فهرس الكتاب

الصفحة 373 من 3028

وبعيدا عن الإحصائيات الإسكانية التي تثبت أن نسبة الشباب والمراهقين في الدول الإسلامية يبلغ النصف في معظم الدول ، وفي بعض الدول فإنه يفوق النصف ، أقول: بغض النظر عن هذه الحقيقة فإن أحدا لا يماري في أن شريحة الشباب هي أقوى شريحة في المجتمع وعليها تعول كل الخطط التنموية في بناء الحضارات ونشدان التقدم .

وإزاء هاتي القناعتين:

(1) أن شباب الصحوة يعاني كسادا في الجانب التربوي .

(2) وأن شريحة الشباب هي أهم شريحة في المجتمع .

يمكننا أن نشير بأصبع الاتهام الجريئة إلى كل من يقصر في هذا الدور التربوي ، بدءا من الاهتمام بالمشكل كمشكل ، وانتهاء بتطبيق منهج تربوي متكامل إزاء هذه الشريحة .

( الحل: تربية ربانية من نوع فريد )

إن التحدي الحضاري الضخم الذي تخوضه أمتنا الآن يجب أن نستعد له بجملة من الإنجازات التي يجب أن تتأسس قبل أن نفكر أصلا في خوض هذا الصراع ، وليست هذه الإنجازات من قبيل ما نجهله أو نعجز عن تحقيقه ، بل هي حقائق متفق عليها في أدبياتنا ، ومشروعات لم يجر أي نزاع بين أي اتجاه من اتجاهات الصحوة حولها ، فالإجماع منعقد على ضروريتها ، والاتفاق واقع حول لزومية تنفيذها .

إنني مع الاستقراء الطويل والدقيق لأدبيات الصحوة الإسلامية أستطيع أن أجزم أن الشيء الوحيد الذي اتفقت عليه كل اتجاهات الصحوة كخطوة أصيلة في بناء الأمة المسلمة القوية القادرة على استعادة أمجادها ، والنهوض من كبوتها إنما هو التربية .

ومهما اختلفت الرؤى حول هذا اللفظ ومعناه ، ومهما تباينت المعاني الاصطلاحية حول مدلوله وعمقه فسيبقى أن القدر المتفق عليه من معناه أن يعاد بناء الشخصية المسلمة ، وهذا كاف في إثبات أهمية التربية كحل وحيد لهذا العرج الإصلاحي الذي تعاني الصحوة الإسلامية .

ويبقى بعد ذلك احتياجنا أن نثبت أن التربية التي تحتاجها الصحوة لا بد أن تتوفر فيها ثلاثة أمور أساسية حتى نضمن حصول الثمرة منها ، كما نضمن تناسبها مع مقاصد الصحوة الإسلامية بل الروح الإسلامية التي تتقمصها الصحوة .

تلك الأمور هي:

(1) العقيدة القوية بما تتضمنها من إيمان كامل بمرجعية الكتاب والسنة .

(2) العلم بما يتضمنه من كفاية وأهلية للقيام بالحجة الشرعية ، ونعني بالعلم كل ما أفاد نصرة الدين ، ولكن يتأكد العلم الشرعي باعتباره مادة النذارة وحجة الرسل وأتباع الرسل .

(3) الجهاد ، والحركة ، والبذل ، باعتبار الثلاثة مظهر من مظاهر قوة المعتقد ، والطريق الوحيدة للإصلاح والتغيير .

وهذه الأمور الثلاثة هي ركيزة الجهد التربوي الذي ننشده ، بل هي الملامح الأصيلة التي بها نضمن تنشئة جيل قادر على حمل أمانة الدين وتبليغها للكون .

وهذه الأمور الثلاثة تجمعها الربانية التي أمر بها الله تعالى في قوله: ( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ) .

فالربانية كانت في مقابل الشرك الذي نفاه الله عن دعوة المرسلين ، وهو ركن العقيدة المذكور ، والربانية مأخوذة من ربان السفينة ( كما حققه ابن جرير الطبري رحمه الله ) أي قائدها ، والقائد لا بد له من جهاد وحركة وبذل ، وإلا ما صلح للقيادة أصلا ، كما أن الآية نصت على دراسة الكتاب وتعليمه ، وهو أساس العلم المشروط فيما سلف .

إن ربانية التربية هي الحل الوحيد لاستنهاض جيل الشباب في كل مكان ، ولجعل هذا الجيل متأهلا لاستنهاض الأمة وقيادتها نحو الريادة والمجد .

وليس من ريب أن أية محاولة تربوية تنحِّي هذه الملامح محكوم عليها بالفشل ، مأذون لها بضياع الجهد والتعب ، فأجدر بمن تصدر لهذا الدور الجلل أن يعاود الفكرة في ما ذكرنا من المعاني ، وفيما سنسطر في هذا الكتاب ليتأسس جهده على بينة ، وليكمل بناؤه على هدى ، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

وهذه المعاني التي ذكرناها متسلسلة أردنا بها أن نثبت أن الصحوة في قد بلغت حدا من الضرورة يملي عليها أن تعزم عزمة جادة في درب التربية الربانية ، فليس من بديل لهذه الغثائية التي نعانيها إلا الاهتمام بالكيف ، وتحسين النوع ، والرقي بمستوى المهارة لدى جيل الشباب ، وما من سبيل لخوض الصراع الحضاري الضاري الذي بدأ معتركه إلا بحشد الإمكانيات كلها لإبادة كل جينات الفشل وبقايا المعوقات والصفات المثبطة التي تخلد بالصحوة ورجالها إلى الأرض ، وتحول بينهم وبين الزحف الظافر باليقين القاهر .

وهذه التربية إذا أردنا لها ظفرا ونجاحا فلا بد أن تقوم على أساس من العلم متين ، ونعني بالعلم منهجيته ، بمعنى أن تقوم التربية على منهج واضح المعالم والملامح ، وليس خاضعا للتجارب الفردية ، والأهواء الذاتية ، بل مراعيا لنص الوحي ، متابعا لطريق المعصوم ، متحريا لأمارة الحق التي لها نور من أدلة الشرع وهدى من البينات والفرقان .

نعم .. إن جانبا ليس بالقليل من التربية مبني على الممارسة ، والممارسة أصلا يجب أن تخضع لمرجعية الشرع ، فلا حركة ولا جهاد إلا ببرهان وبينة ، كما أنه لا عبادة إلا بدليل ، ومع أن الأصل في المسلم أنه متحرك لدينه ، إلا أنه يتحرك وفق ما رسمه له الشرع ، لا ما يرسمه له هواه ، وتمليه عليه أمانيه .

فمع تضافر التجربة والممارسة بإزاء البرهان الشرعي تتولد الشخصية الربانية التي استهدت بنور الوحي ، وارتسمت منهج المعصوم صلى الله عليه وسلم ، وراعت حقيقة الشريعة ، فكان سعيها نورا على نور ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) .

وهذه الأوراق محاولة لتقعيد هذه التربية الربانية ، والانتحاء بها عن الارتجال إلى النظام والدقة ، ودعوة للمربين أ يمارسوا هذه التربية الربانية بنوع من وضوح الرؤية ، بعيدا عن الاقتراحات التي صارت وليدة الظرف ، والتجارب التي صارت رهينة المشكل ، فأضحت عمليتنا التربوية أشبه ما يكون بعملية جراحية يمارسها طبيب مبتدئ أو جراح غير متخصص فهو يثخن في المريض الجراح راجيا أن تفلح تجربة من تجارب مشرطه ومبضعه ، والضحية هو المريض المسكين .

إن من مقاصد وضع هذه الأوراق أن نشاهد بداية حملة جادة لجعل التربية الربانية شغلا شاغلا لشباب الصحوة تعلما وتعليما وتثقفا ، فينشغل الكل منذ أن عرف طريق الله بما يؤهله لبلوغ هذه الربانية المنشودة .

ومن مقاصدها دفع الغثائية التي تعانيها أمتنا ، والاتجاه نحو الجودة التربوية ، بوضع مواصفات دقيقة لها ، واشتراط شروط قاسية لتحصيلها ، وليست الشخصية المسلمة الكاملة بأبخس من المصانع التي تحتاج إلى شهادة الآيزو لتثبت جودة منتجاتها للناس .

لقد صار الإتقان سمة العصر ، وما لم تواجه أمتنا عدوها برجال أعدوا إعدادا متقنا ، وبعدة متقنة التجهيز فإنها بذلك تغامر في معركة خاسرة ، وتخوض تجربة معروفة النتائج ، ولا بد أن نقف وقفة صدق مع أنفسنا لنختار لأمتنا ، فاختيارنا لأمتنا هو اختيار لأنفسنا .

[1] الشبهات والأخطاء الشائعة في الفكر الإسلامي لأنور الجندي ص224. نقلا عن المسلمون وظاهرة الهزيمة النفسية لعبد الله الشبانة .

[2] رسائل الإصلاح (1/101) نقلا عن المرجع السابق .

[3] راجع: حصوننا مهددة من داخلها والإسلام والحضارة الغربية كلاهما للدكتور محمد محمد حسين ، وأدب الردة لجمال سلطان ، وعودة الحجاب ؛ الجزء الأول للشيخ محمد إسماعيل .

[4] يراجع ما كتبه جمال سلطان في كتابه: أزمة الحوار الديني .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت