وباختصار نريد أن نقول والعبارة للباحث ولفرد كانتول سميث ?"أن المسلم يحس إحساسا جادا بالتاريخ انه يؤمن بأن الله قد وضع نظاما عمليا واقعيا يسير البشر في الأرض على مقتضاه ويحاول دائما أن يصوغ واقع الأرض في إطاره ومن ثم فهو دائما يعيش كل عمل فردي أو اجتماعي وكل شعور فردي أو اجتماعي بمقدار قربه أو بعده من ذلك النظام الذي وضعه الله والذي ينبغي تحقيقه في واقع الأرض لأنه قابل للتحقيق..." ( الإسلام والعالم المعاصر- 163- للأستاذ أنور الجندي)
فأين نحن من هذا الإحساس ؟؟
7)هل وعينا التاريخ ؟
لنصارح أنفسنا فنبادر بالإجابة ? لا.. لم نع بعد تاريخنا لأننا في الحقيقة لم نشغل أنفسنا بعد بالبحث الجازم في هذه القضية رغم حساسيتها وأهميتها وذلك ناتج- ربما- من تجاهلنا وعدم وعينا بخطورة تغييبها عن حسنا وتفكيرنا فيما نخطط وندرس وننظّر وكذلك عدم إدراكنا لمدى مساهمتها وانعكاساتها- سلبا وإيجابا- على حركتنا وممارستنا ومن هنا فيجب علينا أن لا نخجل من القول بأننا نعاني جفافا في التعامل مع التاريخ وإلا فبماذا تفسر ملامح تخلفنا في شتى المجالات وسلسلة الهزائم والنكسات التي تكبدناها إبان المواجهات العسكرية والجولات السياسية تجاه أعدائنا من يهود وصليبيين وغيرهم ؟؟ فقد اكتفينا- أو بالأصح اكتفى الذين يسطرون سياستنا التعليمية والساهرون ( ؟) على مواردنا التثقيفية والتربوية والتعليمية- بالسرد السطحي الجاف والمسلي للأحداث التاريخية والتلميح الهزيل والمعتم إلى الأساس السيكولوجي لصراعنا وتعاملنا مع الغرب شرقيّه وغربيّه بينما نرى الغرب قد نجح- بذكائه الماكر- في توظيف الحدث التاريخي لخدمة أغراضه رغم خبثها ودناءتها?".. فخيال الحروب الصليبية- التي نتج عنها تسمم العقل الغربي ضد العالم الإسلامي -لا يزال يرفرف فوق الغرب حتى يومنا هذا . كما أن جميع اتجاهاتها وإرجاعها نحو الإسلام والعالم الإسلامي لا تزال تحمل آثارا واضحة جلية من ذلك الشبح العنيد الخالد"
8)اليهود ومدى الحرص على التاريخ...
وأما اليهود فقد أدركوا الدور الخطير الذي يلعبه التاريخ في حاضر الشعوب ومستقبلها ومدى الإسهام والعطاء الذي يمنحه وعي الحدث التاريخي وفقه أبعاده لمن يهتم به ..ذلك أن التاريخ هو بمثابة ذاكرة الأمة.. وبقدر ما تسلم للأمة ذاكرتها وتحسن التعامل معها بقدر ما يمتد تأثيرها وتبرز قدراتها وتقوى شخصيتها.
ولهذا فإن اليهود وهم أساتذة المكر المدروس قد ركزوا كثيرا على التاريخ احتواء وتشويها خاصة في إطار المناهج التعليمية والتربوية التي حرصوا منذ وقت مبكر على احتوائها وتوجيهها تنفيذا لأغراضهم العدوانية وهذه الشواهد الصارخة من بروتوكولاتهم السامة خير دليل على ذلك .. فقد جاء في البروتوكول السادس عشر ?".... سنتقدم بدراسة مشكلات المستقبل بدلا من الكلاسيكيات وبدراسة التاريخ القديم الذي يشتمل على مثل سيئة اكثر من اشتماله على مثل حسنة وسنطمس في ذاكرة الإنسان العصور الماضية التي تكون شؤما علينا ولا نترك إلا الحقائق التي ستظهر أخطاء الحكومات في ألوان قاتمة...".
وجاء في البروتوكول الرابع عشر ?"...وسنوجه عناية خاصة إلى الأخطاء التاريخية للحكومات الأممية التي عذبت الإنسانية خلال قرون كثيرة جدا..."أي أن اليهود سيدرسون للشباب صفحات التاريخ السوداء ليعرفوهم أن الشعوب عندما كانت محكومة بالنظم القديمة كانت حياتها سيئة ولا يدرسون لهم الفترات التي كانت فيها الشعوب سعيدة لكي يقنعوهم بهذه الدراسة الزائفة الكاذبة أن النظام الجديد افضل من القديم.
