وقال صلى الله عليه وسلم:"الشهداء الذين يقاتلون في سبيل الله في الصف الأول و لا يلتفتون بوجوههم حتى يقتلوا فأولئك يلقون في الغرف العلا من الجنة يضحك إليهم ربك إن الله تعالى إذا ضحك إلى عبده المؤمن فلا حساب عليه" [5]
فأعلى الناس منزلة عند الله أكثرهم استقامة على أهدافهم ، الذين لا يلتفتون بوجوههم لأي عارض ، وعلى هذا فكن فإنَّ هذا السبيل سيقطع علينا من البداية الخوض في مشاكل كثيرة ، فبهذه العزيمة والهمة العالية والاعتزاز بالانتماء لهذا الدين ستتخلص من عقبات كثيرة ، كل منها قد يودي بك ويقطع عنك السبيل إلى ربك لو تمهلت ونظرت فالتفتت فحذار حذار .
إخوتاه ..
من علامات الحياة وفق الهدف: الاستعداد الجاد والمراقبة المستمرة
فهدف المسلم يحتاج إلى ذكاء ، يحتاج إلى مراقبة كل ما يصدر عنه من حركات وأعمال ، ولابد له من إعداد العدة ، فللسبيل شروط للسير وقواعد للمرور لابد من الانضباط بها .
انظر ـ على سبيل المثال ـ من يريد أن يقوم الليل لابد أنْ يتواصى بعدة أمور:
يقول ابن الجوزي:"لقيام الليل شروط ظاهرة ، وشروط باطنة ."
أما الشروط الظاهرة:
1-التقليل من الأكل والشرب ما أمكن .
( فالذي هدفه قيام الليل لا يملأ معدته بكثير من الأكل والشرب ، ويقول أريد أن أقوم الليل ، لا يمكن أن تستطيع ذلك ، بل ربما لا تقوم للفجر ، فلابد إذًا أن تعيش حياتك لهدفك ولما تريد ) .
2ـ ألا يرهق جسده بالنهار . 3ـ أن يستعين بالقيلولة ..
ثم يقول ابن الجوزي: وله شروط باطنة وهي:
أولها: سلامة الصدر للمسلمين . ( فمثلًا: قد تغتاب إنسانًا فتحرم قيام الليل شهرًا )
ثانيًا: أن يكون عنده حب مقلق أو شوق مزعج ( فعندما تحب ربك ، فإنك ستقوم له ، أو شوق مزعج ، فتشتاق للقاء الله ، فيزعجك الشوق فتقوم)
إخوتاه ..
كذلك المسلم الذي يريد أن ينصر دينه ، صاحب هدف غالٍ ، إنَّ هذا الهدف النبيل يحتاج منك أن تراقب نشاطاتك ، فأي كلام ، أو أي حركات ، أو أي سكنات تنافي الإسلام ؛ فيجب أن تتخلص منها ، وإلا فإن الإنسان إن لم يراقب حركاته وسكناته ؛ فإنَّه من الممكن أن يجد نفسه في هذه الدنيا داخل شباك ، يبدو في الظاهر أنه يعيش ، إلا أنه ـ في الحقيقة ـ قد انتحر ، وقتل هدفه .
إن الحياة الجميلة الطيبة هي أن تحيا لهدفك ، أن تعيش لله رب العالمين ، قال الله تعالى:"قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين"نريدك أن تعيش لله ، نريدك رجلًا بحق
قال عمر يومًا لأصحابه تمنوا ، فقال أحدهم: أتمنى ملء هذا البيت ذهبًا أنفقه في سبيل الله ، وقال الآخر: أتمنى ملء هذا البيت عبيدًا أحررهم لله ، وقال عمر: أما أنا فأتمنى ملء هذا البيت رجالًا مثل أبي عبيدة أستعملهم في طاعة الله .
ولما قدم عمر الشام فتلقاه أمراء الأجناد فقال أين أخي أبو عبيدة فقالوا يأتي الآن فجاء على ناقة مخطومة بحبل فسلم عليه وساءله حتى أتى منزله فلم نر فيه شيئا إلا سيفه وترسه ورحله فقال له عمر لو اتخذت متاعا قال يا أمير المؤمنين إن هذا يبلغنا المقيل . أي يبلغنا الجنة .
هذا هو هدفك .. أن تصل للجنَّة ، وبعد ذلك انتهى كل شيء ، وليكن شعارك: ( ما لي وللدنيا ، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل بظل شجرة ثم راح وتركها ) ، نعم أن يعيش حياته طبقًا لهدفه .
(3) : وجود روح الهدف:
إخوتاه ..
ما أحوجنا لوجود روح الهدف في العمل . إن لكل قول حقيقة ، فهناك فرق كبير بين العمل الذي يخرج حقيقة من خلال عاطفة الدعوة لدين الله ، وبين العمل الذي يتم بصورة تقليدية ، أو مجرد أداء الواجب ، نعم إننا في هذا العصر قد رضينا بعبادات قد تحولت إلى عادات ، صرنا نؤدي الصلاة بطريقة روتينية ، نحتاج إلى وجود روح ، نحتاج إلى حماسة القلب ، فإنَّ الله يريد منا شعورنا الحي ، وإرادتنا الواعية .
في صحيح مسلم قال صلى الله عليه وسلم:"ــ إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم و أموالكم و لكن إنما ينظر إلى قلوبكم و أعمالكم"
وفي الحديث إشارة واضحة إلى أنَّ القلب محل نظر الرب ، فيا عجبًا ممن يهتم بوجهه الذي هو نظر الخَلْق فيغسله وينظفه من القذر والدنس ويزينه بما أمكن لئلا يطَّلع فيه مخلوق على عيب ، ولا يهتم بقلبه الذي هو محل نظر الخالق فيطهره ويزينه لئلا يطلع ربه على دنس أو غيره فيه .
وقال صلى الله عليه وسلم"و اعلموا أنَّ الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه …." [6]
فلا يعبأ بسؤال سائل غافل عن الحضور مع مولاه مشغوف بما أهمه من دنياه ، فالله يريد منك قلبك وروحك ؛ أن يكون في العمل روح .
إخوتاه .. ليست الضجة الشكلية للعمل هي المطلوبة ، قال الله ـ تعالىـ:"لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن ينالها التقوى منكم"
ينبغي أثناء العمل أن تتحرك مشاعرنا بقدر ما تعتلج هذه الأعمال في مكنونات نفوسنا ، الغذاء الحسي الذي تناله قلوبنا وأرواحنا هو هدفنا الأساسي ، حين ينبض الهدف بالحياة ؛ يصبح العمل حيًا ، وحين يموت الهدف يصبح العمل إجراءًا لا روح فيه .
إخوتاه ..
إن مجرد فهم الإنسان للهدف واطمئنانه بصحته عقلًا إنما هو خطوة البداية بسلوك هذا الطريق ، وهي وحدها لا تسمن ولا تغني من جوع ، إلا أن يكون في قلبك نارٌ متقدة لنصرة الدين ، تكون على الأقل في ضرامها مثل تلك النار التي توجد في قلب أحدكم حين يجد ابنًا له مريضًا ، فلا يدعه حتى يسرع به إلى الطبيب ، الأمة مريضة ، إنني أريد أن توقد في قلوبكم نار ، نار الإسلام ، الغيرة على الإسلام وللإسلام ، هذه النار تأكل مشاغلكم عن الإسلام ، وكما قالوا: حب الله: نارٌ في القلب تأكل كل ما سوى المحبوب ، نعم نارٌ تأكل كل ما سوى الهدف .
ثانيًا: واقع المسلمين ورصد للظواهر السلبية
(1) الخلل في التكوين الاعتقادي السليم
من أخطر الظواهر السلبية في حياة المسلمين اليوم ، ظاهرة"الخلل الاعتقادي"فتجد عقائد فاسدة ، وإيمان متذبذب ، وعقيدة يتشدق بها كثيرون ولا أثر لها في الواقع ، وشركيات خطيرة يقع فيها السواد الأعظم من المسلمين ، فلا زلنا نعاني من"شرك القبور"ولا زلنا نسمع في شوارع المسلمين سبًا لله وللرسول وللدين ، ولا يزال شرع الله مهمشًا لا يتحاكم إليه في أغلب بلاد المسلمين ، وأغلب الناس يقع في عقيدة القضاء والقدر ، أمَّا الولاء والبراء فحدِّث ولا حرج ، فنوالي للمصلحة الشخصية والانتماء القومي وإنْ كان من أشد أعداء الدين ، ونعادي من لا يوافقنا في طريقتنا ، ومن يخالف مصالحنا وإنْ كان من أولياء الله الصالحين .
إنَّه غياب الوعي بحقيقة التوحيد ، فليس المهم أن تلمَّ بصورة التوحيد فحسب ، فإسلام الكلمة سرعان ما يزول أو يذوب عند أول فتنة ، بل أن تعي حقيقة التوحيد فينتج هذا الوعي إيمانًا قلبيًا راسخًا تصدقه الأعمال الصالحة الظاهرة ، والخلل في هذا الجانب هو السبب الحقيقي وراء هذه الظاهرة الخطيرة .
إخوتاه ..
المسلم المعاصر يواجه تحديًا عقديًا رهيبًا ، وتيارات عاصفة من الشبهات ، وليس ثمَّ سبيل سوى أن يعي المسلم حقائق الحياة بصورة صحيحة ، فتتفتح أمامه منافذ البصر و البصيرة و حوافز العمل و التحدي ليكون أقدر على الثبات في مجال الصراع و الإغراء 0