فهرس الكتاب

الصفحة 398 من 3028

و من خلال هذه النتائج، يمكن للقارئ الكريم أن يتلمس بسهولة سيطرة النظرة المادية البراجماتية على هذه المواد، والتي تقدم على أنها ليست إلا للترفيه والتسلية، في حين يؤكد الباحث الأمريكي"هربرت شيلر"على"أن البرامج الترفيهية هي في الواقع أشكال تربوية... وأشكال توعية أيديولوجية"، ويؤيده"ميلفين ديفلير"في قوله:"يمكن رؤية الاعتماد القوي لوسائل الإعلام على النظام الترفيهي بسهولة أكثر في تعديل القيم والقواعد السلوكية" [11] .

يقول المفكر الأمريكي ناعوم تشومسكي:"إن الولايات المتحدة ممثلة في شركاتها الكبرى متعددة الجنسيات تسيطر على العالم وتسيره كيفما تشاء، وتخطط مستقبله وفقًا لأهوائها دون اعتراض يذكر". [12]

ويستغل الأمريكيون هذه القدرة الهائلة لوسائل الإعلام في خدمة مصالحهم، خصوصًا إذا علمنا أن الولايات المتحدة تمتلك اليوم 56% من بنوك المعلومات في العالم، بينما تعود نسبة 27% منها إلى دول الاتحاد الأوربي، و12% إلى اليابان، فيما تبقى نسبة 1% فقط لدول العالم النامي مجتمعة. [13]

ويتمثل هذا التأثير في وصف وزير الخارجية الأمريكي الأسبق"جورج شولتز"لتقنية البث المباشر"بأنها أنجع من أسلحة نووية عديدة لغزو الكتلة الشرقية، وإن شعوب أوربا الشرقية ثارت على الشيوعية لأنها تمكنت من التقاط برامج التلفزيون الغربي والأمريكي". [14]

الانحطاط الثقافي في عصر العولمة:

يقول روجيه غارودي:"إن القوة الاقتصادية الأمريكية تحسد القوة الثقافية الأوربية في محاولة منها للانفراد بالرفض والقطيعة، وباستخدام الابتزاز والإرهاب الفكري يقوم الأمريكيون بإقحام ثقافتهم الرخيصة ضمن ما يسمى بالحداثة، في الوقت الذي يقومون فيه بقذف رموز الثقافة الأوربية بالعبث والتخلف". [15]

لقد أدرك المستثمرون الأمريكيون مدى الإقبال العالمي على الثقافة الرخيصة، وأن الناس عموما يميلون إلى العرض الإعلامي الذي يضمن لهم إشباع قدر كاف من غرائزهم، وإمضاء المزيد من الوقت في سبيل التسلية، فبينما تنفق الحكومات الأوربية الأموال الطائلة لدعم مبدعيها من الفنانين والشعراء والمخرجين المسرحيين والسينمائيين، أوكلت الولايات المتحدة مهمة اختيار ونشر ثقافتها إلى عمالقة السينما في هوليود وشركات الإعلان في مانهاتن.

وفي ظل الليبرالية المطلقة التي لا تعرف إلا الربح، والبراجماتية التي تؤمن بأن الغاية تبرر الوسيلة، يقوم هؤلاء بدراسة أذواق الشريحة الأوسع من المستهلكين، في العالم كله، ثم تحديد المنتجات الأكثر رواجا وربحية، وهكذا يصبح كل من فان دام ورامبو وشاكيرا ومايكل جاكسون نجوما يحملون شعلة الثقافة الأمريكية إلى العالم، ويمتصون من خلال منتجاتهم أرباحا طائلة. [16]

يقول"ستيفن هاينرمان"المحاضر في دراسات الاتصالات في أحد جامعات كاليفورنيا:"لو تصورنا أن هناك شخصين، أحدهما مسافر والآخر من أهل المكان، قد جلسا ليكتب قائمة بأكثر الأبطال شعبية، فلن يكون مثيرا للدهشة أن كلتا القائمتين بهما الأسماء نفسها من أبطال الأفلام ونجوم الموسيقا وعمالقة الرياضة وشخصيات البرامج التلفزيونية" [17] وهذا أمر طبيعي جدا في عصر العولمة، حيث يتحول عدد من أبناء الطبقات الوسطى أو المسحوقة إلى نماذج مثالية للجنس البشري، بعد أن يتم تصنيعها بدقة خلف الكواليس، عبر محترفين في انتقاء النجوم وتحويلهم إلى كائنات أسطورية.

وعبر الحملات الإعلانية الضخمة، وكافة وسائل الإبهار والتزييف، يصبح هؤلاء النجوم المثل الأعلى للأجيال الشابة حول العالم، ويتم تقديم نمط معيشتهم بأدق التفاصيل لجماهير المعجبين، إذ بات من الممكن -وعبر شبكة الانترنت- الإجابة عن أسئلة كثيرة حول أوضاعهم الاجتماعية، ومواعيد نومهم و استيقاظهم، وأطباقهم المفضلة، فضلا عن تفاصيل نعفّ عن خدش حياء القارئ الكريم بالتعرض لها!

ولعل المشكلة الكبرى في هذا السياق، هي أن هؤلاء النجوم ليسوا في الحقيقة أهلا لاعتلاء هذه القمم التي صعدوا إليها على أكتاف ملايين المعجبين المسحورين، فكثيرا ما تكون هذه الأوساط التي يعملون في دهاليزها ملأى بالفضائح ومواطن العار، إذ تفاجأ الملايين من معجبي نجم الروك آند رول الأمريكي"إلفيس بريسلي"بأنه كان مدمنا على المخدرات قبل أن يلقى حتفه في مقتبل العمر.

وإن كان ذلك قد حصل في الستينات من القرن الماضي، فإن الشعب الأمريكي اليوم بات يتقبل فضائح النجوم بشكل أكثر تحررا، ويرفعون من شأنهم ليتربعوا في أعلى المراكز الاجتماعية، وبذلك لا يشكل فوز نجم أفلام الحركة"أرنولد شوارزنيغر"بمنصب حاكم ولاية كاليفورنيا - والتي يعتبر اقتصادها كولاية مستقلة في المرتبة السادسة أو الخامسة عالميا- أي مفاجأة، بالرغم من ذلك الكم الهائل من الفضائح الأخلاقية التي نشرها منافسوه عبر حملاتهم الدعائية، إذ يكفي مزج نجوميته الساحقة بثروته الطائلة، ليحصد أكثر من نصف أصوات الناخبين، ويصبح حاكم أغنى الولايات الأمريكية وأكثرها سكانًا [18] .

لقد أثرت هذه النظرة القاصرة للثقافة على مجمل المجالات الثقافية والفنية في العالم، ولا تقتصر أسباب ذلك على المنظور الأمريكي التجاري للثقافة، بل إن هذا المنظور ما كان ليجد طريقه إلى عقول الناس ما لم تكن البيئة الاجتماعية ملائمة لذلك، ويمكننا القول بأن الحرب العالمية الأولى، وما تلاها من انهيارات وتداعيات للأسس التي قامت عليها الحضارة الغربية، قد أثرت بوضوح على عقول الكثير من الأوربيين والأمريكيين، والذين لم يجد الكثيرون منهم سبيلا للتعبير عن سخطهم وانعدام ثقتهم بمجتمعاتهم إلا بنقل أفكارهم الهاربة من جحيم الواقع المرعب إلى خيال واسع من العبث واللامعنى، فعندما أقامت فرنسا - على سبيل المثال- أول نصب للجندي المجهول، احتج الفنانون السورياليون على ما اعتبروه نفاقا، وافتتحوا"مبولة"وسط باريس كرمز لانهيار الحضارة، في الوقت الذي قام فيه"ماليفيتش"بعرض لوحته:"مربع أبيض فوق خلفية بيضاء"! [19]

وتلا ذلك عدد من الظواهر"الفنية"الأكثر طرافة، حتى أصبح الفن في أوربا بابًا واسعا للعبث، حيث لم يعد مقتصرا على أصحاب المواهب الفذة، فهاهو"جاكسون بولوك"يصرّح بأنه يترك الدور الأكبر للصدفة, إذ كان عمله"الفني"يقتصر على صب الألوان على اللوحات المفروشة على الأرض, ثم المشي عليها بعد انتعاله لأحذية مثقوبة! [20] ، في الوقت الذي أرسل فيه"مارسيل دوشام"- عام 1917-"نافورة"إلى معرض الفنانين المستقلين في نيويورك، والتي لم تكن في الواقع إلا (مبولة) ، بعد أن وقع عليها باسم مستعار"R.MUTT"، وعندما رفض المعرض هذه"التحفة الفنية"، برّر الرجل موقفه بأنه ليس بالضرورة للفنان أن ينجز عمله بيده، بل يكفي أن يختار أي عنصر جمالي من عناصر الحياة اليومية ثم إبرازه بشكل جديد، بعد الاستغناء عن وظيفته الأصلية. وقد مهد ذلك لظهور مدرسة جديدة للفن أسماها أصحابها"دادا"وهي كلمة تعني الحصان الخشبي الصغير‍‍‍‍! [21]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت