قال: ولقد حكى لي الشريف أبو هاشم بن أبي حامد... صديقي -رحمه الله- قال: أخبرني جارٌ له، قال: رأيتُ ابن الحَبْراني النحوي في زمن الصيف، يقوم في الليل الأخير في سطحه، وَيَقِدُ سراجًا في موضعٍ خالٍ من الهواء، ويقعد للمطالعة وقتًا طويلًا دائمًا في كلِّ ليلة، لا يشغله الحرُّ ولا القَرُّ عن المطالعةِ والاستفادة )) اهـ.
* الشغف بجميع الكتب ومعرفته بها
ذكر الحافظ ابن حجر في (( الدرر الكامنة ) )94 في ترجمة شافع بن علي الكناني ت (730) : (( أنه كان يُحب جمع الكتب، حتى أنه لما مات ترك نحو العشرين95 خزانة ملأى من الكتب النفيسة.
وكان من شدَّة حُبِّه للكتب، إذا لمس الكتابَ يقول: (( هذا الكتاب الفلاني، ملكتُه في الوقت الفلاني، وإذا طُلِبَ منه أيّ مجلَّد كان، قام إلى الخزانة فتناوله كأنه كما وضعه فيها ) ). اهـ.
* التأَلُّم والحَسْرة على بيع الكتب
* قال ابن خلكان في ترجمة الشريف المرتضى أبي القاسم علي بن الطاهر ت (436) في كتابه: (( وفيات الأعيان ) )96: (( حكى الخطيب أبو زكريا يحيى بن علي التِّبْريزي اللغوي، أن أبا الحسن علي بن أحمد ابن علي بن سلَّك الفالي الأديب، كانت له نسخة بكتاب (( الجمهرة ) )لابن دُرَيْد في غاية الجَوْدَة، فدعته الحاجة إلى بيعها فباعها، واشتراها الشريف المرتضى أبو القاسم -المذكور- بستين دينارًا، وتصفَّحها فوجدَ بها أبياتًا بخط بائعها أبي الحسن الفالي، وهي:
أنِسْتُ بها عِشرينَ حولًا وَبِعْتُها لقد طالَ وَجْدي بعدَها وحنيني
وما كان ظَنِّي أَنَّني سأَبيعها ولو خلَّدتني في السجون ديوني
ولكن لضعفٍ وافتقارٍ وصِبْيَةٍ صِغارٍ عليهم تَسْتَهِلُّ شُؤوني
فقلتُ ولم أَمْلك سوابق عَبْرةٍ مقالة مكويِّ الفؤادِ حَزِينِ:
وقد تُخرجُ الحاجاتُ يا أمَّ مالكٍ كرائمَ من ربٍّ بهنَّ ضنينِ
* وذكر السخاوي في (( الضوء ) )97 في ترجمة إبراهيم بن علي بن أحمد جمال الدين القَلْقَشندي القاهري أنه باع كتبَهُ أو جلَّها، قال: وقَاسَى مالا يُعَبَّر عنه، وتألَّمنا له في ذلك!.
* صور من العصر الحديث *
بعد هذا التطواف في رحاب العلماء في قرون غابرة وأقطارٍ متباعدة، كأنِّي بقائل يقول: تلك أمة قد خلت، وجيل قد ذهب، فهل لك في أمثلة قريبة ونماذج حيَّة؟
فنقول: نعم، وما أكثرها!
* فهذا الشيخ العلامة جمال الدين القاسمي الدمشقي (1332) يقول عن نفسِه وهو يتكلم على علوّ الهِمَّة في كتابه (( الفضل المبين ) )98: (( وقد اتفق لي بحمده تعالى قراءة (( صحيح مسلم ) )بتمامه روايةً في أربعين يومًا، وقراءة (( سنن ابن ماجه ) )كذلك في واحدٍ وعشرين يومًا، وقراءة (( الموطَّأ ) )كذلك في تسعة عشر يومًا، وقراءة (( تهذيب التهذيب ) )99 مع تصحيح سهو القلم فيه وتَحْشيته في نحو عشرة أيام.
فدع عنك أيُّها اللائم الكسلَ، واحرص على عزيز وقتك بدرس العلم وإحسان العمل )) اهـ.
وذكر فيه100 -أيضًا- أنه قرأ (( تاريخ دمشق ) )لابن عساكر (571) ، وقد طبع هذا التاريخ الآن في سبعين مجلَّدًا101.
* وهذا الشيخ محمد بدر الدين الحسني (1354) العلامة المحدِّث (حفظ الصحيحين غيبًا بأسانيدهما، ونحو(( 20 ألف ) )بيت من المتون العلمية)102، كان شديد التشاغل بالعلم والعكوف على طلبه والانقطاع إليه، حتى بلغ من ذلك شيئًا عظيمًا، قال الشيخ علي الطنطاوي103 -رحمه الله- (( بل كان يجلس في الليل ليقرأ، فإذا غلبه النُّعاس اتكأ برأسه على وسائد أُعِدت له، فأغفى ساعتين أو ثلاثًا من الليل متقطعات، ومن النهار ساعة ) ).
وقال: (( كان يقرأ دائمًا لا يشغله عن القراءة إلا أن يكون نائمًا أو في صلاة أو درس، أو في طريقه من المسجد إلى البيت، ما فارق الكتب قطُّ، ولا استعان على النظر بنظارة، وقد مات حديد البصر صحيحه، وما أحبَّ في الدنيا غير الكتب... فكان يشتري الكتابَ يسمعُ به ولو كان مطبوعًا في أقصى الهند، ويشتري المخطوط ولو بوزنه ذهبًا، ولا يدع كتابًا حتى يقرأه، أو يتصفحه تصفّح المتثبِّت... ) ).
* ومثالٌ حيٌّ كان بين أظهرنا لشهور مضت هو العلاَّمة الأديب البليغ صاحب القلم الأنيق والعبارة الرشيقة104 الشيخ علي الطنطاوي (1420) -رحمه الله تعالى- له مقال في (( الذكريات ) )105 عنوانه (( شغلي الدائم المطالعة ) )ذكر فيه ولعه الدائم بالمطالعة من صغره وهو في المدرسة الابتدائية بدون إرشاد مُرْشِد ولا تعليم مُعَلِّم ثم قال: (( فأنا اليوم، وأنا بالأمس، كما كنت في الصغر، أمضي يومي أكثره في الدار أقرأ، وربما مرّ عليَّ يوم أقرأ فيه ثلاثمئة صفحة، ومعدَّل قراءتي مئة صفحة من سنة(1340) إلى هذه السنة (1402) .
اثنان وستون سنة. احسبوا كم يومًا فيها، واضربوها بمئة، تعرفوا كم صفحة قرأت. أقرأ في كل موضوع، حتى في الموضوعات العلمية... )) .
وله في (( الذكريات ) )106 -أيضًا- حديث عن قراءته ومقدارها، مع اشتغاله بالقضاء في دمشق (كل يوم ثلاثون قضية) مع الإشراف على مجالس التحكيم، والعمل رئيسًا لثلاثة مجالس، الأوقاف، والأيتام، والمجلس الأعلى للكليَّات الشرعية، مع إلقاء دروس في الكلية، والثانوية للبنين والبنات، وكان إلى جانب ذلك خطيب جمعة، ومحاضرًا في النوادي، وله أحاديث في الإذاعة، وكتابة يومية في إحدى الجرائد. كان يصنع هذا كله!!.
ومع ذلك كان يقرأ كل يوم يومٍ مئتين أو ثلاثمئة صفحة، قال: (( وأنا مستمر على ذلك من يوم تعلمت القراءة، وأنا صغير، أي: من نحو سبعين سنة إلا قليلًا، أصرف فضل وقتي كله في القراءة ) ).
ولو ذهبتُ استقصي أخبارَ علماء هذا القرن المنصرم لجاء كتابًا برأْسِه!! لكن حسبي هنا ما ذكرت، وكفى به عبرةً لمعْتَبِر.
بعد القراءة
عند انتهاءك من قراءة الكتاب لا يعني إنهاء العلاقة بالكتاب، فلتثبيت المعلومات يتطلب الأمر مراجعة ما قرأت، ولكن قبل المراجعة يجب أن تجاوب على هذه الأسئلة:
• ما المواضيع التي احتاج إلى مراجعتها؟
• كم من الوقت احتاج لمراجعة كل موضوع؟
• ما أماكن القوة والضعف لدي؟
.ما هي الفوائد التي خرجت بها من الكتاب ؟
وخلال مراجعتك لابد أن تجاوب على جميع الأسئلة التي دونتها خلال قراءتك، فلا تعني المراجعة إعادة القراءة بشكل سريع على أمل أن تستعيد ذاكرتك كل المعلومات؛ بل هي أكثر من مجرد القراءة فهي تتطلب الكتابة، والتحدث، والنقاش، وتحليل الأفكار المتعلقة بالموضوع؛ بل أحيانًا يتطلب الأمر إعادة قراءة فصول كاملة كي تفهم ما قرأت بشكل واضح.
والمراجعة أحيانًا تتطلب وجود شخص يناقشك، فالمناقشة طريقة قوية لتحسين مستوى التعليم والتذكر، يقول النووي ـ رحمه الله ـ:"فإن بالمذاكرة يثبت المحفوظ ويتحرر ويتأكد ويتقرر ويزداد بحسب كثرة المذاكرة، ومذاكرة حاذق في الفن ساعة انفع من المطالعة والحفظ ساعات بل أيام"وإن لم تجد أحداّ تراجع معه فليس هناك خيار أن تراجع لوحدك،
قال الكناني ـ رحمه الله ـ:"فإن لم يجد الطالب من يذاكره ذاكر نفسه بنفسه وكرر ما سمعه ولفظه على قلبه ليعلق ذلك على خاطره فإن تكرار المعنى على القلب كتكرار اللفظ على اللسان سواء بسواء وقل أن يفلح من يقتصر على الفكر والتعقل بحضرة الشيخ خاصة ثم يتركه ويقوم ولا يعاوده."107
وطردًا للملل قسّم الموضوع إلى وحدات على أن تكون المراجعة في وقت نشاطتك الذهني، وعند انتهاءك من المراجعة لا يعني قطع الصلة بالكتاب؛ بل لا بد من إعادة المراجعة بعد أسبوع تقريبًا وقد يتطلب الأمر مراجعة الكتاب عدة مرات فيعتمد ذلك على مقدرة ذاكرتك وعلاقتك بالموضوع..
كتب إن وجدت لا تخلو منها مكتبة طالب العلم 108