فهرس الكتاب

الصفحة 379 من 3028

من الأسباب التي أدت لهذا الخلل الاعتقادي في بنية المجتمع الإسلامي

(4) انحراف رجال الدين وانفصام العمل عن العلم

الأمر الذي أذاع روح الشك والريبة في صدور كثير من المسلمين ، وجعلهم يعيدون النظر في كل شيء ،حتى في معتقداتهم ، فقد ظهر بين علماء المسلمين من يقول ما لا يفعل ، ومن صار الدين عنده كجملة الصناعات التي يتكسب من ورائها ، فانحرفوا عن روح الإسلام ، وفصلوا بين العقيدة والعمل ، وانصرفوا إلى الجدل ، والمناقشة في الجزئيات والفروع ، وتملق الولاة والحكام ، وجعلوا الدين مطية للدنيا .

وقد أخبر الصادق المصدوق ـ كما في الصحيحين وغيرهما ـ عن ذلك فقال: ـ"إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد و لكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رءوسًا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا و أضلوا"

وهذا تحذير من ترئيس الجهلة ، وذم من يقدم عليها بلا علم ، فلا شيء أوجب على الأمة من رعاية أحوال المتصدين للرياسة بالعلم ، فمنْ الإخلال بها ينتشر الشر ، ويكثر الأشرار ، ويقع بين الناس التباغض والتنافر

(5) القهر واستبداد بعض الحكام

لا شك أنَّ الضرب بيد من حديد للاتجاهات الدينية كان من شأنه الحيلولة بين كثير ممن يودون الالتزام بشريعة الإسلام وبين دينهم ، فتربى الكثير على المداهنة والمداراة وإيثار السلامة والخوف من كل ما سوى الله تبارك وتعالى ، وركب آخرون الموجة فباع دينه موالاة للطغاة ، ومن شأن هذا أن يحدث خللا عميقًا في البناء الاعتقادي للمجتمع ، لأنَّ اليقين يتزعزع ، ويوالى أعداء الله تعالى ، ويتأول الدين لأهواء الأمراء .

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"الأئمة من قريش ، أبرارها أمراء أبرارها ، و فجارها أمراء فجارها ، و إن أمرت عليكم قريش عبدا حبشيا مجدعا فاسمعوا له و أطيعوا ما لم يخير أحدكم بين إسلامه و ضرب عنقه فإنْ خير بين إسلامه و ضرب عنقه فليقدم عنقه" [8]

فإذا صلح الناس وبروا وليهم الأخيار ، وإذا فسدوا وفجروا وليهم الأشرار ، فكما تكونوا يولى عليكم ، والدين هو لحمك ودمك وهدفك في الحياة ـ كما قدمنا ـ فلا يباع الدين بعرض من الدنيا زائل ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق بحال .

"أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه"فخاف الناس من قهر الطغاة ، ولم يستعينوا بربهم على أمرائهم ، فلما ذلوا لهم وخضغوا لهم وخافوا منهم أكثر من خوفهم بربهم ، وكلهم الله إلى أنفسهم ، وأعرض عنهم ، وأذاقهم العذاب الهون ، وخوفهم من كل شيء ، لمَّا فسد اعتقادهم به جل وعلا ، والأيام خير دليل فاعتبروا يا أولي الأبصار .

الأمل المنشود في إعادة البناء الاعتقادي السليم

إخوتاه ..

هذا بعض من كل ، وغيض من فيض من جملة الأسباب التي تسببت في إحداث الخلل في البناء الاعتقادي السليم للأمة الإسلامية .

وبقي أنْ نقف أمام الأمل المنشود في إعادة صياغة هذا البناء كما كان راسخًا قويًا ، نحتاج أنْ يوجد فينا"رجل العقيدة"الشامخ بأنفه ، المعتز بانتمائه لهذا الدين ، الذي يعمل له آناء الليل وأطراف النهار ، وإيجاد هذا النموذج الفريد يحتاج منَّا أن نعود للنبع الصافي الذي كان ، نعود إلى العصر الذهبي للإسلام ، عصر النبوة والخلافة الراشدة ، ونربي أجيالنا القادمة كما ربى النبي أصحابه ، نزرع فيهم اليقين برب العالمين ، والعزة بهذا الدين ، وننصب أمام أعينهم نماذج الأسوة والقدوة من سلفنا الصالح ، نحصنهم بكتاب الله تعالى قراءة وحفظًا ومدارسة وتدبرًا ، نجعل معينهم الذي لا ينضب ورودهم عليه من مشكاة سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ، نعلمهم حب النبي و الصحابة ، نربط قلوبهم استعانة وتوكلًا على الله عز وجل .

انظر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يربي ابن عمه"عبد الله بن عباس"وهو بعد غلام صغير فيقول له في نصيحة غالية: ــ"يا غلام !! إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سألت فاسأل الله ، و إذا استعنت فاستعن بالله ، و اعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، و لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك بشيء إلا قد كتبه الله عليك جفت الأقلام ورفعت الصحف"

هذا الحديث فيه كل ما يمكن أن ندندن حوله ، إذ يتضمن وصايا عظيمة وقواعد كلية من أهمّ أمور الدين، حتى قال بعض العلماء: تدبرت هذا الحديث فأدهشني وكدت أطيش، فوا أسفا من الجهل بهذا الحديث وقلة التفهم لمعناه.

انظر إلى هذه التربية الإيمانية الخالصة:

"احفظ الله"

1)ربط القلوب بعلام الغيوب .

2)مراقبة الله تعالى في السر والعلن .

قال الله عزّ وجلّ:"واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه" [ البقرة - 235 ]

وقال جل وعلا:"إنَّ السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا"

و قال صلى الله عليه وسلم:"استحيوا من الله تعالى حق الحياء من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس و ما وعى و ليحفظ البطن و ما حوى و ليذكر الموت و البلا .." [9]

3)امتثال الأوامر واجتناب المناهي ، كمال الخضوع والذل والحب شرط ذلك . وهذه هو ( توحيد الألوهية )

"يحفظك"

4)الله ربك وخالقك ، وشأن الرب أن يرعى ربيبه ويحفظه ، فالله أحق بالتعظيم والمودة والإجلال والخضوع والذل من أبيك الذي يرعاك . ( توحيد الربوبية )

5)الطريق موحشة ، والزاد قليل ، والصعاب كثيرة ، فقل من ينجو ، وليس إلا حفظ الله للعبد في دينه وإيمانه فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة ومن الشهوات المحرّمة، ويحفظ عليه دينه عند موته فيتوفاه على الإيمان .

في الصحيحين عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أمره أن يقول عند منامه:"إن قبضت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين"

وفي حديث عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه أن يقول: اللهمّ احفظني بالإسلام قائمًا، واحفظني بالإسلام قاعدًا، واحفظني بالإسلام راقدًا، ولا تطمع في عدوًا ولا حاسدًا [10] .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يودع من أراد سفرًا فيقول:"استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك"

وقال صلى الله عليه وسلم:"إن الله إذا استودع شيئًا حفظه" [11]

فتتعلم الناشئة صدق اللجأ والإخبات وهذه من"أعمال القلوب"

"احفظ الله تجده تجاهك"

6)زرع محبة الله في القلوب ، فالله ذو الجلال والجمال والكمال ، لله الأسماء الحسنى والصفات العلى ، من تقرب منه شبرًا تقرب منه باعًا ، ومن أتاه يمشي أتاه هرولة ، فحري بك أن تحبه ، وإذا أحببته أطعته وإذا أطعته لم يخذلك ، فكن لله كما يريد يكن لك فوق ما تريد . ( توحيد الأسماء والصفات )

7)الإيمان بمعية الله الخاصة لأوليائه"إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون"

قال قتادة: من يتق الله يكن معه، ومن يكن الله معه فمعه الفئة التي لا تغلب ، والحارس الذي لا ينام ، والهادي الذي لا يضل.

ويقتضي ذلك أنْ يربى الغلام على الخوف من الجليل وحده ، ورجاء ما عنده منه وحده ، فإن كان الله معك فمن تخاف ؟ وإن كان عليك فمن ترجو ؟

ومن ثمرة ذلك أيضًا أن يربى الولد على الأنس بالله وحده .

روي عن نبهان الحمال أنه دخل البرية وحده على طريق تبوك، فاستوحش فهتف به هاتف: لم تستوحش أليس حبيبك معك ؟.

وقيل لبعضهم: ألا تستوحش وحدك ؟ فقال: كيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني.

وقيل لآخر: نراك وحدك ؟ فقال: من يكن الله معه كيف يكون وحده ؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت