فهرس الكتاب

الصفحة 438 من 3028

7-التركيز التام ومحاولة التعايش الخيالي في جو الفكرة وربط أجزائها ببعض للوصول إلى الصورة النهائية لمفهوم الموضوع المقروء . وهذا العنصر له مردود كبير أيضًا في سرعة استيعاب الفكرة وترسيخها في الذهن بالإضافة إلى زيادة سرعة القراءة .

8-عند القراءة يجب الجلوس جلسة صحيحة ومريحة بدون الاسترخاء التام ؛ حيث إن الجلسة الخاطئة تعيق الدورة الدموية التي تؤدي إلى تدني سرعة الاستيعاب، أما الاسترخاء فيفقد التركيز . ولكن يمكن استغلال وقت الراحة والاسترخاء لقراءة المتعة والتسلية التي لا تتطلب كثيرًا من التركيز وليست ذات أهمية كبرى .27

9-يجب اختيار الأوقات التي تناسب نوع القراءة ؛ فالقراءة الثقافية والأكاديمية تتطلب أن يكون القارئ نشطًا كالصباح الباكر ، وبعيدًا عن الضوضاء والمقاطعات ، وفي مكان تتوفر به التهوية والإضاءة المناسبة.

أمة إقرأ كانت تقرأ

بداية يكفي أخي الحبيب أن تسمع ما قاله سلفنا ، لتعرف مدى حرصهم على العلم ،وشغفهم بالكتب،قراءةً وتحصيلا:

قال أحدهم

لنا جلساء ما نمل حديثهم *** ألباء مأمومون غيبًا ومشهدًا

يفيدوننا من علمهم علم ما مضى *** وعقلًا وتأديبًا ورأيًا مسددًا

فلا فتنة تخشى ولاسوء عشرة *** ولا نتقي منهم لسانًا ولا يدًا

فإن قلت أموات فما أنت كاذ *** وإن قلت أحياء فلست مفندًا

وقال الآخر

لمحبرة تجالسني نهاري *** أحب إلي من أنس الصديق

ورزمة كاغد في البيت عندي *** أحب إلي من عطر الدقيق

ولطمة عالم في الخد مني *** ألذ لدي من شرب الرحيق

وقال آخر:

نعم المؤانس والجليس كتاب *** تخلو به إن خانك الأصحاب

لا مفشيًا سرًا ولا متكدرًا *** وتفاد منه حكمة وصواب

ويقول أحدهم في وصف أسده على كتب العلم:

أجلّ مصائب الرجل العليم *** مصائبه بأسفار العلوم

إذا فقُد الكتاب فذاك خطب *** عظيم قد يجل عن العميم

وكم قد مات من أسف عليها *** أناس في الحديث وفي القديم

وقال عمرو بن العلاء: ما دخلت قط على رجل ولا مررت بداره، فرأيته في بابه فرأيته ينظر في دفتر وجليسه فارغ إلا حكمت عليه أنه أفضل منه عقلًا، وقيل لرجل ما يؤنسك؟ فضرب على كتبه وقال: هذه، قيل فمن الناس، قال: الذين فيها.

وقيل لبعضهم أما تستوحش؟ قال: يستوحش من معه الأنس كله؟ قيل وما الأنس؟ قال: الكتب. وقيل لأبي الوليد إنك ربما حملت الكتاب وأنت رجل تجد في نفسك، قال: إن حمل الدفاتر من المروءة.

قال الجاحظ28: (( من لم تكن نفقته التي تخرج في الكتب ألذّ عنده من إنفاق عُشَّاق القِيان، والمُسْتهترين29 بالبنيان، لم يبلغ في العلم مبلغًا رضيًّا، وليس ينتفع بانفاقه حتى يُؤْثر اتخاذ الكتب إيثار الأعرابيِّ فرسَه باللبن على عِياله، وحتى يُؤمِّل في العلم ما يؤمِّل الأعرابيُّ في فرسِه ) ).

وذكر الإمام أبو محمد بن حزم في30 دَعَائِمَ العلم، فعدَّ منها (( الاستكثارُ من الكتب، فلن يخلوَ كتابٌ من فائدة وزيادة علمٍ يجدَها فيه إذا احتاجَ إليه، ولا سبيل إلى حفظ المرء لجميع علمِه الذي يختصّ به، فإذ لا سبيل إلى ذلك، فالكتب نِعْم الخِزانة له إذا طُلِب.

ولولا الكتب لضاعت العلوم ولم توجَد، وهذا خطأٌ ممن ذمَّ الاكثار منها، ولو أُخِذَ برأيه، لتَلِفَت العلوم، ولجاذبهم الجهَّال فيها، وادَّعوا ما شاءوا!! فلولا شهادة الكتب لاستوت دعوى العالم والجاهل )) اهـ.

وعُذِلَ بعضُ العلماء في كثرة شراء الكتب، فقال:

وقائلةٍ أنفقتَ في الكُتْبِ ما حَوَت يمينُك من مالٍ فقلتُ: دعيني

لعلِّي أرى فيها كتابًا يَدُلُّني لأخْذِ كتابي آمِنًا بيميني

وفي كلِّ ما سيأتي من الأخبار والقصص31 لسانٌ ناطق، وبيانٌ مُشرق، لقيمة الكتب ومكانتها في نفوس هؤلاءِ العلماء، وهي بذلك غنيَّة عن أيِّ تعليق.

* ولع ابن دُرَيْد بالعلم والكتب

قال أبو نصر الميكالي32: تذاكرنا المنتزهات يومًا وابن دُرَيْد حاضر، فقال بعضُهم: أنزه الأماكن غُوطة دمشق. وقال آخرون: بل نهر الأُبلَّة. وقال آخرون: بل سُغْد سمرقند. وقال بعضُهم: نهروان بغداد. وقال بعضُهم: شِعب بوَّان. وقال بعضُهم: نوبهار بلخ.

فقال (أي ابن دريد) : هذه منتزهات العيون فأين أنتم عن متنزهات القلوب؟ قلنا: وما هي يا أبا بكر؟ قال: (( عيون الأخبار ) )للقتبي، و (( الزهرة ) )لابن داود، و (( قلق المشتاق ) )لابن أبي طاهر. ثم أنشأ يقول:

ومَن تكُ نزهتَهُ قينةٌ وكأسٌ تحثُّ وكأس تُصَبْ

فنزهتُنا واستراحَتُنا تلاقي العيون ودَرْس الكتبْ

ولع شيخ الإسلام ابن تيمية (بالمطالعة، وشغفه بالبحث

قال الحافظ ابن عبدالهادي -تلميذه-33 -وذكر طرفًا من صفاته-: (( لا تكاد نفسُه تشبع من العلم، ولا تروى من المطالعة، ولا تملُّ من الاشتغال، ولا تكلُّ من البحث، وقَلَّ أن يدخل في علمٍ من العلوم في بابٍ من أبوابه إلا ويُفتح له من ذلك الباب أبواب، ويستدرك أشياء في ذلك العلم على حُذَّاق أهله ) ).

وقال الشيخ محمد خليل الهراس34: (( كان لابن تيمية بصر نافذ ونفس طُلَعَة لا تكاد تشبع من العلم، ولا تكل من البحث، ولا تروى من المطالعة، مع التوفر على ذلك وقطع النفس له وصرف الهمة نحوه، حتى إنه لم ينقطع عن البحث والتأليف طيلة حياته في الشام أو في مصر، في السجن أو في البيت، بل إنه كان يتوجَّع ألمًا وحسرة حينما أخرجوا الكتب والأوراق من عنده في أُخْرَيات أيامه... ) )اهـ.

* قراءة شيخ الإسلام وهو مريض

قال الإمام ابن القيم في (( روضة المحبِّين ) )35: وحدَّثني شيخنا -يعني ابنَ تيمية- قال: ابتدأني مرضٌ، فقال لي الطبيب: إن مُطالعتك وكلامك في العلم يزيد المرض، فقلت له: لا أصبر على ذلك، وأنا أحاكمك إلى علمك، أليست النفس إذا فرحت وسُرَّت وقَوِيت الطبيعةُ فدفعت المرضَ؟ فقال: بلى، فقلت له: فإن نفسي تُسرُّ بالعلم فتقوى به الطبيعةُ فأجدُ راحةً، فقال: هذا خارجٌ عن علاجنا... )) اهـ.

وقال ابنُ القيم أيضًا: (( وأعرف من أصابه مرض من صداعٍ وحُمَّى وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقةً قرأ فيه، فإذا غُلِبَ وضعَه، فدخل عليه الطبيبُ يومًا وهو كذلك فقال: إن هذا لا يحلُّ لك فإنك تُعين على نفسك وتكون سببًا لِفَوْت مطلوبك ) )اهـ.

* قراءة ابن الجوزي ت (597) (20 ألف) مجلدًا وهو بَعْدُ في الطلب

قال ابن الجوزي عن نفسِه في (( صيد الخاطر ) )36:-أثناء حديثه عن المطالعة والاكثار منها-: (( وإني أُخبر عن حالي: ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتابًا لم أره، فكأني وقعتُ على كنز. ولقد نظرتُ في ثَبَتِ الكتب الموقوفة في المدرسة النِّظَامية، فإذا به يحتوي على نحو ستة آلاف مجلَّد، وفي ثبت كتب أبي حنيفة، وكتب الحُمَيدي، وكتب شيخنا عبدالوهاب بن ناصر، وكتب أبي محمد بن الخشَّاب -وكانت أحمالًا- وغير ذلك من كلِّ كتاب أقدر عليه.

ولو قلت: إني طالعتُ عشرين ألف مجلد كان أكثر، وأنا بعدُ في الطَّلب )) اهـ.

ثمَّ ذَكَر ما استفاده من المطالعة.

وهذا ابنُ الجوزي -أيضًا- يوصي العالمَ وطالبَ العلم بقوله37: (( ليكن لك مكان في بيتك تخلو فيه، وتحادث سطور كتبك، وتجري في حلبات فكرك ) )اهـ.

* حرص ابن عقيل ت (513) على الوقت وشغله بالمطالعة والعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت