أما وسائل إعلامنا العربية, والتي تتمثل أساسا بالقنوات الفضائية لغياب أو ضعف الوسائل الأخرى، فلم تبرح بعد مكانها الذي وجدت فيه، بل لا تزال في حيرة من أمرها حيال توفير المواد الإعلامية الكافية لشغل مدة البث التي تملأ ساعات اليوم والليلة كاملة، وهي غالبا ما تتم تعبئتها بهز الأرداف والأكتاف، أو بإغراق المشاهد بالإعلانات، أو بالبرامج والأفلام المستوردة أو المقلدة، والتي فرغنا للتو من محاولة إيضاح العلاقة بينها وبين أرباب الغزو الثقافي، فضلا عن برامج التسلية والمسابقات واستهلاك الوقت، والتي لا هم لها سوى استدراج المشاهد للمزيد من الاستهلاك عبر الإعلانات التجارية أو تسطيح مستواه الأخلاقي والفكري، لتكون بذلك شريكة في هذا الغزو بشكل أو بآخر، وربما دون أن تسيء النية.
إن الشباب العربي اليوم ـ بصرف النظر عن المستوى الثقافي الذي وصل إليه- ونتيجة لتدهور الأوضاع الاقتصادية والتنموية في الكثير من الدول العربية، أو على الأقل لعدم إحرازها للتقدم المطلوب لمواكبة تحديات العصر، وتفاقم البطالة، بات يعاني من مشاعر الإحباط واليأس من الحملات الأجنبية-والتي غالبا ما تجد لها أصداء داخلية- والتي تتزامن مع الجمود الاجتماعي، والتراجع في الحضور السياسي والثقافي على الساحة الدولية، الأمر الذي أدى بطبيعة الحال إلى ضياع الهوية الثقافية لهذه الفئات الشابة، وتصاعد مشاعر السخط على عموم الأوضاع المعيشية و الاجتماعية السائدة. ومما يزيد الأمر سوءًا ارتفاع وتيرة التوتر بين الداعين إلى ضرورة الإصلاح والتطوير من جهة وبين المناهضين لهذه الحركة بدعوى الحفاظ على الأصالة وقدسية التراث.
ولا شك في أن هذه العوامل مجتمعة قد تشكل لدى الكثير من الشباب دافعا قويا للنفور من كل ما يربطهم بتراثهم وعقيدتهم ووطنيتهم، على اعتبار أن هذه المفاهيم"التقليدية"تناقض توجههم التجديدي، وتدفعهم لتحميل مجتمعاتهم وظروف معيشتهم المسؤولية كاملة تجاه مشكلاتهم، ويدعمهم في ذلك كما هو واضح، التوجه العالمي المحموم لتعميم أنماط معيشية مخالفة تماما لما اعتادوا عليه.
وعلى الرغم من ذلك، تشكل الأسباب السالفة نفسها دوافع لاتخاذ مواقف مضادة تماما لتلك التي ذهب إليها سابقوهم، إذ يصبح ذلك الغزو الخارجي على رموز ثقافتهم ـ الغالية على قلوبهم- سببا مباشرا للتمسك بها، بل ويقوي إيمانهم بأن الخلاص من مشاكلهم المستعصية لا يتم إلا بالثورة على واقعهم المؤسف، لتغييره نحو الأفضل. ومما يزيد الأمر سوءًا أن يسود لدى هؤلاء الشباب اعتقاد بأن جميع من حولهم متورط بشكل أو بآخر في عملية"المؤامرة"وأن الإصلاح والتغيير لا يتم إلا بشكل راديكالي وعنيف، إذ يعني الانتظار لديهم المزيد من الاستسلام والتخاذل.
ووفقا لهذه الآلية يبرز لدينا اتجاهان متناقضان، أحدهما موغل في انسياقه نحو الغرب، والآخر غارق في التطرف، وهنا تأتي وسائل الإعلام لتلتقط أصوات كل من الاتجاهين ـ كل حسب تعاطفه مع الآخر- وتحاول إخراجه إلى السطح مع كل وسائل الإبهار والجذب الجماهيري الضرورية, في الوقت الذي يخسر فيه المعتدلون (الوسط) المزيد من نقاط قوتهم - على الرغم من كونهم الأغلبية الساحقة- إذ لا يستبعد مع مرور الوقت أن يتسرب الكثير منهم إلى هذا الاتجاه أو ذاك، حسب تصاعد صوته وخفوت الآخر، فيما لا يزال الغزو الخارجي، وعلى الرغم من كل ذلك، مستمرا.
أمام هذا الاستقصاء لواقعنا العربي والإسلامي، فإن محاولة إيجاد حل سليم وناجح لا يتم إلا بوضع اليد أولا على مشكلاتنا الداخلية، ثم محاولة إبراز التوجه المعتدل كحل وسط لكافة المشاكل الداخلية و الخارجية على السواء.
