ولا يخفى على الدارس الحصيف أن الرسول إنما أراد بعمله هذا أن يربط العباد بخالقهم من هذا المكان بعد أن غرس فيهم بذور التوحيد وزين لهم الإيمان وحببه إليهم وشوقهم إلى الطاعات والعبادات. فكان هذا المسجد النبوي البكر بمثابة المكان"اللقيا"الذي يتجمع فيه المسلمون.
وكانت تبرم داخله عناوين الفتوحات وتسوى فيه أمور الدولة وتفصل فيه قضايا ومشاغل الأمة.
ولم يأخذ قط تلك الصبغة الإدارية الجافة التي تردى فيها في عصرنا الحاضر والمتمثلة في فتحه وغلقه في أوقات معينة ومحدودة بعد أن كان- في أيام عزه- مفتوحا على مصراعيه آناء الليل وأطراف النهار لا يمنع من دخوله مسلم أيا كان وكيف يغلق وهو منزل عابر السبيل وكلية التعليم ومنتدى التثقيف ومجلس القضاء وخلوة الذكر والتسبيح ؟؟
أ) المسجد ? مركب جامعي
كان جامع"المنصور ببغداد"وهو اقدم جامع بها اشهر مركز للتعليم في المملكة الإسلامية وقد أحصى المقدسي في تاريخه ( ص 205) في المسجد الجامع بالقاهرة وقت العشاء مائة وعشرة من مجالس العلم أي بمصطلحاتنا المعاصرة نقول 110 كلية هذا بدون أن ننسى"الأزهر"و"الزيتونة"و"عقبة"...
غير أن هذا لم يدم طويلا للأسف"فقد كان تغير طريقة التعليم سببا في إيجاد نوع جديد من المؤسسات العلمية ذلك انه لما انتشرت طريقة التدريس نشأت المدارس ولعل من اكبر الأسباب في ذلك أن المساجد لم يكن يحسن تخصيصها للتدريس بما يتبعه من مناظرة وجدل قد يخرج بأصحابها أحيانا عن الآداب التي تجب مراعاتها للمسجد."
فالقرن الرابع هجري كما يقول"آدم متز"في كتابه عن الحضارة الإسلامية ( ص336) هو الذي اظهر هذه المعاهد الجديدة التي بقيت إلى يومنا هذا.
ب) المسجد ? دار قضاء
يذكر صاحب الأغاني ( ج10 ص 123 ) أن القاضي كان في أول الأمر يجلس في مكان لا يمنع أحد من المسلمين من الدخول إليه وهو المسجد الجامع حيث كان يجلس إلى اسطوانة من أساطين المسجد.
غير أن المعتضد ( سنة 279 هجري) أمر أن لا يقعد القضاة في المسجد بحجة أن جلوس القاضي في المسجد يتنافى مع ما يجب لبيوت الله من الحرمة.
أما في عصرنا الحاضر فلم يبق للمسجد من الخصوصيات والميزات التي كان يتمتع بها قديما والتي ذكرنا بعضها آنفا ... في حاضر أيامه إلا انه"مصلى"يفتح خمس مرات في اليوم يلتقي عندها أعداد محدودة لأداء الصلاة.
ولاعجب في ذلك إذا علمنا أن الاستعمار لما خطط لإسقاط الأمة الإسلامية كان همه الأساسي يستهدف تشويه رسالة المسلم في هذه الحياة وإضعاف دوره فيها واثباط فاعليته في التمدن والتحضر وعرف انه لن ينجح في ذلك إلا بتحقيق شرطين اثنين ?
1-تمييع علاقة المسلم بكتابه- القرآن- وصرفه عن الأخذ بآدابه والتحلي بأخلاقياته والعمل بأحكامه والتناصح بأوامره. وهذا الشرط الماكر لا يؤتي أكله إلا بتحقيق الثاني ?
2-تقزيم دور المسجد في الحياة الاجتماعية وتهميشه وحصر دوره في مجال الركوع والسجود وطقطقة المسابيح... ومن ثم تولى- الاستعمار- إيجاد وبناء مؤسسات بديلة للتثقيف واللهو وخنق الفراغ حتى يستولي على اهتمام المواطن المسلم ويزهده في ارتياد المسجد.
والحقيقة المرة أن هذه البدائل المائعة قد ضيعت على المواطن المسلم كثيرا من فرص الاستفادة الحقة والتلقي النافع والتربية القويمة وهو ما ابطل فيه روح الإبداع الواسع.
ونظرة منصفة إلى الواقع تبين بوضوح مدى جدوى وسلبية وسائل ومضامين هذه البدائل التي استحوذت باهتمامات الشباب وتبين أيضا مدى الانحطاط الخلقي والفساد التربوي الذي حصل عندما تخلى المسجد عن دوره كمدرسة وكموجه.
