فهرس الكتاب

الصفحة 378 من 3028

هذا الوعي المنشود يجعل المسلم يفهم معنى الإيمان و حقائق الإسلام فيرتبط العمل بمرضاة الله و يقيم المسلم سلوكه على هدى شريعة الله ، و يهذب المسلم عواطفه حتى لا يندفع في حب الفتنة و مظاهر الفساد ، فالوعي ميزة مهمة للأمة تنمو بنمو الإيمان و عمقه في نفس المسلم ، و تزداد بتزايد يقظة الوجدان الذي يراقب الله سبحانه ، و يظل ينظر إلى يوم الدين و يحسب حساب الآخرة ،و تتوسع مع توسع العلم و المعرفة و التجربة

ولتدارك هذا الخلل لابد من رصد الأسباب التي أدت إليه

أسباب الخلل الاعتقادي في المجتمع الإسلامي

(1) الغزو الثقافي و تيارات التبشير والتغريب

فمنذ فشل الحملات الصليبية تغيرت استراتيجية الصراع بين الغرب الكافر والشرق الإسلامي ، وتحول إلى الميدان الثقافي والفكري .

وقد ظهرت وثيقة خطيرة للويس التاسع ملك فرنسا وقائد الحملة الصليبية الثامنة التي منيت بالفشل أشار فيها إلى أنَّه لا سبيل إلى النصر على المسلمين عن طريق القوة الحربية ؛ لأنَّ تدينهم بالإسلام يدفعهم إلى المقاومة والجهاد صونًا لدينهم وأعراضهم ، وأنَّ السبيل الناجع هو: تطوير التفكير الإسلامي وترويض المسلمين عن طريق الفكر بدراسة ثقافتهم على يد العلماء الأوربيين ليأخذوا منها السلاح الذي نغزو به المسلمين مستقبلًا .

وتبنى هذا الاتجاه جماعة من المستشرقين والمبشرين ، وعمد هؤلاء إلى تشكيك المسلمين في دينهم ، وإبعادهم عن مبادئه ، وتفتيت وحدتهم ، وتهيئة أذهانهم لقبول الفكر الغربي تمهيدًا للغزو العسكري .

وتحرك هؤلاء يدفعهم حقد دفين تجاه الإسلام والمسلمين حتى قال قائلهم (وليم جيفورد ) :"متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب ، يمكننا حينئذٍ أنْ نرى العربي يتدرج في سبيل حضارتنا التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه".

وانتشرت البعثات التبشيرية في أرجاء العالم الإسلامي ورصدت لها المليارات من الدولارات ، وافتتحت المدارس التبشيرية في كل مكان ، وشجعت البعثات العلمية من أبناء الدول الإسلامية إلى الدول النصرانية الغربية .

وقد ذكر الأستاذ محمد الصواف في كتابه"المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام"أنَّ"تحت سلطة التبشير والمبشرين أكثر من 500 جامعة ومعهد وكلية ، وأنَّ عدد الذين يشرف عليهم المبشرون في توجيههم وتعليمهم من أبناء المسلمين أكثر من 5 مليون و حوالي 200 ألف"وهذه الإحصائية في السبعينيات من القرن الماضي فلعلها الآن أضعاف مضاعفة

وعقدت المؤتمرات التبشيرية ووضعت المخططات كما نطق بها القسيس"زويمر"الذي قال: يجب إقناع المسلمين بأنَّ النصارى ليسوا أعداءً لهم ، وينبغي أنْ يتبنى التبشير رجال من المسلمين لأنَّ الشجرة لابد أن يقطعها أحد أعضائها ، ولا يجب أن يتسرب اليأس إلى المبشرين إذا كانت النتائج ضعيفة في البداية""

بل ودخلت النساء الأوربيات مجال التبشير لتنصير النساء المسلمات .

وإذا كان التبشير لم ينجح في تنصير المسلمين فإنَّه ـ بلا ريب ـ ساعد على تخلي المسلمين عن عقائدهم ومبادئ دينهم ، وخلق أجيال مستهترة بالقيم الدينية ، وهذا هو الهدف الأساسي الذي سعى له الغرب ، يقول القس زويمر في مؤتمر للمبشرين:

"مهمة التبشير التي ندبتكم دول النصرانية للقيام بها في البلاد المحمدية ، ليس هو إدخال المسلمين ي النصرانية ، فإنَّ في هذا هداية لهم وتكريمًا ، وإنما مهمتكم أنْ تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقًا لا صلة له بالله" [7] .

