من جهة أخرى، نشرت مجلة"ريدرز دايجست"الشهيرة، في عددها الصادر في شهر أكتوبر لعام 1995 موضوعا تحت عنوان (هوليود والأكاذيب الثلاث الكبرى) ، أشارت من خلالها إلى السياسة الهوليودية في عرض الأفلام -أيا كان مضمونها ومستواها الثقافي والأخلاقي- عبر اعتمادها على مبررات ثلاث كبرى: أولها أن هذه الأفلام تهدف إلى التسلية فقط دون التأثير على أحد، والثانية أنها تعكس الحقيقة التي يمثلها المجتمع، وعليه فإن الناس هم الملامون على أي خطأ أو نقد يمكن أن يوجه إلى هذا الفيلم أو ذاك, وأما الثالثة، والتي تبدو أكثرها براءة وعفوية، فهي الادعاء بأن هوليود تعتمد على أذواق المشاهدين في انتقاء عروضها، وبالتالي فإنك عزيزي المشاهد-كما تضيف المجلة- لست مضطرا لمشاهدة الأفلام التي لا ترغب فيها، وبإمكانك أن تغير وجهتك نحو القناة التلفزيونية التي تحب بكبسة زر [4] .. إنها حقا قمة الديمقراطية!
لعلك أخي القارئ تتفق معنا عند هذه النقطة بضرورة التساؤل حول صحة اعتماد هذه المبررات -أو لنقل الأكاذيب- لفتح فضائنا الإعلامي والثقافي، وبكل هذه البساطة، لكل ما يرد إلينا من الخارج بقضه وقضيضه.
وحتى نصل إلى إجابة شافية فإننا، كما يبدو، سنظل نفاجأ كل يوم بكم هائل من البرامج والأفلام التي باتت تقدم على أنها لكافة أفراد الأسرة، في حين أنها في الحقيقة ليست كذلك على الإطلاق، فهي غالبا ما تحتوي بشكل أو بآخر على جرعة لا بأس بها من المشاهد العاطفية -إن لم نقل الإباحية- أو مشاهد العنف الدموية. بل إن برامج الأطفال بحد ذاتها باتت ملأى بهذا الغثاء الذي قلما ينتبه إليه أولياء الأمور.
وقد امتد هذا السرطان الخبيث بشكل سريع ومفاجئ ،خلال السنوات القليلة الماضية، إلى ألعاب الفيديو و المجلات المصورة ومواقع الإنترنت المتاحة للجميع وبأسهل الطرق حول العالم، حتى لم يعد الجنس والعنف -اللذان يقدمان وللأسف الشديد بأبشع الصور- شيئًا غريبا على الأطفال والمراهقين في الدول الغربية، كما لا يبدو، في المقابل، أن جيلنا الناشئ في مأمن من ذلك.
إن الاعتماد على أذواق المشاهدين في تبرير المواد التي تقدم إلى عامة الناس، ويرغمون على دخولها إلى عقر ديارهم، أتاحت لمحطات التلفزة الأمريكية أن تعرض في مطلع التسعينات 115 فيلما بوليسيا، تشتمل على 406 من الجرائم الوحشية - كما أحصتها إحدى الدراسات- مما جعل الجرائم المقدمة على الشاشة تزيد بعشرين ضعفا على الجرائم التي تحدث على أرض الواقع، فيما يؤكد البعض أن كلا الرقمين مؤهلين للازدياد. [5]
وهكذا بات الفن الذي كان ترجمانًا لعالم"المعنى"، مرآة لعالم"الصورة"-على حد تعبير د. غلام علي حداد عادل- وتحولت السينما التي سميت في بداياتها بالفن السابع، إلى مرآة للابتذال في أحط أنواعه، فيما قام المنتجون باستغلال الجنس الذي اكتشف بأنه السلعة الأكثر رواجا، وكأن عدساتهم ليس باستطاعتها التعبير إلا بلغة الأجساد المأجورة، لتقوم محطات التلفزة فيما بعد بمهمة نقل ما كان حكرًا على دور العرض إلى المنازل كل ليلة، وتصبح مراقبة الفرد لصلاحية ما يعرض عليه وعلى أفراد أسرته شبه مستحيلة. [6]
وعبر هذا التحالف القائم بين الشركات العالمية ووسائل الإعلام، ومع تحول هذه الأخيرة إلى شركات تجارية بحد ذاتها، تقوم أساسًا على الربح المادي، والتوسع القاري لاقتسام الأسواق العالمية واحتكارها بأيدي القلة، فإنه من الطبيعي جدًا، والحال هذه، أن تنحط الثقافة العالمية إلى أدنى المستويات، وأن يتم تصنيف أفراد هذا العالم ،الذي يسعى البعض لتحويله إلى قرية صغيرة، حسب"الماركات"التجارية التي تحمل مشترياتهم شعاراتها، أو حسب مصادر معلوماتهم التي تمطرهم بها مئات الصحف والأقنية الفضائية ومواقع الشبكة العنكبوتية.
ولكي نتبين مدى تأثير هذه الأدوات الإعلامية الطاغية على عقول الجمهور المتلقي، وتحديد أفكاره وتصرفاته اليومية، نذكر التجربة التي قام بها"فانس باكارد"عبر مراقبة الانطباع الذي يتركه عرض ومضات سريعة لعلب من المثلجات خلال مشاهد متفرقة لأحد الأفلام السينمائية، وبشكل هامشي دون أن يشعر المشاهدون بأنهم قد انتبهوا للأمر، وكانت النتيجة أن مبيعات دار السينما أثناء العرض قد ازدادت بشكل ملحوظ، مما دفع به للاستنتاج بأن"الدعاية الباطنية"تشكل أسلوبًا فعالًا للإقناع الذي لا يشعر به المتلقي حتى يفكر في مقاومته. وبما أن هذه الدراسة قد وردت في كتابه"المقنعون المستورون"في عام 1957 [7] ، فإن هذا الأثر سيبدو مضاعفا اليوم مع التقدم الهائل في وسائل الإبهار، والسيطرة على جانب اللاوعي لدى المتلقي. إذ يعتمد الكثير من منتجي الأفلام والبرامج الأمريكية على هذا المبدأ لترويج قيمهم الاستهلاكية، حيث تقدم رموز الحياة الأمريكية البسيطة اليوم كالجينز و التيشيرت وأسطوانات الروك والبوب المدمجة، إلى جانب كرة السلة وألعاب الفيديو الرقمية ، مع قليل من الهامبورغر و الكوكاكولا، وكأنها جزء لا يتجزأ من حياة الرفاهية الأمريكية ، والتي يسعى للحاق بها معظم شباب العالم، وخاصة في الدول النامية التي يشكل سكانها الأغلبية الساحقة من سكان المعمورة.
وللحفاظ على رسوخ هذه القيم واستمرارية تناسخها بين أجيال الشباب المتعاقبة، يتم منحها المزيد من المصداقية للتأكيد على أنها الخيار الأفضل لنمط المعيشة من بين كافة الخيارات الأخرى المتاحة، وذلك عبر التكرار المستمر لهذا الطرح عبر كافة وسائل الإعلام، مع ضرورة تقديمه ضمن أطر دائمة التجدد والتغيير لضمان الإبقاء على جاذبيتها، بعيدا عن الرتابة والتقليد.
لقد تم اقتباس هذه الأساليب من النظرية التي تفتّقت عنها العبقرية الهتلرية، والقائمة على صياغة فكر موحد للشعب الآري، عبر التكرار اللانهائي - في وسائل الإعلام- للفكر النازي ذو النزعة الشمولية ، والقائم على إحياء غرائز إثبات الذات و الرغبة في الانتقام من العدو، حتى تصبح القوى العقلية الفاعلة منهكة ومنهارة أمام تدفق تيار هائل من الدعاية المتماسكة، مما يؤدي في النهاية إلى تكوين قبول أولي لا شعوري، يستبعد مع الزمن أي نزعة داخلية للتشكيك. [8]
ويؤيد ذلك ظهور"نظرية الغرسCultivation Theory"في السبعينات من القرن الماضي، والتي يؤكد أصحابها أن وسائل الإعلام تقوم بغرس عالم وهمي في ذهن المتلقي، والذي يقوم بدوره بتقبل هذه الصورة على أنها تعبير حقيقي للواقع، لكونه غير واع بعملية صنع هذا الواقع، بل إن وعيه لا يتعدى الشعور بالتسلية، وذلك بقضاء الساعات الطويلة أمام شاشة التلفاز [9] .
ولبيان تفاصيل ذلك النموذج الذي تقوم البرامج الترفيهية الأمريكية بغرسه في عقول الناس، قام الباحث البيروفي"جوركي تابيا"بدراسة شاملة لهذه البرامج، ليخرج بنتيجة مفصلة على الشكل التالي [10] :
-البيئة: مجتمع استهلاكي ترفي خال من التناقضات.
-القيم الأساسية: الفردية والأنانية والمنافسة العنيفة.
-معنى النجاح: التفوق المادي على الآخرين، والتلذذ بمباهج الحياة.
-المجتمع يميل عموما إلى مكافأة أولئك الناجحين, ومعاقبة الخاسرين.
-يجب على الخاسرين الرضى بقدرهم، والتسليم بدلا من التمرد أو محاولة التغيير.