وتجاور مع هذا المشروع التنصيري مشروع ثقافي آخر لاستقطاب العقليات المفكرة ، وذلك بمسخ تلك العقليات والانتحاء بها ثقافيا إلى قبلة غير قبلة المرجعيات المعصومة التي يحترمها المسلمون .
فكان الاستشراق الذي غزا جامعات العالم الإسلامي بأبحاثه وباحثيه ، وارتقى في سلم التوجيه الثقافي حتى غدا متحكما في صياغة الفكر الإسلامي عبر قارات العالم .
ومن خلال هذا الثالوث ( الاستعمار السياسي والتنصير والاستشراق ) أصبحت الأصقاع الإسلامية ترزح تحت الاحتلال الصليبي سياسية وعقيدة وفكرا .
وتمطى الكفر وتبختر ، وصار يحرك أحابيله في أرجاء الكرة الأرضية عبر سطوته التي صار يرتعد منها المسلمون ،وعبر الأصابع الخفية التي كان يحركها من وراء ستار شخصيات مسلمة ليوهم بها جمهور المسلمين أن الفاعل لتلك الأحابيل في الحقيقة هم قادة المسلمين فتخف وطأة المعارضة ، وتمضي الخطة في طريقها دون عنت أو مواجهة .
وعندما انتفض جسد الأمة ليزيح عن كاهله وطأة الاستعمار بما ورثه من خراب اقتصادي وذل اجتماعي وهوان سياسي استطاعت الدول الاستعمارية أن تمسك بزمام تلك الانتفاضة ، فما من ثورة قامت إلا واستطاعت أن تطويها تحت جناحها ، أو تسحقها سحقا ، فما لبثت الدول الإسلامية أن رجعت خاضعة وذلت طائعة للاستعمار في صورته الجديدة ، متغلفا بستار قانوني دولي كعصبة الأمم ثم هيئة الأمم ، ومجلس الأمن ، وسيطرة الدول الدائمة العضوية فيه .
لم تكن الصورة مختلفة بعد الاستعمار ، أي بعد حصول الدول الإسلامية على استقلالها عما كان عنه قبل الاستعمار ، بل إن الدول الإسلامية كانت في إبان الاستعمار ذات شخصية مستقلة ، بينما هي بعد الاستعمار تنماع في فكر الغير وعقيدته وسلوكه وطريقة حياته ، بل في أخلاقه ومثله .
كانت هذه الصورة سوداء قاتمة للغيورين على حال هذه الأمة ، بينما كانت صورة مشرقة بهية لأصحاب التبعية والتقليد ، فما لبث أصحاب المعسكر الأخير يستعلن بهويته الحقيقية ، وهي النفاق الأكبر ، بل الإلحاد المحض ، وصار الدين يحارب من قادة الدول كما لم يحارب من المستعمرين ، وطفق المنافقون ( الذين تسربلوا من قبل بسربال الديانة ) يحصدون البقية الباقية من معالم الشريعة ، حتى ظن كل الناس أن الإسلام يحتضر ، وصار من يمشي في عواصم الدول الإسلامية الكبرى لا يجد كبير فرق بينها وبين عواصم الغرب الكافر أو الشرق الملحد .
وتحت وطأة هذا الواقع الأليم ، وفي كثافة ضباب الانحلال الذي عم الأرجاء ، وعبر ظلمة ليل التيه البهيم ، يبزغ نور خافت ، ظنه الناس نجما بعيدا لا حَظَّ للأرض منه إلا التماعة بعد التماعة ، وإذا بهذا النور يتعاظم حتى اكتمل ، فإذا هي شمس الإسلام الساطعة ، عادت في واقع الكفر العنيد والفسق العتيد ، لتنذر كل الناس أن نور الله باق ، ( ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ) .
علت صيحة النذير في كل أرجاء العالم ، في جوف الكعبة ، وعند محراب الأزهر ، مرورا بمآذن كل الدول الإسلامية وانتهاء بأبراج كنائس أوروبا وأمريكا .
لقد كان نورا باهرا ، متى بدأ بالتحديد ؟ لا أحد يدري ، ولكنه عندما سطع أول مرة ، لم تقف أمامه قوة ، ولم تحل إية إرادة بينه وبين الانتشار .
لقد كانت صحوة للأمة الإسلامية من سكرها الذي عاشت فيه عقودا متطاولة ، ويقظة من نومها الذي دام سنين عددا ، وانتباهة من غفوتها التي ظلت فيه دهرا مديدا ، ولكنها صحوة صاحبتها غضبة ، ويقظة قارنتها ثورة ، وانتباهة على إثرها بدأ الزحف المتواصل الذي لم ينقطع حتى الآن .
لقد كان الحدث السعيد الذي بهر العالم ، وحيت به الأمة الأسلامية بعد موات ، وعلى خلاف توقعات كل المتوقعين ، وبرغم إرجاف المرجفين ، وتخذيل المنافقين ، نهض شباب الأمة ، بل وشيوخها وأطفالها ونساؤها يعاضدون هذه الصحوة ، كل على قدر ما يستطيع ، ولكنها كانت صيحة جماعية تطامنت لها الجبال ، وخضعت لها رقاب المستكبرين ، وأصبحت واقعا لا ينكره إلا سكير أو عنيد ، أو من ينتظر أن تزهق روحه تحت سنابك الصحوة ليتأكد أنها حق ( وأن الله موهن كيد الكافرين ) .
( نجاحات وإخفاقات )
إن هذه الصحوة نشأت في رحم الجو الاستعبادي الذي جثم على العالم الإسلامي إبان العهود الاستعمارية ، فتمالأت العقول المفكرة والمدبرة تلتمس لهذه الصحوة أنموذجا تقتدي به ، وقبلة تيمم شطرها نحوه .
ولا يجوز أن نجحد أنه قد كان في صفوف تلك الصحوة دخلاء ومتطفلون ومتسلقون بل وعملاء وخونة ، وبعض المخلصين من أبنائها انطلت عليه أحابيل الأعداء فسلك طريقا في مساعدة الصحوة أدى بها فيما بعد إلى انحرافات ومجازفات .
وقبل أن يسوء الفهم فإننا لا نستطيع أن ننكر أن الصحوة عندما بدأت حققت انتصارات متوالية ، وزحفت زحفا مؤزرا في كل الأرجاء ، مما ينبئ عن مقدار القبول الذي حظيت به في قلوب الناس .
وفي عصر كان التغريب فيه دين الأكثرية ، صار الإسلام يكتسح القلوب دون عائق ، وصارت الجماهير الإسلامية تنادي صراخا وهمسا ( كل على قدر استطاعته ) بالعودة إلى دين الله تعالى .
وكان هذا في حد ذاته انتصارا باهرا ونجاحا ساحقا ، بالمقارنة بما كانت تعانيه الأمة من ضعف وهوان وتبعية .
لقد نجحت الصحوة في إعادة ملامح العقيدة الصافية إلى قلوب الناس ، عقيدة أهل السنة والجماعة ، والسلف الصالح من الصحابة والتابعين ، نعم … لقد انتصرت هذه العقيدة ، وكان لها النصر المؤزر في كل الميادين ، ودون توجيه من موجه ، أو إرشاد من مرشد ، لقد اتجهت الصحوة منذ مهدها إلى كتب التراث العتيقة ، تبحث عن المَعين الذي نصر أجيال المجد الإسلامي القديم ، فوجدت أن نصرهم إنما انبنى على منهج عقدي وعبادي وأخلاقي ثابت ، هو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقرون الفضل والخير التي مدحها النبي صلى الله عليه وسلم نصا ، والتي ظهر انتصارها على من عداها تاريخا .
كما نجحت الصحوة في زرع العاطفة الدينية في قلوب الناس ، فأصبح التدين أمرا يتمناه كل مسلم ، لولا ما يضعه أعداء الله أمام الدين من عوائق وتهديدات وتخويفات .
كما نجحت الصحوة إلى حد بعيد في التميز والاستقلالية ، ولا يمنع ذلك من إثبات وقوع الصحوة في بعض من الأخطاء المنهجية التي قدحت في هذا التميز أو تلك الاستقلالية .
ونجحت الصحوة كذلك في الانتشار عبر كل الميادين ، أفقيا ورأسيا ، كما وكيفا ، وكان هذا الانتشار سببا في تكثير أعدائها وممالأة شانئيها ضدها ، حتى اجتمعت قوى الكفر في العصر الحديث على إعلان القرن العشرين والحادي والعشرين زمن المواجهة مع الإسلام بعد أن تخلص الغرب من العدو الشيوعي ، وتفرغ لعدوهم المسلم اللدود .
وبإزاء كل هذه النجاحات كان هناك الكثير من الإخفاقات أيضا ، وفي نفس المجالات التي حققت الصحوة نجاحاتها .
ولأجل ما قدر الله تعالى في أفعالنا من النقص ، ولعزة الكمال بين الأناسي ، ولأجل ضعف خبرات الصحوة ، وقلة إمكانياتها ، وكثرة مؤامرات أعدائها ، وتسلط الكثير من ذوي الأهواء في إدارة شئونها ، رأينا الكثير من الإخفاقات ، ولمسنا مشاهد الفشل في العديد من الميادين التي خاضتها الصحوة ، لقد كان قدر الفشل يجري دون تقصير في بعض الأحايين ، ولكنه كثيرا ما كان يصيب الجهود بسبب التقصير الواضح وعدم الاستعداد .