وعلى نفس المنوال سارت حركة الاستشراق ، فعملت على تشويه صورة الإسلام وحجب محاسنه عن الشعوب النصرانية للحيلولة بينهم وبين الدخول فيه ، وعمدوا إلى تفتيت الوحدة الإسلامية ، وتحطيم المقاومة ـ كما هو الحال اليوم ـ وقاموا بتثبيط همة المسلمين ، وصرف أنظارهم إلى متع الحياة ليشتغلوا بها عن الجهاد في سبيل الله ودفع الغزاة ، وقاموا بدراسة الشخصية الإسلامية بقراءة متعمقة في تراث المسلمين ، وعملوا على إضعاف روح الإخاء الإسلامي بين المسلمين في مختلف الأقطار .

ومن بعدها تفشت تيارات التغريب في البلاد الإسلامية ، ودعوا إلى أن يسير المسلمون سيرة الغربيين ويسلكوا مسلكهم في حياتهم بالفكر الغربي بكل نظمه وتقاليده وعاداته وتصوراته ، وعمد ت تلك التيارات إلى زعزعة الثقة بين الشباب المسلم في دينهم ، والزعم بأنَّ تخلف المسلمين من جراء اعتقاداتهم البالية ، فركزوا جهودهم في تفريغ العقل والقلب المسلم من القيم الإسلامية المستمدة من التوحيد والإيمان بالله ، ودفع هذه القلوب عارية أمام عاصفة هوجاء تحمل معها السموم عن طريق التعليم والصحافة والكتابة والسينما والمسرح وبيوت الأزياء ، وللأسف نجحوا في ذلك إلى حد بعيد ، ومن ثمَّ خرج هذا الجيل المنهزم نفسيًا والذي حمل معول الهدم في صرح المجتمع الإسلامي ، وسار بالأمة تحت شعارات فارغة كالتقدم والمدنية والحضارة ، ولا هي تقدمت ولا هي تمدنت وإنَّما صارت بلا هوية ، فلا دين ولا ثقافة ولا علم ، وإنَّما تبعية للغرب الكافر .

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر أو ذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه قالوا: اليهود و النصارى ؟ قال: فمن ؟"

من أسباب الخلل الاعتقادي أيضًا

(2) انتشار العقائد الفاسدة على يد المبتدعة

فمن ذلك: انتشار"عقيدة الجبر"رغم بعدها عن عقيدة الإسلام الصافية ، وكان انتشار هذه الفكرة بين المسلمين في عصور الانحطاط والبعد عن صفاء الاعتقاد الذي كان عهد السلف الصالح ، وأدى ذلك لإشاعة روح التواكل والكسل ، والقعود عن العمل ، وأنت لا زلت تسمع من عامة النَّاس أننا مسيرون لا مخيرون .

ومن ذلك: انحراف التصوف ونشره للبدع ، لاسيما في عصر التصوف الفلسفي ورواج مذاهب"وحدة الوجود"و"الحلول والاتحاد"و"فكرة الظاهر والباطن"و"إسقاط التكاليف الشرعية"وهي الأفكار التي لا زال كثير من المسلمين يؤمن بها ، فأنت تراهم يصورون الحلاج المقتول ردة على أنَّه شهيد الاستبداد ، ولا زالوا يعظمون من قدر شخص كابن عربي القائل بوحدة الوجود ، ويرى الساسة إلى يومنا هذا أنَّ الصوفية أفضل التيارات والاتجاهات الإسلامية لأنَّها تدعو إلى التعامل مع الأحداث بسلبية ، وتدعو للتواكل ، وعلى كلٍ فقد نبتت البدع والخرافات ، وظهرت الطرق الصوفية التي انحدرت إلى هوة سحبقة ، وةلا تزال البلاد الإسلامية تشهد أنواعًا من الشرك العلني بتعظيم قبور الصالحين ، والتوسل إليهم ، وشد الرحال إلى قبورهم .

(3) انتشار الجدل الكلامي

فمع ظهور الفرق المحدثة كالخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية ونحوهم ، دار جدل كبير حول مسائل الاعتقاد ، نعم اندرست أغلب هذه الفرق بمسمياتها القديمة ، لكن من ورائها قضايا ومشكلات عقدية مزعومة ، كالبحث في صفات الله تعالى هل هي عين الذات أو غير ذلك ؟ وتوارث الأجيال هذه المسائل ، وصارت تدرس إلى يومنا هذا في كثير من جامعات ومعاهد المسلمين ، و: أنَّ خروج هذه البدع شغل المسلمين بمشاكل عقدية مزعومة ، وصار هناك من يرى أنَّ عقيدة السلف أسلم وعقيدة الخلف أعلم ، وليتهم رضوا بالسلامة ، وردوا الأمر إلى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، إذن لذهبت كثير من تلك الجدليات هباءً منثورًا ، ولصفا للنَّاس اعتقادهم ، فهذا أصحاب المذاهب العقلية يقولون بعد طول بحث في مسائل علم الكلام: ولم نستفد من علمنا طول عمرنا إلا قيل وقالوا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت