فهرس الكتاب

الصفحة 372 من 3028

وكانت إصبع الاتهام تتجه بحدة وشدة إلى جيل الشباب الذي يمثل الصحوة في معظم بلدان العالم ، وتنامى دوره في قيادة دفة الصراع الحضاري بين الإسلام وخصومه ، ما هو موقفهم من هذه الإخفاقات ؟

وأحسب أن من محاسن الصحوة الإسلامية أنها نجحت في الآونة الأخيرة إلى حد بعيد في تقبل النقد الذاتي ، ومحاسبة النفس ، والبحث عن القصور والعيوب التي كانت سببا في توالي الإخفاقات ، ولم يعد أحد من المنتسبين إلى الصحوة يستنكف عن مراجعة النفس في ما يأتي وما يذر إذا تبين له وجه الحق فيما نصح فيه ، إلى من أغواه هواه ، وأرداه ضلاله وعجبه بنفسه .

وكان السؤال الملح الذي صار يطرح في كل مكان ، ويتداوله العلماء والدعاة أينما حلوا أو ارتحلوا: ما هو حال شباب الأمة ، وإلى أين يتجهون ، وما هو دورهم إزاء هذه الورطة والمحنة التي تعانيها الأمة ؟

( الشباب إلى أين ؟ )

يمكننا أن نعدد في عجالة الكثير من المخاطر التي تهدد جيل الشباب المسلم ، والتي هي كفيلة بزحزحته عن عقيدته ودينه أو إجباره على التنازل عن الكثير من أحكام شرعه الحنيف .

لكن أخطر ما يواجهه الشباب اليوم ذلك الزحف الفكري الوافد الذي يتغلف ببهرج الدنيا وشهواتها وملذاتها ، ولكنه يحمل بين طياته إطارا عقديا وفكريا مدروسا ، ويجذب المنساق إليه رويدا رويدا ( عن طريق تلك الشهوات والملذات ) ليصبح رهين تلك العقيدة وتلك الفكرة .

ذلكم هو التغريب بمعناه الواسع ، أي الغزو الثقافي والفكري الغربي الذي صار يزحف بجحافله على الأصقاع الإسلامية ، ليس بدباباته وأعتده وأسلحته بل بطريقة حياته كلها ، برؤيته إلى الكون والوجود والحياة ، وطريقة المعيشة ، والأفلام والفن والأدب والأخلاق والفلسفة والعلوم التكنولوجية وكل ما يخطر بالبال من ظاهر الحياة الدنيا ، إنه تغريب لكل مظاهر الحياة .

وكان من الطبيعي أن أول من ينساق إلى هذه الحملة الشرسة وينخدع بمظاهرها هم الشباب الغر الذي لم يتسلح بسلاح العقيدة ولم يتحصن بحصن الإيمان والاستقلالية ، فانساق وراء زخرف الحضارة الغربية منبهرا بأضوائها ، مشدوها بعجائبها ، مخلوبا بتقنيتها العالية .

لقد كان التغريب أخطر ما واجه الأمة الإسلامية على مر التاريخ ، ذلك أنه لم يستخدم العسكرية صورة للعداء ، ولا القنبلة والدبابة وسيلة للحرب ، ولم يحتل الأراضي أو يسيطر على البحار ، بل اتخذ الأساليب الناعمة والخادعة في احتلال قلب المسلم نفسه ، فضمن إغواء الأمة دون أن يريق قطرة دم ، بل وسخر من أبناء الأمة ممن يتكلمون بلسانها ومن جلدتها ليكونوا أحبولة من أحابيله ، فزاد الاغترار ، وأحكمت حيل المخاتلة ، وصار الكفر متسربلا بزينة الألفاظ ، ويدعو إليه من اسمه أحمد ومحمد ، وربما كان يلبس عمامة ويمسك مسبحة .

يقول الأستاذ أنور الجندي: لقد علمتنا التجارب أن المقلدين من كل أمة المنتحلين أطوار غيرها يكونون منافذ لتطرق الأعداء إليها وتكون أفئدتهم مهبط الدسائس نتيجة لتعظيم الذين قلدوهم ويكون هؤلاء المقلدون طلائع الجيوش الغالبة وأرباب الغارات يمهدون لهم السبيل ويفتحون الأبواب ويثبتون لهم الأقدام ويمكنون السلطان [1] .

ويقول شيخ الأزهر السابق محمد الخضر حسين رحمه الله: ودلت التجارب على أن زائغ العقيدة متى ملك جاها أو سلطة فتن الأمة في دينها وانتهك حرمات شريعتها ولم يخلص النظر في إصلاح أمرها ولاقى منه المؤمنون اضطهادا والجاحدون أصحاب الأهواء مناصرة وإقبالا ، فيكون داعيا عمليا إلى الخروج على الدين ، فتموت الفضيلة والغيرة على الحقوق العامة ويتقطع حبل اتحاد الأمة إربا [2] .

نعم .. لقد صار هذا حال شباب الأمة ، فمع الفتن الصريحة الجارفة عن الدين ، فهناك فتن الشبهات التي أوقعت شباب الأمة في أفكار منحرفة تتظاهر بتعاطفها مع الدين ولكنها في عداد أول أعدائه .

ولم يعد خافيا على أي عين مراقبة ما يجول في مجتمعاتنا المسلمة من انجراف حاد تجاه الفكر الغربي وطريقة الحياة الغربية ، ولو شئنا لقلنا الصليبية ، فالفكر الغربي في حقيقته ما زال متلبسا بموروثات دينية صليبية .

وليت الأمر اقتصر على أغرار الشباب ممن لا عداد بهم في دنيا الناس ، ولكن تعدى إلى النماذج الفذة التي تميزت بتخصصات مختلفة كالعلوم والأدب ، فسرى هذا التغريب إلى صميم الاتجاه الثقافي ، الذي غدا بوقا للصليبية الغربية ، يستخدم مصطلحاتها وينادي باتجاهاتها الفكرية دون حياء أو خفر [3] .

وكانت ثالثة الأثافي أن سرى في جسد الصحوة الإسلامية اتجاه ديني غربي سمى نفسه باتجاه الإسلام المستنير ، واستطاع أن يغزو كثيرا من صروح الدعوة ، وأن يخدع بعض الدعاة ويضمهم إلى صفوفه بغرض استغلال تلك الرموز في تشويه الأصالة التي تميزت بها الصحوة منذ نشأتها .

وصار هذا الاتجاه يتبنى كل دعوة تغريبية ويغلفها بغلاف المصطلحات الشرعية مموها دعوته بشعار المصلحة ، وتجديد الدين ، وتغير الفتوى بتغير الزمان ، ومراعاة الظروف ، وضرورة التفتح وعدم الانغلاق ونحو ذلك من العبارات التي يظهر منها لكل نابه أن المراد إنما هو جر الحبائل للوقوع في شرك التغريب الذي يريد أن يعيد صياغة إسلامنا ليكون إسلاما أليفا لا يقاوم الظلم ، ولا يثور على الباطل ، ولا يكره الكفر والشرك .

وصنف منذ هذا الاتجاه لا يخفى صلاحه وإخلاصه ، ولكنه مني بهزيمة نفسية قوية أمام التغريب ، فدعته تلك الهزيمة أن يتبرأ من كل ما يعتبره المجتمع الغربي همجيا في الإسلام ، وصارت حقائق الدين تصاغ من جديد لتوائم الفكر الإسلامي الذي يراد عرضه على الغرب ، وصرنا نسمع مثلا من يقول إن الجهاد في الإسلام رخصة وليس عزيمة ، أي أنه مشروع عند الضرورة وحالة الدفاع فقط ، مع أنه لا خلاف بين أهل العلم في أن جهاد الطلب فرض كفاية عند الاستطاعة على المسلمين في كل زمان .

وصرنا نسمع من يقول إن الطلاق في الإسلام محرم بالأصالة ، وأن الرجل لا يجوز أن يطلق زوجته إلا في حالة الضرورة القصوى ، فلم يفترق هذا المذهب عن الكثلكة التي حرمت الطلاق ثم أباحته للضرورة القصوى ، فأين إسلامنا يا قوم ؟!! [4] .

ولأجل هذا كله اعتبرت الموسوعة الميسرة [5] مبدأ التغريب: هجمة نصرانية صهيونية استعمارية في آن واحد التقت على هدف مشترك بينها وهو طبع العالم الإسلامي بالطابع الغربي تمهيدا لمحو الطابع المميز للشخصية الإسلامية .

ولا شك أن الضحية الأولى هم شباب الأمة الذين صاروا يتساقطون أفواجا أفواجا أمام هذا الزحف الفكري الصليبي ، فكان من نتائجه تلك ذوبان الشخصية الإسلامية ، وتشويه معالم الشرع في قلوب المسلمين ، ونشوء جيل مسلم خائر غير قادر على حمل رسالة الإسلام إلى الإنسانية ، وتوقف المد الإسلامي الذي كان منتظرا منه أن يكون منقذ البشرية من وهدتها وورطتها .

وقد اختلفت الرؤى حول كيفية صد هذا الخطر الداهم ، ومقاومة هذا الزحف العنيد ، فكان كل يدلي بما رآه قريبا من إحساسه الدعوي ، ويمحص ما يراه أنفع وأجدى في العلاج والحل .

لكن مع سبر كثير من كتابات ودعوات العلماء والدعاة والمصلحين في الآونة الأخيرة أستطيع أن أجزم مطمئنا أن الجمهرة الغالبة صارت تميل إلى أن ما تعانيه الصحوة الآن من بطء في السير وقصور في الأداء ، وفشل في بعض الميادين مرده إلى عدم الاهتمام بشريحة الشباب التي تمثل الطاقة الهادرة في أية حركة اجتماعية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت