فقد عاب الباحثان مناهجنا قولها (إن ما ينذره جهلة المسلمين من نذور للأولياء والصالحين من أموات المسلمين؛ كأن يقول يا سيد فلان إن رزقني الله كذا أجعل لك كذا.. فهو شرك أكبر) .
قلت: أسقط الباحثان -كما سبق في التنبيهات- مكان النقط عبارة (فهو نذر لغير الله وعبادة حرفت لغيره تعالى) ! فلماذا ؟ ألأجل أنه يوضح للقارئ أن سبب الحكم على هذا النذر بأنه شرك أكبر أنه نذر وعبادة لغير الله تعالى؟! وهل الباحثان يشكان في هذا الأمر العظيم؟!
ويتألم الباحثان بسبب أن مناهجنا تصف مرتكب الشرك الأكبر بأنه (حلال الدم والمال) ! متناسية أن هذا حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم عليهم وليس حكم مناهجنا!. قال سبحانه (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد) وقال (قاتلوا المشركين كافة) ، وقال صلى الله عليه وسلم:"جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم"رواه أحمد وأبو داود، وقال:"قاتلوا من كفر بالله"رواه مسلم. وغير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على هذا الحكم المعلوم من الدين بالضرورة.
المغالطة الحادية عشر:
يلوم الباحثان مناهجنا حكمها على الدعوة القومية المضادة للإسلام بأنها (دعوة جاهلية إلحادية، تهدف إلى محاربة الإسلام والتخلص من أحكامه وتعاليمه) أو أن (الفكر القومي يسقط الدين من اعتباره.. بل إنه يعتبر الدين عائقًا في سبيل القومية) أو أن (الانتماء للأحزاب الجاهلية والقوميات العنصرية كفر وردة عن دين الإسلام) .
أقول: هذا تسطيح وسوء فهم، وهذه المغالطة تشهد أن الباحثَيْن يجهلان واقع الفكرة القومية التي تحدثت عنها مناهجنا (69) ! ولهذا لم يريا فيها إلا أنها"تمتن الروابط القومية وما يتبع ذلك من تبادل اقتصادي ومواقف سياسية.. الخ مديحهما! (ص10) ."
ولو كلف أحدهما نفسه جهدًا يسيرًا بمراجعة أطروحات وأقوال سدنة (القومية العربية) في البلاد الإسلامية لوجودها خير دليل على ما جاء في مناهجنا حول فكرتهم الجاهلية، ولما وقعوا في هذا الجهل المبين. وسأكتفي بمقولات من يسمى"فيلسوف العروبة" (70) ساطع الحصري: الذي يقول: (إن الرابطة الوطنية والقومية يجب أن تتقدم على الرابطة الدينية) (71) ويكتفي الحصري -كما هو معلوم لكل مطلع على تراثه-"باللغة والتاريخ المشترك"في أركان قوميته المزعومة؛ أما الدين (أي الإسلام!) فإنه في نظر الحصري يتعارض مع فكرته القومية. يقول الحصري: (إن الرابطة الدينية وحدها لا تكفي لتكوين القومية) (72) .
ويرى أن الإسلام من ضمن الأديان الأممية التي تتعارض مع القوميات (73) . ولهذا فإنه يرى الرابطة الإسلامية من ضمن العراقيل في طريق قوميته الجاهلية. يقول الحصري: (إن فكرة القومية العربية صادفت في طريق سيرها وانتشارها عراقيل كثيرة. وعقبات خطيرة، وقد تغلبت على الكثير منها منذ بداية القرن الحالي: فإنها اخترقت أولًا السد المنيع الذي تكون من امتزاج فكرة الجامعة العثمانية بمعنوية الخلافة الإسلامية. وهي على وشك الانتهاء من التغلب على العقبات التي تعترض طريقها باسم الرابطة الشرقية من ناحية. والرابطة الإسلامية من ناحية أخرى) (74) .
قلت: ولهذا فقد تقرر عند عقلاء الباحثين الذين يفهمون الأشياء على حقيقتها أن دعوة الحصري القومية دعوة علمانية تتعارض مع الإسلام، بل تعاديه وتقاومه وتحاول زحزحته عن قيادة الأمة بأن يبقى مجرد دين روحي كالنصرانية.
تقول الباحثة السوفيتية الدكتورة تيخونوفا في دراستها التي استمرت عشر سنوات عن فكر ساطع الحصري:"لقد كان الحصري علمانيًا منذ البداية" (75) .
وتقول:"كان قول الحصري بوحدة التاريخ يتطلب منه منطقيًا فصل تاريخ العرب عن تاريخ الإسلام" (76) . وتقول أيضًا:"وعني الحصري بإثبات أن فصل الدين عن الدولة نتيجة قانونية وحتمية لتطور المجتمع". (77) وتقول أخيرًا:"لقد جاء فهم الحصري للحركة القومية العربية على أنها حركة سياسية بطبيعتها، وبالتالي غير مرتبطة بالدور الأساسي للعامل الديني، إنجازًا هامًا للفكر الاجتماعي العربي، ساعد على توطيد المنحى العلماني في سيرة العرب نحو وحدتهم القومية" (78) .
أما الأستاذ شاكر اليساوي في كتابه"دعاة الفكر القومي العربي" (79) فيقول بصراحة:"أما علاقة الدين بالقومية فقد كانت في فكر الحصري علمانية؛ لأن القومية نفسها فكرة علمانية".
أما الشيخ محمد الغزالي -الذي أظنه محل تقدير عند الباحثَيْن- فقد حكم على القوميين بأنهم"ملحدون يجاهرون بالكفر" (80) !! والأمثلة كثيرة.
فمن نصدق بعد هذا: أصحاب الشأن من سدنة القومية وعقلاء الباحثين أم من يفهم الأمور بسطحية تامة تؤدي به إلى ظلم مناهجنا والافتراء عليها؟! (81) .
المغالطة الثانية عشر:
قولهما: (بل يتجاوز الأمر التصعيد مع القومية العربية، إلى تصوير النزعة الوطنية كعقوبة لأي مجتمع يرتد عن الإسلام كما يقول المقرر"العالم الإسلامي أصبح بعد ما غزته أوروبا سياسيًا وثقافيًا، يخضع لهذه العصبيات الدموية، والجنسية، والوطنية.. والواجب أن يعلم أن هذه الحزبيات عذاب بعثه الله على من أعرض عن شرعه وتنكر لدينه") (ص11) .
قلت: في كلام الباحثَيْن سوء فهم وتحريف لما جاء في المنهج ابتغاء التهويل والتشنيع!
أما سوء الفهم: فهو أن الباحثَيْن لم يفهما الدعوة (الوطنية) التي يتحدث عنها المنهج وظنوها مجرد محبة الإنسان للبلد الذي ولد وعاش فيه، دون أن يتعارض ذلك مع الإسلام! (82) فهم في وادٍ والمنهج في وادٍ آخر؛ لأن المنهج يتحدث عن دعوة حزبية جاهلية علمانية تتعارض مع الإسلام وتنابذه كشأن أختها القومية، وتهدف إلى حصره في دائرة العبادات -كما دعت إليه مثيلاتها في الغرب-. حتى قال أحد أساطينها (83) "الدين لله والوطن للجميع".
هذه الوطنية الحزبية التي أراد لها أصحابها أن تكون بديلًا عن الدين الذي نحي جانبًا. حتى قال شاعرهم محييًا وطنه:
ولو أني دعيتُ لكنتَ ديني
عليه أقابل الحتم المجابا
أدير إليك قبل البيت وجهي
إذا فهتُ الشهادة والمتابا !
أو قوله:
وجه الكنانة ليس يُغضب ربكم أن تجعلوه كوجهه معبودا !
ولوا إليه في الدروس وجوهكم وإذا فرغتم فاعبدوه هجودا !
إن الذي قسم البلاد حباكم بلدًا كأوطان النجوم مجيدا
هذه الوطنية -أو قل الوثنية- التي جعلت الكافر قرينًا ومساويًا للمسلم بدعوى"لهم ما لنا وعليهم ما علينا" (84) ، بل تطور الأمر -والعياذ بالله- حتى حكم بعض العصريين لأبناء وطنه من الكفار أنهم من أصحاب الجنة !!.
وانظر -غير مأمور- لتأكيد هذا والرد على دعاة الوطنية الجاهلية كتاب"مذاهب فكرية معاصرة"وكتاب"محمد عمارة في الميزان"، ورسالة"نظرات شرعية في فكر منحرف -6-".
المغالطة الثالثة عشر:
ويواصل الباحثان استعراض جهلهما المزري بحقيقة الأفكار المعاصرة عندما تعجبا من وضع مناهجنا"الرأسمالية"ضمن المذاهب الكفرية! لأنها -أي الرأسمالية- في ذهنهم القاصر تعتبر مجرد"نظرية اقتصادية تقوم على فكرة الملكية الفردية لوسائل الإنتاج، وتحرير الأسواق وغيرها... الخ" (ص11)