وهذا لا يتم بالطبع اعتمادا على جهود الحكومات أو المنظمات فقط، وإنما بالإيمان الشعبي الواسع والقناعة التامة بأهمية الاعتدال والوسطية كمنهج علمي وعملي سليم لإخراج المجتمع من أزمته الخانقة، كخطوة أولى على طريق المواجهة.
حينها تعود مسألة التصدي لهذا الغزو أمرا طبيعيا تفرضه الظروف المعيشة، إذ أن الفرد الذي يجد في هويته الثقافية والدينية والاجتماعية، ما يعزز أصالته ويحفظ له كرامته ـ على الصعيدين الفردي والاجتماعي- سيكون مؤهلا بالتأكيد لمواجهة هذا الغزو، معتمدا على ذاته ومدافعا عن قناعاته، دون أن ينتظر من الآخرين الاقتناع بصحة موقفه والوقوف إلى جانبه، ودون أن يسارع أيضا إلى دفعهم للتعاطف معه بأي وسيلة كانت.
وأخيرا فإن العولمة واقع لا يجدي معه أسلوب الرفض، بل هي تيار بدأ بالاقتصاد وامتد إلى السياسة و الثقافة، وأصبح حقيقة نعيشها كل يوم، فلا يسعنا والحال هذه أن نعتقد بأن تضييق الخناق على قنوات الوصل بين ثقافتنا وأي ثقافة أخرى وافدة سيكون حلا ناجعا، فلم يعد هناك مجال بعد اليوم للانعزال والتقوقع، كما لا يصح في المقابل إطلاق العنان لكل ما هو وارد بعُجره وبُجره بدعوى الانفتاح والتحرر. فالشباب العربي اليوم يتوقع منا تقديم البديل الملائم لكافة رموز الثقافة الأجنبية التي يحرم منها، ولا نعتقد أن عقول الشباب عاجزة عن إبداع هذا البديل في حال توفر البيئة الملائمة، وذلك ضمن حدود الشريعة الإسلامية، وأعراف المجتمع الشرقي وأخلاقياته.
وفي ختام هذا الطرح، فإنه يجدر بنا أن نجعل الكلمة الأخيرة للسيد عمرو موسى، الأمين العام للجامعة العربية في قوله:"المثقفون اليوم هم جنرالات المعركة المقبلة وقادتها ومحددو نتائجها، لقد بات عليهم من الآن فصاعدًا القيام بدور محوري في معركة الدفاع عن الأمة وحضارتها" [32] .
أما السؤال عن دور مثقفينا فيبقى معلقا، وحبذا لو كان الجواب عمليا هذه المرة.
[1] محمد علي حوات، العرب والعولمة.. شجون الحاضر وغموض المستقبل، مكتبة مدبولي، القاهرة،2002، ص174
* تتباين تسمية هذا النوع من الشركات بين كاتب وآخر، بين"متعددة الجنسيات"و"متعدية الجنسيات"إلى جانب عدد من التسميات الأخرى ، وسنعمل على ذكر التسمية التي توافق الاختيار الذي ذهب إليه كل كاتب نقتبس منه على حده.
[2] إبراهيم سعد الدين عبد الله، النظام الدولي الجديد وآليات التبعية: آليات التبعية في إطار الرأسمالية المتعدية للجنسيات، ضمن ندوة التنمية المستقلة في الوطن العربي بتاريخ 26-29/إبريل 1986 عمان، الأردن ، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت, ص20 - 21
[3] جنز بارتلسون، ثلاثة مفاهيم للعولمة، ترجمة سعيد زهران، مجلة الثقافة العالمية، العدد 106، مايو 2001، ص32
[4] د. السيد هاشم ميرلوحي، أمريكا بلا قناع، ترجمة علاء الرضائي، مركز الغدير للدراسات الإسلامية، بيروت، ط1، 2003، ص128
[5] إياد شاكر البكري، عام 2000: حرب المحطات الفضائية، دار الشروق، عمان، ط1، 1999، ص259
[6] غلام علي حداد عادل ، ثقافة العري أو عري الثقافة ، ترجمة عبد الرحمن العلوي، دار الهادي، بيروت، ط1، 2001، ص40- 41
[7] و. رسل نيومان، مستقبل الجمهور المتلقي، ترجمة محمد جمول، وزارة الثقافة، دمشق، 1996، ص133
[8] المرجع السابق، ص134- 135 ، ويذكر أن هذه الطريقة لا تختلف كثيرًا عن عمليات غسل الدماغ التي كانت تتم في المعتقلات السوفييتية الرهيبةـ بهدف قلب قناعات المعارضين وتحويلهم إلى قطعان من"المواطنين الشرفاء".
[9] أديب خضور، سوسيولوجيا الترفيه في التلفزيون، مجلة عالم الفكر، المجلد 28، العدد 2، أكتوبر- ديسمبر 1999، ص273
[10] المرجع السابق، ص294
[11] المرجع نفسه، ص273