ولأنهم يدركون- بالتجربة- مدى خطر دور المسجد في تحصين الفرد المسلم نرى الأعداء (أعداء الأمة الإسلامية) على اختلافهم يخططون بكل طرقهم ووسائلهم لتقليص دور المسجد ولو اقتضى الأمر هدمه أو تشويهه. واليك بعض الشواهد?
1-في روسيا الشيوعية لم يبق من جملة 30 ألف مسجد إلا 30 منها.
2-مجمع الأحبار الإسرائيلي شكل لجنة من ثلاثة أعضاء متخصصين في التلمود لإصدار فتوى حول جواز ممارسة الطقوس الدينية اليهودية من فوق جبل المعبد الذي يطلقه اليهود على منطقة المسجد الأقصى... وتجمع التقارير على أن الهدف الواضح من وراء ذلك هو هدم المسجد الأقصى ومسجد إبراهيم برخصة تلمودية ( مجلة الأمة- عدد 26- ص 88) لأنهم أيقنوا أن الفدائي الذي ينطلق من ثكنة المسجد لا ينهزم ولا تقف أمامه قوة ما.
الهوامش?
(1) فقرة لمحمد فريد وجدي- نقلا عن كتاب"مسلمون وكفى"- لعبد الكريم الخطيب- ص 15/16
(2) "مسلمون وكفى"-ص 38
(3) "الظلال"- سيد قطب- المجلد الأول- ص 401 /402.
(4) "الإسلام المفترى عليه"- محمد الغزالي
(5) ردة- للندوي
(6) منهج جديد في التربية والتعليم- المودودي
تعتبر الصحوة الإسلامية المباركة مرشحة حضاريا قبل غيرها للقيام بدورين جد بالغين?
الأول دور"المنقذ من الضلال"للبشرية المصفوعة بمادية الغرب الملحد وجشع الصهيونية العالمية المدمرة.
والثاني ? دور"المنقذ من التخلف والتبعية"للمسلمين الذين تعصف بهم أطماع الشرق والغرب وتتربص بهم القوى الغاضبة والحاقدة وتخطط لتقليص دورهم في حركة التاريخ بإذابة فاعليتهم ونشر الأمية المثلثة في وعيهم بدءا بالأمية التاريخية فالدينية فالعقلية.
1)تعميق البناء الداخلي وبعث الوعي التاريخي
إلا أن هذين الدورين الجليلين والثقيلين- لكي يؤتيا نتائجهما المنشودة ويرتقيا إلى مستوى التأثير والفاعلية -مشروطان أساسا بتحقيق عاملين هامين ? أن يكون المسلمون أبناء هذه الصحوة المباركة على مستوى الرسالة التي يحملونها ويجاهدون من اجلها وفي الوقت نفسه أن يكونوا على مستوى العصر الذي فيه يعيشون عصر الوعي والعلم والتقنية.
ولتحقيق العامل الأول نرى وجوب تعميق البناء الداخلي والشامل للفرد المسلم وبعث الشخصية الإسلامية الفذة في بعدها العقائدي السليم وتكوينها الشرعي والعلمي الموسوعي وفاعليتها المبدعة وواقعيتها الإيجابية.
وأما عن العامل الثاني فنرى ضرورة بعث الوعي التاريخي والحضاري عموما مع حذق أسباب النهوض وأساليب التحدي الحضاري فكرا وثقافة وتقنية وفقه كل ما من شانه أن يعين على توثيق ارتباط المسلم بالسنن الكونية والاجتماعية حتى يستعيد فاعليته وقدرته على التغيير والبناء وتنتفي العشوائية من حركته والانهزامية من مواقفه ?"ذلك أن الإنسان المسلم عبر مسيرته التاريخية ولا سيما في القرون الأخيرة قد فقد كثيرا من مقومات شخصيته بفعل عوامل الاحتكاك الحضارية التي واجهته وهو في حالة لا تؤهله للاستجابة الملائمة للتحدي الحضاري... ثم إن المسلم في مراحل انزلاقه قد انفك ارتباطه بالسنن الكونية والاجتماعية وسرعان ما وجد أشباه فلاسفة ومتصوفين يقدمون له التبريرات المطلوبة لفك ارتباطه بالحركة الكونية وللسير عشوائيا على ارض التاريخ فهو يتحرك دون وعي مسبق يتحرك غريزيا..." ( مجلة منار الإسلام- العدد11- السنة 5 -ص 56) مما يوجب ضرورة بعث الوعي التاريخي كما أشرت قبل قليل مع تفهم طبيعة الواقع الذاتي والموضوعي من خلال التركيز الجاد على القراءة المتفهمة للأحداث وتدبر السنن المؤثرة والمسيرة لحركة التاريخ.. لدى شبابنا الإسلامي في إطار الترشيد الثقافي وتعميق التربية وتأصيل التعليم ...
فماذا نعني بالوعي التاريخي ؟ ثم ما هي المبررات الذاتية والموضوعية التي تلح على اكتسابه والتعامل والتحرك من خلاله ؟