فهرس الكتاب

الصفحة 396 من 3028

ولما كان هذا الطلب اللامحدود غالبا ما يصطدم بقدرة محدودة على الإشباع للوصول إلى النشوة، فإن الهروب من الواقع كان في رأي الكثيرين حلًا ممتازًا لإخماد هذه الثورة، فظهرت عقاقير الهلوسة والمخدرات والمسكرات على اختلاف أنواعها بدور المنقذ، واعتبرت مخلصا سريعا للقضاء على أي رغبة عقلية للإحساس بهذا الضياع، في الوقت الذي يسمح فيه للأعصاب المنهارة باستجداء خيط رفيع متبق كشعور أخير باللذة.

أما الفئة الأخرى، ولعلها الأكثر عقلانية، فقد اختارت الانتظام في زيارة عيادات الطب النفسي، والتي تشكل بمجموعها نحو نصف عدد العيادات الطبية في الولايات المتحدة بين كافة التخصصات، أو الانخراط في جماعات دينية غريبة ومصطنعة ، أملا في إنقاذ ما يمكن إنقاذه في المجتمع، أو على الأقل الهروب من الواقع الذي لم يعد يقيم أهمية تذكر للإنسان وقيمه الروحية. فظهرت حركات مثيرة تدعو للعودة إلى التدين وإحياء"الأخلاقية المسيحية"من جديد، بعد أن تم نبذ الدين في كثير من مظاهر الحياة مع بداية حركات العلمانية والإلحاد في عصر النهضة، وخرج مئات الشبان والشابات منذ عقد الستينات إلى الشوارع وهم يرتدون المسوح ويقرعون الطبول, في طقوس عجيبة لتلك المذاهب المبتكرة، والتي تحمل أسماء لا تقل عنها غرابة مثل"هاري كريشنا"،"جون بيرش"،"كوكلوكس كلان"،"معبد الشعب"و"بعثة الضوء الإلهي".

ولكن ما هو تأثير هذا التفتت الاجتماعي والأخلاقي على الفكر والثقافة في عالم الغرب اليوم؟ وما هو دور العولمة، ممثلة في الشركات متعددة الجنسيات ووسائل الإعلام العالمية، في نشر هذا الانحطاط المذهل في تلك المجتمعات، والذي بات يسيطر على أوساطها الثقافية، تحديدًا، وبشكل أكثر وضوحا؟ ثم أين تقع ثقافتنا العربية والإسلامية من هذا التوسع الثقافي الذي بات يهدد كافة الثقافات العالمية، ويشكل عنصر قلق حتى لأولئك القائمين على رموز الثقافة الغربية (الأوربية) نفسها؟

ما هي الثقافة؟

لعل تعريف الثقافة اليوم هو من أكثر الأمور تعقيدا، فكثيرا ما نجد الكتاب الذين يتعرضون لهذه المهمة ، وهم يقومون بجمع عشرات التعاريف المنشورة لهذا المصطلح، كما فعل عالما الانثروبولوجيا الأمريكيان"كلوكهون"و"كروبير"عندما قدما أكثر من 150 تعريفا للثقافة، ليعترفا بعدها بأنهما لم يجدا في أي منها تعريفًا شاملًا وخاليًا من النقص.

ولذا فقد انتقينا أحد التعاريف الشائعة، لاعتقادنا بأنه يشتمل على كافة المجالات التي يرتكز عليها بحثنا في هذه المقالة، وهو تعريف للدكتور محمد علي حوات، يصف فيه الثقافة بأنها منظومة متكاملة، تضم النتاج التراكمي لمجمل موجات الإبداع والابتكار التي تتناقلها أجيال الشعب الواحد، وتشمل بذلك كل مجالات الإبداع في الفنون والآداب والعقائد والاقتصاد والعلاقات الإنسانية، وترسم الهوية المادية والروحية للأمة لتحديد خصائصها وقيمها وصورتها الحضارية، وتطلعاتها المستقبلية ومكانتها بين بقية الأمم. [1]

وبهذا فإن الثقافة إرث تاريخي يحمل الطابع المميز لكل أمة، فهي غير قابلة للعولمة، إذ أن محاولة عولمة أي ثقافة تعني في الحقيقة السعي إلى بسط هيمنتها على الثقافات الأخرى، إما بطمسها أو تحييدها في عدد من المجالات، وهذا ما سيتضح لنا خلال متابعتنا للسطور القادمة.

العولمة وثقافة الشركات متعدية الجنسيات *:

لقد أصبحت الشركات متعدية الجنسيات اليوم جوهر النظام الرأسمالي الحديث، فهي اللاعب الرئيسي في صنع القرارات المتعلقة بنوعية الإنتاج وحجمه وكيفيته، وطرق توزيعه وقنوات نقله، وكل ما يتعلق بالإنتاج والتوزيع من حيث الزمان والمكان و التحركات والترابطات الأمامية والخلفية، بل إن هذه الشركات باتت هي المسؤولة عن تحديد حاجات المستهلك نفسه، فلم تعد في حاجة لتقصيها ثم العمل على إشباعها، خاصة وأن المستوى الحضاري الذي وصل إليه هذا المستهلك يضمن له إشباعا كليا أو شبه كلي لكافة حاجاته الأساسية والكمالية، وعليه فإن هذه الشركات باتت معنية اليوم بإقناعه بحاجته إلى منتجات جديدة قد لا يكون محتاجًا لها على الإطلاق، عبر وسائل الدعاية الرخيصة ، ثم تقديمها له بصورة استهلاكية غير نهائية، بمعنى أنها لا تصمم لإشباع الحاجات المطلوبة بشكل كامل، بل يتم ترك هامش واسع لخطط التطوير المستقبلية، والتي تكون في الكثير من الأحيان قد أعدت قبل سنوات عدة، وذلك لإحداث حاجات جديدة فيما بعد، تتم إثارتها، ثم الدعوة إليها من جديد، بوسائل إبهار جديدة، ومظاهر جذب وتسويق أكثر جدة.

إن هذا"النظام المتعدي للجنسيات"يستند في طبيعة وجوده وامتداد علاقاته على شبكة أخرى شديدة التعقيد، تبدأ من المؤسسات الدولية ذات الطابع الاقتصادي مثل منظمة التجارة العالمية، البنك وصندوق النقد الدوليين, ومنظمة التنمية والتعاون الدولية، مرورًا بمنظمات ثقافية دولية أخرى مثل اليونسكو، ووصولًا إلى المنظمات والأحلاف السياسية والعسكرية مثل حلف الأطلسي والاتحاد الأوربي.

كما تلعب الجامعات ومراكز البحث والتدريب أيضا دورًا لا يقل أهمية، بينما ترتبط كل من وكالات الأنباء الدولية وشركات الإعلان وشبكات التلفزة الأرضية والفضائية ومواقع شبكة الانترنت غالبًا مع الشركات متعدية الجنسيات بصلات أكثر وضوحًا، إذ تحمل على عاتقها مهمة نشر السلوكيات والأفكار التي تضمن صهر أكبر عدد ممكن من ثقافات العالم في بوتقة الثقافة المعولمة، ذات الطابع الاستهلاكي الغربي الموحد. [2]

والخطر الأكبر في هذه السياسة لا يقتصر على نشر الثقافة الاستهلاكية التي تسعى لبسط نفوذ الشركات متعدية الجنسيات فحسب، بل تتم أيضا محاولة عولمة السلوك المهني والوظيفي في العالم كله، وحتى توحيد المفاهيم العلمية، والسياسية، وكل ما يتعلق بالنشاط الإنساني، ثم اعتماد هذه المفاهيم الغربية المعولمة باعتبارها الحل العالمي الأفضل، والوحيد لكافة مشاكل البشرية.

فعلى سبيل المثال ، يرى فيرجوسون (1992) أن مفهوم العولمة لا يخرج كثيرا عن تعبير أديولوجية الرأسمالية ، و كذلك كل من بورديو وَ واكانت (1999) في اعتبارهما أن للعولمة مهمة تتمثل في إغراق أعراض الإمبريالية ضمن دعاوى العالمية الثقافية و الحتمية الاقتصادية [3] ، مما يوحي لشعوب العالم الثالث ـ على وجه الخصوص ـ بأن هذا التوسع الطاغي لأدوات العولمة يبدو وكأنه ذو طبيعة حديدية غير قابلة للكسر أو الالتواء، الأمر الذي يصفه الاقتصادي الدكتور جلال أمين، بأنه أشبه بالتعاليم الدينية المقدسة التي كان رجال الدين الأوربيون يقدمونها لشعوبهم, في القرون الوسطى، ثم يطالبونهم بالطاعة وهم عميان!

ومع تصاعد وتيرة الليبرالية والدعوة إلى الحرية، لم يعد من السهل إيقاف هذا الضخ المسعور للقيم و الأفكار الغربية عبر قنواتها الإعلامية على جميع شعوب العالم، حتى بات من الصعب -إن لم يكن مستحيلا- الوقوف في وجه هذا التيار الهائل، وإلا تعرضت شعوب العالم الثالث لحملة أكثر وحشية للانتقاد والقذف بكل صفات الانغلاق والتخلف والرجعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت