فهرس الكتاب

الصفحة 400 من 3028

ونتساءل هنا: إن كانت هذه الدول الأوربية سالفة الذكر - والتي تشكل جزءًا لا يتجزأ من الحضارة الغربية التي لا تجد ضيرًا في فرض ثقافتها على بقية شعوب العالم- وبكل ما تملكه من مقدرات ثقافية وحضارية وبشرية، تبدي كل منها تخوفها على ثقافتها المحلية، أمام غزو ثقافات الدول الصديقة التي تشاركها في نهجها الحضاري, فكيف يكون إذن حال دول العالم النامي؟ وكيف يمكن لهذه الدول أن تدافع عن ثقافاتها الوطنية، مع انشغالها بهمومها التنموية، وديونها الخارجية، وصراعاتها من أجل البقاء؟

نستطيع اليوم أن نجزم بأن الدول النامية - أو ما يسمى بدول العالم الثالث- لم تعر ثقافاتها المحلية الكثير من الاهتمام خلال العقود الماضية ، لثقل مهامها التنموية التي بدأت تنوء بحملها منذ الاستقلال، فضلا عن الصراعات الدموية التي عصفت بكثير منها، مما جعل من قضية أمنها الوطني في رأس أولوياتها.

وكانت حركة دول عدم الانحياز، التي تأسست عام 1961، قد جعلت من تحقيق توازن اقتصادي وسياسي يضمن لدول العالم الثالث حقوقها المشروعة، في عالم يحكمه الصراع بين الكتلتين العالميتين (الرأسمالية والشيوعية) ، هدفًا أساسيًا طغى في البداية على كافة المجالات الأخرى، فلم يرد على سبيل المثال أي ذكر للتعاون الثقافي والعلمي بين هذه الدول، أو أي اتفاق دولي لحماية ثقافاتها الوطنية، في المؤتمر الأول للحركة في بلغراد.

ولكن التطور العالمي المذهل في مجالات العلم والتقنيات ، وتزايد اعتماد الاقتصاد العالمي على منتجات التكنولوجيا الراقية, والانتشار السريع للثقافة الغربية في أنحاء العالم، مدفوعة بتفوقها الكبير في قطاع المعلومات والاتصالات وسيطرتها على الأقمار الصناعية التي تحيط بالعالم من كل جوانبه، جعل كل ذلك من قضية العلم والثقافة في الدول النامية أمرا بالغ الأهمية، مما دفعها لعقد الاجتماع الأول لخبراء التربية والثقافة والإعلام لدول عدم الانحياز في مكسيكو عام 1982 - قبل انعقاد قمة دلهي لدول الحركة في عام 1983- وذلك بهدف بحث سبل التعاون الثقافي فيما بينها، وحمايتها مما سمي بهواجس"استلاب الشخصية"، ولم يتردد حينها وزير الثقافة الفرنسي الأسبق"جاك لانغ"- الذي دعي إلى الاجتماع - في التنديد بما أسماه بالإمبريالية الثقافية الأمريكية [29] .

ومع تزايد مخاوف الدول النامية من الغزو الثقافي الذي تطبقه الدول المتقدمة في عالم شديد التباين بين شماله وجنوبه، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة - الأسبق-"خافيير بيريز ديكويلار"الفترة الواقعة بين عامي (1988-97) العقد العالمي للتنمية الثقافية بالاشتراك مع مؤسسة العمل الثقافي الدولي المشترك (اليونسكو) ، وقال في خطابه آنذاك:"إن مجهودات التنمية أخفقت لأن أهمية العنصر البشري، ذلك المزيج المعقد من العلاقات والمعتقدات و القيم والدوافع الذي يكمن في قلب الثقافة، لم يقدر حق قدره في كثير من مشروعات التنمية" [30] ، وكأنه بهذا يشير إلى ذلك التناقض الواقع بين تبني كل من مقولتي التنمية الشاملة وحوار الثقافات، وبشكل مضمر.

ويتضح لنا هذا التناقض- وبعيدا عن التناقضات الفلسفية- مع الكشف عن تلك العلاقة التي لا يمكن تجاهلها بين التنمية الشاملة من جهة وقوانين العرض و الطلب وآليات السوق من جهة أخرى والتي باتت دستورا مقدسا يحكم علاقات البشر فيما بينهم سواء داخل المجتمع الواحد أو في منظومة العلاقات الدولية بأوسع أشكالها. وهو ما يتناقض بالضرورة مع الدعوات العالمية المتزايدة نحو إحلال حوار الثقافات - أو لنقل كما هو شائع- كبديل عن حوار القوى المتصارعة على المصالح.

وكان تقرير اللجنة العالمية للثقافة و التنمية التي ترأسها ديكويلار بنفسه عقب انتهاء مهمته شاهدا كبيرا على هذا التناقض، ودليلا على فشل عالم القرن العشرين الموغل في التحضر، في تجاوز تلك العقبات العنصرية و المذهبية التي طالما وقفت عائقا في وجه أي حوار أو تعاون بين الأمم منذ سطّر الإنسان تاريخه المتخم بالصراع والحروب.

وقد عبر د. جابر عصفور عن ذلك واضحا في تصديره للترجمة العربية لهذا التقرير، والتي صدرت عن المجلس الأعلى للثقافة في مصر بقوله:"ما من أمل في سلام البشرية ما ظلت حضارة من الحضارات أو ثقافة من الثقافات أو أمة من الأمم بدعوى أن الطبيعة والتاريخ ميزاها على غيرها بما لا يمتلكه سواها" [31] .

إن هذه الكلمات تلخص طبيعة ذلك"الحوار"الذي تفرضه العلاقات الدولية اليوم في ظل العولمة وباختصار شديد، ويبدو أنها لا تحتاج إلى المزيد من التعليق.

الثقافة العربية الإسلامية وتحديات المرحلة

بالرغم من كل ما سبق ذكره من مظاهر الغزو الثقافي، الذي تتعرض له معظم شعوب العالم، والفقيرة منها والعربية- الإسلامية على وجه الخصوص، فإنه لا يزال هناك الكثير من المثقفين العرب يرفضون هذا الطرح جملة وتفصيلا، معتقدين أن هذا التوسع الثقافي الغربي -الأمريكي- إنما يتم وفق آليات السوق الحرة التي تسمح للجميع بالمنافسة، وأن هذا الشعور ليس إلا نتيجة لشيوع"نظرية المؤامرة"وسيطرتها على فكر المواطن العربي، الذي اعتاد على إلقاء اللوم على الآخرين، للتملص من عبء المسؤولية. كما يعتقد هؤلاء بأن ما أسميناه بالغزو الثقافي ليس موجها بطبيعة الحال إلى أمتنا العربية ـ الإسلامية دون غيرها، بل لا يعدو أن يكون نتاجًا تجاريا يعرض في كافة الأسواق العالمية، كما أن الأثر السلبي لهذا الناتج على المجتمعات الغربية نفسها، يعد في رأيهم دليلا كافيا لإثبات عدم وجود أي نية مسبقة لديهم في تقصد الإساءة إلى مجتمعاتنا أو ثقافتنا المحلية.

وبما أن مناقشة هذا الرأي خارج موضوع البحث، فإنه لا يسعنا - مهما كان موقفنا- إلا أن نقرّ بوجود تفاوت ثقافي كبير (فجوة) بين عالمنا العربي الإسلامي من جهة وبين العالم الغربي، وعلى رأسه الولايات المتحدة من جهة أخرى، وأن الغرب قد أحسن استغلال هذه الفجوة لصالحه، خلال السنوات الأربع الأخيرة بالذات، أمام ضعف وتخاذل عربي وإسلامي مذهل.

وعلى هذا، فإن مناقشة حقيقة وجود هذا الغزو الثقافي المتعمد وطبيعته، لم تعد ذات أهمية تذكر، أمام الشعور الطاغي بأن غبنًا كبيرًا قد لحق بأمتنا، وخصوصا بعد أن اتضح لنا الكثير مما كان مسكوتًا عنه قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حتى باتت دعوات مواجهة هذا الغزو شائعة اليوم بين كافة فئات المجتمع، من المثقفين وصناع القرار إلى عامة الناس وأقلهم ثقافة، وأصبح من الطبيعي أن تتعرض وسائل الإعلام العربية على اختلافها لهذا الموضوع، مستعرضة آراء المثقفين والسياسيين الذين بات معظمهم يصرّ على أن الوقت قد حان بالفعل للتصرف حيال هذا الغزو - أو سمّه ما شئت- إلا أن المواطن العادي من حقه أيضا، والحال هذه، أن يقول: سمعنا جعجعة ولم نر طحنًا.

لقد بات من الواضح تماما أن هذا المواطن، المنتمي غالبًا إلى أفراد الطبقة الوسطى، لم يعد معنيا بذلك القرار الذي ما زال مثقفونا بصدد البحث فيه، إذ أن هذه الأوساط المثقفة ما زالت تعاني من عزلتها المزمنة، وتشتكي من فقدها لقنوات الاتصال ووسائل الحوار الملائمة لعامة الناس، بل إن المثقف العربي لا يزال مصرًا على الالتزام باغترابه الثقافي، ليضمن لنفسه الإبقاء على مسافة كافية تفصله عن العامة، وتحفظ له المكانة الاجتماعية المرموقة على قمة برجه العاجي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت