وفي ترجمة الحافظ عبدالغني المقدسي صاحب (( الكمال ) )73 ت (600) من كتاب (( ذيل الروضتين ) )74 لأبي شامة المقدسي قال: (( وكان قد ضعف بصره من كثرة المطالعة والبكاء، وكان أوحدَ زمانه في علم الحديث ) )اهـ.
* همته في المطالعة والقراءة
قال السخاوي في (( الجواهر والدرر ) )75 عن شيخه ابنِ حجر: (( إنما كانت همته المطالعة والقراءة والسَّماع والعبادة والتصنيف والإفادة، بحيث لم يكن يُخْلي لحظةً من أوقاته عن شيءٍ من ذلك، حتى في حال أكْلِه وتوجُّهه وهو سالك، كما حكى لي ذلك بعض رُفْقَته الذين كانوا معه في رحلته، وإذا أراد الله أمرًا هيَّأ أسبابَهُ.
وقد سمعته -رحمه الله- يقول غيرَ مرَّة: إنني لأتعجَّب ممن يجلس خاليًا عن الاشتغال!! )) اهـ.
* مع الكتب حتى في الجنَّة
ذكر ابنُ رجب في (( ذيل الطبقات ) )76 عن ابنِ الجوزي أنه قال عن الإمام أبي العلاء الهَمَذَاني الحافظ ت (569) : (( بلغني أنه رُئيَ في المنام في مدينةٍ جميع جدرانها من الكتب، وحوله كتب لا تُحَدّ وهو مُشْتَغل بمطالعتها. فقيل له: ما هذه الكتب؟! قال: سألتُ الله أن يُشغلني بما كنتُ أشتغل به في الدنيا، فأعطاني ) ).
ومما يدلك على عظيم شَغَفه بالكتب، وبذله في تحصيلها كلَّ نفيس حتى داره التي يسكنها!! ما في كتاب ابن رجب عن الإمام طلحة العَلْثي قال: (( بِيْعت كتبُ ابنِ الجواليقي في بغداد، فحضرها الحافظُ أبو العلاْ الهَمَذَاني، فنادَوا على قطعةٍ منها: ستين دينارًا، فاشتراها الحافظ أبو العلاء بستين دينارًا، والإنظار من يوم الخميس إلى يوم الخميس.
فخرج الحافظ، واستقبل طريقَ هَمَذَان، فوصل، فنادى على دارٍ له، فبلغت ستين دينارًا. فقال: بيعوا. قالوا: تبلغ أكثر من ذلك. قال: بيعوا. فباعوا الدار بستين دينارًا فقَبَضَها، ثم رجع إلى بغداد. فدخلها يوم الخميس، فوفَّى ثمنَ الكتب، ولم يشعر أحدٌ بحالِهِ إلا بعد مُدَّة )) اهـ.
ومما يُؤثر -أيضًا- في بيع العلماء بيوتهم من أجل شراء الكتب، ما ذكره ابن رجبٍ -أيضًا- في (( ذيل الطبقات ) )77 في ترجمة العلامة النحوي عبدالله بن أحمد المعروف بابن الخشَّاب ت (567) عن ابنِ النجار قال:
إنه لم يَمُت أحدٌ من أهل العلم وأصحاب الحديث، إلا وكان يشتري كتبه كلَّها، فحصلت أُصول المشايخ عنده.
وذَكَرَ عنه: أنه اشترى يومًا كتبًا بخمس مئة دينارٍ ولم يكن عنده شيءٌ، فاستمهلهم ثلاثة أيامٍ، ثم مضى ونادى على داره، فبلغت خمس مئة دينار، فَنَقَد صاحبَها وباعه بخمس مئة دينار، ووفَّى ثمن الكتب، وبقيت له (لصاحب الكتب) الدار
* الكتب أشد من ثلاث ضرائر
أخرج الخطيبُ في (( الجامع لأخلاق الراوي والسامع ) )78 عن الزُّبير ابن أبي بكر بكَّارٍ قال: قالت ابنة أختي لأهلنا: خالي خيرُ رجلٍ لأهله، لا يتخذ ضرَّةً ولا يشتري جارية. قال: تقولُ المرأةُ (أي زوجته) : والله لَهَذه الكتب أشدُّ عليَّ من ثلاثِ ضرائر!! )) اهـ.
* حتى أحلام اليقظة في الكتب
ذكر السَّمهودي في (( جواهر العِقْدَين في فضل الشرَفَيْن ) )79 عن شيخه أبي زكريا المُنَاوي (871) قال: أخبرني شيخُنا الشيخ وليُّ الدين (يعني أبا زُرْعة بن الحافظ زين الدين العِراقي) مذاكرةً: أنه ركبَ مع شخصٍ من المكاريَّة من طائفة الريافة، قال: فقلتُ في نفسي -وقد خاضت في الأمل-: لو كان لي أربعُ زوجاتٍ في أربع مساكن، وفي كلِّ مسكنٍ من الكتب التي احتاجها نظير ما في بقيَّة المساكن... )) اهـ.
* لا تمضي عليه ساعة إلا في اشتغالٍ بالعلم
نقل ابن رجب في (( ذيل الطبقات ) )80 في ترجمة العلامة أبي البقاء عبدالله بن الحسين العُكْبَري ت (616) عن ابن النجار قولَه: (( قرأتُ عليه كثيرًا من مصنَّفاته، وصحبته مدَّة طويلة... وكان مُحِبًّا للاشتغال والإشغال81، ليلًا ونهارًا، ما يمضي عليه ساعة إلا وواحد يقرأ عليه، أو مُطَالع له، حتى ذكر لي أنه بالليل تقرأ له زوجته في كتب الأدب وغيرها ) ).
*التحسُّر على الكتب وجعلها بمنزلة الولد
وذكر ابن رجب في (( الذيل ) )82 في ترجمة عبدالصمد بن أحمد ابن أبي الجَيْش البغدادي العلامة المتفنِّن ت (676) أنه صنَّف خُطبًا انفرد بِفنِّها وأُسلوبها وما فيها من الصَّنْعة والفصاحة، وجمع منها شيئًا كثيرًا، ذهبَ في واقعة بغداد83 مع كتبٍ له أُخرى بخطِّه وأُصوله، حتى كان يقول: (( في قلبي حَسْرتان: ولدي وكُتُبي ) ) (وكانا قد فُقِدا جميعًا في واقعة بغداد) .
* لا يمشي إلا وفي يده كتاب
وكان كثير من مشاهير العلماء لا يمشي إلا وفي يده كتب أو أجزاء يُطالعها، وذلك لمزيد شغفهم بالقراءة والاطلاع، وعظيم حرصهم على أوقاتهم من الضياع.
*قال الذهبي في (( السير ) )84: (( قال ابنُ الآبنوسي: كان الحافظ الخطيب يمشي وفي يده جُزْءٌ يُطالعه ) ).
*وفي (( تذكرة الحفاظ ) )85 للذهبي في ترجمة أبي داود السجستاني صاحب (( السنن ) ): (( قال ابنُ دَاسَة: كان لأبي داود كُمٌّ واسع وكمٌّ ضيِّق، فقيل له في ذلك؟ فقال: الواسع للكتب، والآخر لا يُحتاج إليه ) ).
*وفي ترجمة العلامة النحوي أحمد بن يحيى المعروف بثَعْلَب ت (291) من كتاب (( وفيات الأعيان ) )86 لابن خَلِّكان قال: (( كان سببَ وفاته: أنه خرج من الجامع يوم الجمعة بعد العصر، وكان قد لحقه صَمَمٌ لا يسمع إلا بعد تعب، وكان في يده كتاب ينظر فيه في الطريق، فصدمَتْه فرسٌ، فألقَتْهُ في هُوَّةٍ، فأُخرج منها وهو كالمختلط، فحُمِل إلى منزله على تلك الحال وهو يتأوَّه مِن رأسه، فمات ثاني يومٍ ) )اهـ.
*وذكر العسكري في (( الحث على طلب العلم ) )87: أن أبا بكرٍ الخياط -العلامة النحوي محمد بن أحمد البغدادي ت (320) - كان يَدْرُسُ جميعَ أوقاته، حتى في الطريق، وكان ربَّما سقَط في جُرْف أو خبطته دابَّة )) .
وتقدم معنا خبر الإمام سُلَيم الرازي88.
* وكان كثير من العلماء يُقرأ عليه الكتاب وهو يمشي في الطريق صِيانة للوقت، وحبًّا في الإفادة، كما هو الحال في ترجمة الحافظ أبي نعيم الأصبهاني صاحب (( الحلية ) )ت (430) كما في (( تذكرة الحفاظ ) )89.
* وكذلك في ترجمة الإمام علم الدين السخاوي المقرىء (643) كما في ترجمة من كتاب (( طبقات القراء الكبار ) )90.
* استوفى مكتبته قراءة، وفيها (700) مجلد
ففي ترجمة أبي بكر بن أحمد تقي الدين ابن قاضي شُهبةمن (( الضوء اللامع ) )91 قال: (( وكتب بخطه الكثير، بحيث لو قال القائل: إنه كتب مئتي مجلد لم يتجاوز، وخطه فائق دقيق.
وبِيْع في تركته نحو سبع مئة مجلد، كاد أن يستوفيها مطالعة )) اهـ.
* يقطع الليل جميعه في القراءة على السِّراج
*ذكر القاضي عياض في (( ترتيب المدارك ) )92 في ترجمة الإمام الفقيه أبي محمد عبدالله بن إسحاق المعروف بابن التَّبَّان ت (371) أنه قال عن نَفْسِه: كنت أول ابتدائي أدرس الليل كلَّه، فكانت أُمي تنهاني عن القراءة بالليل، فكنت آخذ المصباح وأجعله تحت الجفنة وأتعمَّد النوم، فإذا رَقَدَتْ أخرجتُ المصباحَ وأقبلتُ على الدرس.
قال القاضي: وكان كثير الدرس، ذكر أنه دَرَسَ كتابًا ألفَ مَرَّةٍ )) اهـ.
* وذكر الوزير القِفْطي في (( إنباه الرواة ) )93 في ترجمة أبي القاسم ابن أبي منصور النحوي الحلبي المعروف بابن الحَبْرَاني ت (628) -وكان الوزير قد صَحِبَه وجالسَه_: (( أنه كان شديد الاجتهاد في طلب الفوائد من صفحات الصُّحف، فلازمَ المطالعةَ ليلًا ونهارًا، وتلَزَّم الحفظَ لبعض ما يمرّ به في أثناء ذلك.