وأما في مجال الاخوة والروابط الاجتماعية... فقد أصبحت الاخوة تحية عابرة باللسان و إشارة فاترة باليد.. قد بعدت عن مدلولها الصحيح الهادف كتلك التي مثلها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ? قسمة وإيثارا في الأهل والمال والدماء.
وأما المساجد عندنا فقد أمست هياكل معمارية باهرة نتباهى زخرفتها ونغفل عن الدور الأساسي الذي من اجله جعلت.
ويتعرض أحد العلماء مبينا ومفسرا سنة من سنن التغيير التي تصيب الأمم وهي في أوج حضارتها ورقيها والمفضية إلى انحلالها وتميعها فيقول"في هذه المرحلة الحاسمة- أي مرحلة القناعة بالمحصول والوقوف عند ذلك الحد المحرز عليه من المعرفة- تتخلى هذه الجماعة عن مكانها في القيادة ..إن لم يكن بالرضا والاختيار فبالقوة والجبر لتحل مكانها جماعة أخرى أحرزت قدرا كبيرا من المعرفة وحظا أوفر من العلم ويلازمها عزم وتصميم على بناء الحياة... أما هؤلاء الذين كانوا قادة فيصبحون اتباعا وبعد أن تقدموا القافلة .. يحتلون مكانهم الرمزي من ذيلها..".
ج) التطرف الصوفي
وتمثله في أنكى وجه"الطرقية"الغالية?
فقد اقبل العامة- بقيادة المتصوفين- على الطقوس والأوراد... واقبل الحكام ومن كان في ركابهم وحواشيهم على الشهوات والملذات ... وهذا الخلط الصوفي الأحمق يعتبر أول صدع أصاب التفكير الإسلامي في صميمه بل أول صدع أصاب كيان الأمة الإسلامية فيما بعد بالانهيار... فالأفكار الصوفية إذن لا مبادئ الإسلام هي التي حَملت الجماهير أوزار الاستعمار الداخلي والخارجي ووطدت للمظالم الخطيرة وخذلت الناس... حتى تركوا الجهاد وركنوا إلى الكسل والميوعة لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا.. الأمر الذي اطمع في استغلالهم الأعداء وزين للظالمين استعبادهم.
3)حين يتخلى المسلمون عن الجد....
إن إرسال أمة من الرسل الأخيار .. من سيدنا نوح إلى خاتم الأنبياء والمرسلين وتحمل الأتعاب التي تنوء دون حملها شم الجبال وتلك الابتلاءات ثم ذلك الجهاد وأخطاره والهجرة وأعباؤها كل ذلك إنما هو برهان ساطع على جدية هذا الدين وجزم هذه العقيدة حيث يلخص ذلك في انسق عبارة المفسر الشهيد سيد قطب رحمة الله تعالى عليه قائلا"إن هذا الدين جد لا يقبل الهزل وجزم لا يقبل التميع وحق في كل نص فيه وفي كل كلمة. فمن لم يجد في نفسه هذا الجد وهذا الجزم وهذه الثقة فما أغنى هذا الدين عنه والله غني عن العالمين"
لقد كانت يقظة المسلمين الصادقين الأوائل في حين جدهم ووعيهم بأمانات الدعوة والرسالة تمثل قمعا صارما وتحديا جازما لتحركات المغرضين والمتربصين وسدا منيعا أمام مطامع ودسائس المناوئين والكائدين.
فحركة الردة السامة لولا جدية الخليفة والصدّيق الراشد وحسمه الواعي في وقفها وقطعها من جذورها لكانت بمثابة جرثومة الموت للدعوة الإسلامية في شبابها كما أن جدية الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز في رد أمور الخلافة وشؤون الدولة إلى إطارها الصحيح قد قطعت خبث روح الملك العضوض الذي مد عنقه في ذلك الحين.
أ) في غيبة الجد
بيد انه ما إن تفتر روح الجد لدى المسلمين ويغيب عنهم العزم الصادق في إقامة أمور الدين ... حتى تنقض عليهم جيوش المتربصين وتتداعى عليهم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها وهذا ما مهد للحركات الهدامة أن تبرز وتنشط وتمتد هنا وهناك في ديار المسلمين.
فمع بداية القرن ظهرت حركات عدائية ماكرة تستهدف تشويه الساحة العقائدية لامة الإسلام من ماسونية وقاديانية وبهائية وكلها ترضع من الصهيونية القذرة وتقف مع بعضها البعض في تشويه وإلغاء- مثلا- فكرة الجهاد من تصور المسلمين مع خلق بلبلات ونعرات مفتعلة لتشتيت وحدة المسلمين خدمة وتوطينا للاستعمار الغربي ومساعدته على تدمير وتخريب ديار المسلمين.
"هذا الاستعمار الذي استهدف في العصر الأخير أن يضرب الإسلام ضربة تقض مجامعه وتقض مضاجعه وتبعثر أمته بعثرة نفسية وفكرية لا نهاية لها واخترع من فنون الغزو الثقافي ما يملأ به الفراغ الروحي والعقلي الذي اصطنعه في كل ميدان ومهد له في كل مكان..."
ب) حقائق عن بعض هذه الحركات
فمن حقائق البهائية يقول الشيخ العالم محمد الغزالي"عبد البها يمجد الصهيونية والصليبية ويزعم انه مسلم... وقد التحمت البهائية أخيرا بالهجوم اليهودي ووجدت من المال الأمريكي ما يعينها على التمدد والبعث بل إن اغلب خصوم الإسلام والعرب يعينونها على اختطاف الشباب التائه ومسخ عقله وخلقه وماذا عليهم ؟ إن ذلك في نظرهم جبهة تفتح ضد الإسلام ويمكن أن تنال منه."
وأما في القاديانية الفاسدة فانظر ماذا يقول القدياني صاحبها?"لقد خطوت اكبر مرحلة من حياتي في نصرة الدولة البريطانية والدفاع عنها والفت كتبا كثيرة احرم فيها الجهاد ضدها. لو جمع كل ما كتبته في هذا الصدد لبلغ خمسين كتابا ووزعت هذه الكتب كلها في جميع أقطار العالم... ووجب على كل مسلم ومسلمة تقديم الشكر إلى هذه الحكومة وحرام على كل مؤمن مقاتلتها بنية الجهاد".
وأما عن المآسي التي لحقت المسلمين في فترات الخمول وغياب الجد والعزم من سموم الماسونية العالمية فهذا بند من بنودها الدنيئة التي نفذتها وترى في مجتمعاتنا بعض آثارها المؤسفة فانظر ما توصي به جنودها ?"على الماسونيين أن ينفذوا في صفوف الجماعات الدينية وغيرها ...لا بل عليهم إن احتاج الأمر أن يقوموا بتأسيسها على أن لا تشم منها أي رائحة حقيقية للدين.. وعليكم أن تولوا أمورها السذج من الرجال ولتطمعوا- خفية- ذوي القلوب الكبيرة من الرجال بقطرات من سمومكم بغية التفرقة بين الفرد وأسرته... عليكم أن تنزعوا الأخلاق من أسسها لأن النفوس تميل إلى قطع روابط الأسرة والاقتراب من الأمور المحرمة لأنها تؤثر الثرثرة في المقاهي على القيام بتبعات الأسرة... ولتنفذوا بهم إلى ملاذ الحياة البهيمية".
إن هذا الاعتراف المخزي من الماسونيين لكاف للتدليل على مدى ما بلغت إليه روح المكر والهدم والحقد عندهم إزاء الجماعات الدينية بل إزاء الإنسانية قاطبة.
ج) وبعد...
إننا لم نورد هذه الحقائق إلا لنبرهن على أن جميع المآسي التي نخرت في كيان الأمة الإسلامية الشاهدة ... إنما حدثت كلها في فترات غاب فيها جد المسلمين وضعف فيها عزمهم وتركوا فيها جهادهم.
فتسلح"الذين آمنوا"بعنوان الدعوة المحمدية -الذي هو الجد والجزم والحق- وتحقيقه تحقيقا كاملا في سلوكياتهم وأعمالهم يمثل الغيظ المنغص لأهل الباطل وأصحاب القلوب المريضة... تماما كما تحقق ذلك في سلفهم الصالح واعترف لهم به عدوهم. جاء ذلك على لسان أحد الملوك في قوله ?"كيف لي بقوم لو اقسموا على أن يزيلوا جبلا من مكانه لأزالوه" ( أو كما جاء في رواية أخرى"لا طاقة لي بقوم إذا أرادوا خلع الجبال لخلعوها") .
4)المسجد.... ليس مكانا لطقطقة المسابيح
المسجد في الإسلام ليس مجرد مكان للكوع ولسجود وطقطقة المسابيح. فذلك ما خطط له الاستعمار وأقنعنا به نحن في هذا العصر.
إنما المسجد هو أيضا مركب جامعي ومكان لمناقشة مشاغل الناس ومشاكلهم الحياتية والأخروية.
ونظرة منصفة إلى التاريخ تؤكد ذلك.
إن أول عمل بادر بإنجازه الرسول صلى الله عليه وسلم بطيبة- المدينة المنورة- هو وضعه لحجر الأساس لأول مسجد جامع بها والمشاركة في بنائه وتجهيزه.