وكانت عناية اليهود مركزة بصفة أدق واشمل على التاريخ الإسلامي قصد تشويه حقائقه أو تقزيمها وتضخيم نقاطه السوداء إن وجدت وإلا فاختلاقها وإلصاقها به سهل يسير على أرباب المكر والدهاء ولهذا فقد خصت الصهيونية العالمية مؤتمر"بلتيمور"في الولايات المتحدة من اجل تزييف تاريخ الإسلام وإثارة الجدل حول قضايا الشعوبية والباطنية وتوظيف بعض المواقف الهدامة في التاريخ لإضفاء مصطلحات عصرية"مغلفة"عليها كما فعلت في وصفها لحركة"القرامطة"بأنها تمثل حركة العدل الاجتماعي وحركة الزنج التي استغلها دعاة التفسير المادي وهم يهود طبعا لأن جدهم ماركس يهودي وأبرزوها في ثوب"حركة ثورية تقدمية بروليتارية"... وغيرها كثير ( منار الإسلام العدد 5 السنة 7 ص103)
وقد وجد هؤلاء اليهود وغيرهم من أعداء الإسلام ... من القيادات الفكرية التغريرية والرموز الثقافية والإعلامية في العالم العربي والإسلامي مساعدات مجانية مشجعة على مستوى التأليف والدعاية والنشر....
هذه باختصار بعض ملامح الحرص اليهودي على تشويه ذاكرة الأمم بمسخ تاريخها وتزييفه وتعتيمه وأما على المستوى الآخر.. الذاتي الداخلي لليهود فالأمر جد مختلف فالبرامج التعليمية الخاصة باليهود تركز في جانب كبير منها على بعث الحس التاريخي والعقيدي وتجذيرهما في النشء اليهودي...فأول كلمة يتعلمها الطفل اليهودي ضمن محفوظاته اليومية في دور الحضانة لها حس تاريخي"أورشليم حبيبتي"ثم حين يشب الأطفال عندهم يدرسون بدقة وتفصيل وإحكام تاريخ الشعب الإسرائيلي ? شعب الله المختار على الأرض..؟؟... وحين يذهب شبابهم إلى الجامعات يستمرون في تعميق تعاليم دينهم وأمجاد تاريخهم في دروس يومية لا هوادة فيها.
فأين نحن من هذا ؟؟
وبعد...
فخلاصة القول من كل ما أوردناه تتلخص كآلاتي ?
أولا ? يجب علينا أن نضع حدا للجفاف الذي يصبغ تعاملنا مع التاريخ وان نجدد رؤيتنا وفهمنا ودراستنا لتاريخنا الإسلامي وان نعمل على إيجاد صيغ سليمة ومتينة تمكننا من التفاعل الهادف مع التاريخ ومن التزود الواعي والمستمر من معينه الخصب... وهذا لن يحصل إلا من خلال دراسة عميقة واعية ومتكاملة للتاريخ الإسلامي ?"....إن دراسة تاريخ الإسلام في هذه المرحلة من حياتنا ضرورة لا سبيل إلى تجاوزها لفهم الأحداث وتطور المجتمع ولمعرفة مكان العالم الإسلامي والأمة العربية من الحضارة العصرية. فإن نظرتنا إلى الأحداث لا تصدق إلا إذا قامت في ظل مفهوم شامل وفي إطار تاريخ الإسلام نفسه كما أن اتصالنا بالغرب اليوم يجب أن يقوم على مفهوم مرحلة هي ? رد فعل لمرحلة قد سبقتها بحسبان أن هذه الحضارة العصرية الغربية ليست منفصلة عن عالم الإسلام وإنما قامت قواعدها على المنهج التجريبي الإسلامي وعلى بناء صاغه العلماء المسلمون فنحن حين نتصل بها اليوم لا نكوم غرباء عن جذورها فهي ملك للبشرية كلها التي صاغتها وشاركت في تكوين جوانبها المختلفة..." ( الإسلام وحركة التاريخ- 485- للأستاذ أنور الجندي) .
وثانيا ? يجب أن يتأكد لدينا أن قضية الوعي التاريخي أصبحت ضرورية بل مصيرية يتحتم علينا أن نوليها اهتماما بالغا وعناية فائقة لا على مستوى الترف الفكري بتكديس الدراسات وتحبير المقالات ولكن- وهذا هو الأهم- على مستوى الوعي والتربية والحركة وعلى مستوى التعامل والممارسات اليومية وهذا لن يتيسر إلا ببعث سياسة تعليمية وتربوية متأصلة تركز على بعث الوعي التاريخي الهادف وتعميق البعد العقيدي في برامجها على طول المراحل التعليمية بدءا برياض الأطفال وانتهاء بالتعليم العالي ويرادفها- أي هذه السياسة التعليمية- جهاز ثقافي وإعلامي في مستوى العصر تجهيزا وتقنية يؤثر ولا يتأثر ويتوخى الصدق والعلمية والموضوعية في كل أعماله.