعرفته تجربة وعبرة أو كما يعبر عنه علامتنا ابن خلدون ?"فن التاريخ فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم والأنبياء في سيرهم والملوك في دولهم وسياستهم حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا..." ( المقدمة- 13) ذلك أن التاريخ في حقيقته"خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال" ( المقدمة- 57)

ثم في كونه أيضا"تجربة عطاء في شتى مجالات المعرفة والحركة الإنسانية ... وانه حصيلة سنن تحكم الطبيعة والإنسان والعالم" ( في النقد الإسلامي المعاصر 123 للدكتور عماد الدين خليل) ومن هنا نرى القرآن الكريم يولي المسألة التاريخية أهمية كبرى.

4)القرآن الكريم والدعوة إلى التبصر والتاريخ

كثيرا ما يؤكد القرآن العظيم وهو الكتاب الحق والخالد على ضرورة الوعي التاريخي ويدعو المسلمين إلى التبصر الجاد والمستمر بأحوال الأولين والتمعن في سيرهم للاعتبار والاتعاظ بما جرى لهم حتى لا تتكرر الأخطاء وحتى يتجنبوا مزالق التيه والضلال التي وقع فيها من سبقهم من الأمم ومن ثم لينقذوا أنفسهم والبشرية من حولهم بما انهم شهداء عليها من سوء العذاب وخسران المصير.

كما أوضح لهم اكثر من مرة أن السنن المسيرة لحركة التاريخ لا تقتصر على شعب دون شعب ولا على إقليم دون آخر حتى يأخذوا حذرهم.

فالمسائل التاريخية- إذن- المتعلقة بالشعوب السابقة وبمصير الأمم وأحوالها وعلاقاتها الحضارية ثم أسباب سقوطها... وانهيار الحضارات السالفة متوافرة ومطروحة في القرآن الكريم بشكل بارز ?"... إن آياته البينات ترحل بالمؤمنين عبر كل تلاوة في مجرى الزمن وتحكي لهم عن وقائع التاريخ المزدحمة وأحداثه المتلاحقة ومعطياته المتمخضة عن القيم والعبر والدلالات... ومعظم سور القرآن تضرب على الوتر نفسه فلا تكاد تخلو من واقعة تاريخية أو حدث ماض أو دعوة لاستلهام المغزى من هذه التجربة أو تلك .. إن الامتداد الذهني والوجداني إلى الماضي يشكل مساحة واسعة في كتاب الله.." ( الأمة- العدد- 18 ص8)

وهذا لا يعني أن القرآن كتاب تاريخ أو مدونة تاريخية ذلك أن كلمة التاريخ لم تذكر لا في القرآن ولا في السنة -كما يؤكد العلامة علال الفاسي- و إن قص علينا القرآن قصصا للأولين لا لنعتبرها تاريخا بأوقاتها وظروفها ولكن لنتعظ بما فيها من عبرة لأولي الألباب.

قال تعالى ? (( ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم و أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ) ) ( الأنعام 6) .

وقال أيضا ? (( وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم اشد منهم بطشا فنقًبوا في البلاد هل من محيص. إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ) ) ( ق 36/37)

وقد عرض القرآن الكريم المرتكزات الأساسية لهذه السنن وطلب النظر والتبصر والسير في الأرض وتحقيق العبرة والاعتبار بأحوال الأمم السابقة وسبب انقراضها وتداعيها لتكون الأمة التي تحمل الرسالة الخاتمة على بينة من أمرها وبصيرة بموضع أقدامها ومعرفة بأعدائها... ( الأمة- العدد- 25 -ص5) .

وهكذا فإن الدارس للسور القرآنية مكيها ومدنيها يلاحظ في جلاء عددا هائلا من الآيات المتمحورة حول القصص والحافلة بالعروض التاريخية المتنوعة والهادفة أساسا إلى ?"إثارة الفكر البشري ودفعه إلى التساؤل الدائم والدائب عن الحق وتقديم خلاصات التجارب البشرية عبرا يسير على هديها أولوا الألباب. وإزاحة ستار الغفلة والنسيان في نفس الإنسان وصقل ذاكرته وقدرته على المقاومة لكي تظل في مقدمة قواه الفعالة التي هو بأمس الحاجة إلى تفجير طاقاتها دوما" ( التفسير الإسلامي للتاريخ- ص 106- للدكتور عماد الدين خليل) وقد دعانا القرآن اكثر من مرة عند سرده وعرضه للواقعة التاريخية إلى ?"تأملها واعتماد مدلولاتها في أفعالنا الراهنة ونزوعنا المستقبلي". ( التفسير الإسلامي للتاريخ- ص 97)

5)الرسول صلى الله عليه وسلم والتاريخ...

وقد نحا الرسول صلى الله عليه وسلم المنحى القرآني في الدعوة إلى الاعتبار بالأولين واخذ الموعظة من تجاربهم وذلك عند توظيفه للحدث الماضي ضمن قصص حية مرغبة ومرهبة آمرة وناهية حتى لقد اشتملت الأحاديث النبوية الشريفة على أربع وأربعين قصة تاريخية تضم قصصا عن الرسل والأنبياء وغيرهم مثل قصة"أصحاب الأخدود"و"الثلاثة المبتلون"و"أصحاب الغار"وهذا لا يعني أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مؤرخا أو مدونا للتاريخ بإيراده هذا العدد الهائل من القصص التاريخي وإنما أراد أن يضع للمسلمين الإطار الذي عليهم أن يملؤوه بما يكتشفونه من أحداث وما يصنعونه من عمليات.

6)التاريخ في نظر المسلم....

التاريخ في نظر المسلم حسب تعبير"ولفرد كانتول سميث"سجل المحاولات البشرية الدائمة لتحقيق ملكوت الله في الأرض ومن ثم فكل عمل وكل شعور فرديا كان أو اجتماعيا ذو أهمية بالغة لأن الحاضر هو نتيجة الماضي والمستقبل متوقف على الحاضر...

والإنسان في التصور الإسلامي يشكل محور فلسفة التاريخ ?"بحيث يصبح التاريخ الإنساني من صنع الإنسان وبالتالي إبراز قدرة الإنسان على صنع مصيره دون أن يتعارض ذلك مع قدرة الله على الخلق وما دام الإنسان يصنع تاريخه بنفسه فالأولى به أن يعي هذا التاريخ ويحاول تدبر علل ظواهره" ( سوسيولوجيا الفكر الإسلامي- ص 238- للدكتور محمود إسماعيل) ذلك أن الجبرية غير موجودة في الإسلام- كما يقول العلامة علال الفاسي- لأن الإنسان ليس خارج التاريخ بل هو من عوامله الداخلية والفاعلة والمفتعلة وليست عمليات التاريخ دون غاية.

وهذا ما يجعل الإنسان المسلم اشد اهتماما بالتاريخ من غيره فهو على خلاف الماركسي الذي يؤمن بحتمية التاريخ وبالتالي يتبع عجلة التاريخ دون أن يوجهها أو يؤثر فيها ثم هو أيضا على خلاف النصراني الذي يرى في التاريخ نقطة الضعف البشري وسجل الانحرافات البشرية .

ومن هنا احتل الفكر التاريخي مكانة مرموقة في الثقافة الإسلامية سواء في التكوين الثقافي للرجل المسلم أو في الحياة الاجتماعية والأدب أو في النشاطات السياسية... وهو يتخذ أشكالا متنوعة من سير حياة وبالدرجة الأولى حياة النبي صلى الله عليه وسلم ومعاجم سير وسجلات مدن أو سلالات ووقائع وقصص...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت