وهكذا يعترف الفنان الفرنسي بوفيه بأن"الجهل في الرسم قد أرسيت قواعده، وكلما كان الفنان جاهلا اعتبروه رائدا"، فيما يلخص أحد تجار اللوحات المعاصرين هذه القضية بقوله:"يجب أن نعلّم مقتني وجامعي اللوحات إلقاء اللوحة في صندوق القمامة حين تصبح قديمة، مثلها مثل السيارة أو الثلاجة, عندما تأتي لوحات أخرى جديدة لتحل محلها" [22] ، مما لا يدع مجالا للشك بأن الفن قد تم تحويله، وبشكل كبير، إلى مجرد سلعة، يتحدد سعرها وفقًا للعرض والطلب، والأمر ذاته ينطبق على كافة مجالات الفنون والثقافة الأخرى.
ويذكر أن الولايات المتحدة كانت قد انسحبت من منظمة اليونسكو قبل عشرين عاما، في عهد الرئيس ريغان، احتجاجا على مواقف أمينها العام"مختار أمبو"والذي شن حملة واسعة على ما أسماه بالخلل في المنظومة الإعلامية الدولية، تزامنًا مع صعود أصوات الكثير من المفكرين الغربيين منددين بالغزو الثقافي الذي تمارسه الولايات المتحدة على دول العالم وخاصة تلك النامية منها. وقد عادت الولايات المتحدة مؤخرا إلى المنظمة الدولية بإعلانها ـ وعلى لسان قرينة الرئيس الأمريكي"لورا بوش"ـ أن هذه المنظمة قادرة من خلال إرساء قيم التسامح ومحاربة الجهل على القضاء على الإرهاب في العالم! لتعطي بذلك دليلا واضحا على أن المفهوم الأمريكي للثقافة يقوم على تحقيق المصالح الذاتية دون أي شيء آخر.
صراع الثقافات:
مع انتهاء حقبة الحرب الباردة في مطلع التسعينات، وانهيار الكتلة الاشتراكية الشرقية، استأثرت الدول الرأسمالية الغربية - وعلى رأسها الولايات المتحدة- بقيادة العالم، واختارت له نظاما شموليا أسمته بـ"النظام العالمي الجديد"، يرتكز في وجوده واستمراره على تقسيم جائر لخيرات ومقدرات العالم، تكون حصة الأسد فيه لخمس سكان المعمورة، بينما تقتات الأخماس الأربعة الأخرى على الفتات، فقط لكونها قد خلقت في عالم"الجنوب"حيث تسود مظاهر الجوع والفساد والحروب والنعرات الأهلية والطائفية، وغيرها، وكأنها قدر محتوم.
ولأجل تعليل هذا"القدر"، قام الباحث الأمريكي - الياباني الأصل-"فرانسيس فوكوياما"بوضع نظريته الشهيرة حول ما أسماه بنهاية التاريخ، معتبرا أن جدلية التاريخ تفرض على العالم الوصول إلى هذه النهاية المحتومة، حيث تنتصر الديمقراطية الغربية القائمة على الليبرالية المطلقة، وتنهار جميع الأيديولوجيات الأخرى لعدم مواءمتها لمتطلبات التطور الإنساني الذي وصلت إليه البشرية، وكأن البؤس الذي يرزح فيه ثلاثة أرباع سكان العالم ليس إلا نتيجة لعدم قدرتهم، أو عدم قابليتهم بالأحرى، لانتهاج النهج الحضاري الغربي الليبرالي.
وبعد ثبات فشل هذه النظرية على أرض الواقع خلال فترة قصيرة من ظهورها، تقدم"صاموئيل هنتنجتون"بنظريته الشهيرة"صراع الحضارات"، لسد الثغرات التي غفل عنها زميله، واعتبر أنه من الضروري للحضارة الغربية, لكي تحافظ على سيادة العالم، أن تقوم أولا بتصفية جميع خصومها، وعلى رأسهم بالطبع"الحضارة الإسلامية" [23] .
ولكن هذه النظرية أيضا سرعان ما ثبت تهافتها الفكري وعدم واقعيتها، فهي ليست إلا نتيجة لتعصب قومي سياسي ، نظر له باحث استراتيجي أبعد ما يكون عن الإلمام بالحقائق العلمية المعروفة بالبداهة. فالحضارة الإنسانية - كما يقر المفكر السعودي تركي الحمد- ليست إلا كلًا واحدًا لا يتجزأ في جوهره، وهي عبارة عن تراكم علمي وثقافي للحضارات الإنسانية المتعاقبة، والتي تساعد كل منها في نقل التجارب والمعارف التي اقتبستها عن أسلافها من الحضارات الأخرى وقامت بتوطينها والإضافة إليها، ثم توريثها للحضارات التي تعقبها لاستمرار المسار التصاعدي للحضارة البشرية.
وعليه فإن الصراع الذي كان ولا يزال قائمًا بين معظم الجماعات البشرية منذ فجر التاريخ الحضاري للإنسان وحتى اليوم، ليس إلا صراعا بين الثقافات, وهو مبني على التباين والتضاد بين القيم والمعتقدات التي تقوم عليها، والتي تمثل بمجموعها الوعي الجماعي الذي يعبر عن هوية هذا المجتمع أو ذاك، وهي كما نعلم خصوصية ذات قيمة عالية لدى الفرد والمجتمع، ومستمدة من الغريزة الإنسانية في التعبير عنها والدفاع عن وجودها واستمراريتها. [24]
والغريب في الأمر أن الصراع الثقافي لم يعد مقتصرًا فقط على ما هو قائم بين الدول النامية وتلك المتقدمة، بل بات الكثير من المثقفين والسياسيين في الدول المتقدمة نفسها قلقون حيال الغزو الذي ينال من ثقافاتهم المحلية، فدولة غنية ومتقدمة مثل كندا، على سبيل المثال، لا تعدو أن تكون - وحسب تعبير أحد كبار مسؤوليها- سوى نملة صغيرة أمام الفيل الأمريكي الضخم، بينما يشير أحد الباحثين الكنديين إلى أن المواطن الكندي، وتحت تأثير المسلسلات والأفلام البوليسية الأمريكية، لم يعد قادرا على التمييز بين قوى الجندرمة الكندية والشرطة الفدرالية الأمريكية، بل إن مبادئ القضاء الكندي نفسه لم تعد واضحة أمام طغيان النظام القضائي الأمريكي, الذي بات حاضرًا بشكل شبه يومي على الشاشات الكندية، مما يهدد بفقدان الهوية الكندية لدى المواطنين، وخاصة لدى فئات الشباب والمراهقين. [25]
وكذلك تعاني النمسا من عدم قدرتها على وضع سياسة اتصالية تعزز خصوصيتها الثقافية أمام الكم الهائل من المعلومات التي تقذف بها وسائل الإعلام الأجنبية، ويكاد الأمر ذاته يتكرر لدى دول أوربية أخرى مثل بلجيكا، هولندا، سويسرا، أسبانيا والبرتغال.
بينما أبدت الحكومة البريطانية تخوفها من تحول المشاهد البريطاني إلى البرامج الأوربية التي تطلقها (16) قناة أوربية مختلفة من بروكسل (عاصمة الاتحاد الأوربي) عبر قمر"استرا"مما يهدد ثقافة المواطن الانكلوسكسونية. [26]
وأما في فرنسا، فالقلق الشعبي والرسمي على الثقافة الوطنية بات من أولويات هموم المواطن العادي، فبعد أن عبر الرئيس الفرنسي"ديستان"، في عام 1976، عن قلقه إزاء تراجع الإنتاج التلفزيوني المحلي أمام المنافسة الأمريكية، بدأت التصريحات الرسمية والإعلامية بالتنديد بهذه الظاهرة، فكان أن حذّر مجلس الشيوخ من أخطارها في تقرير صدر له عام 1979.
ثم بدأت بعض الصحف الفرنسية - منذ مطلع الثمانينات- بعرض سلسلة من المقالات حول الغزو الثقافي وأخطاره، كان من أهمها مقال رئيس تحرير"اللوموند"في العدد الصادر بتاريخ 4/7/1980 تحت عنوان"حيث تنتصر أمريكا". كما باتت تصريحات وزير الثقافة الأسبق"جاك لانغ"مزعجة لدى بعض المسئوولين الأمريكيين لجرأتها البالغة، والتي مهدت لصدور العديد من الكتب التي تبحث في مستقبل الثقافة الفرنسية في ظل النظام العالمي الجديد الذي أعلنت الولايات المتحدة قيامه - في مطلع التسعينات- تحت قيادتها، وكان من أشهر هذه الكتب: كتاب"الحرب الثقافية"لـ"هنري جوبار"، و"فرنسا المستعمرة"لـ"جاك تيبو". [27]
ولعل من أكثر التصريحات وضوحًا، ذلك الذي أطلقه وزير الخارجية الفرنسي الأسبق"كلوشيسون"مخاطبا نظراءه من العرب في مؤتمر أقيم في آذار عام 1993 قال فيه:"إننا نحن، العرب والفرنسيين، نواجه مأزقا متشابها بفعل الأمريكيين، وما علينا إلا أن نوحد جهودنا لإيجاد حالة توازن وتعاون وانفتاح متزن، بدلًا من التقوقع أو الاستمرار فقط بالتذمر، وإنما يجب أخذ المبادرة قبل فوات الأوان". [28]