فهرس الكتاب

الصفحة 345 من 3028

قلت: هذه نظرة سطحية للرأسمالية اغترت بقشورها ولم تغر إلى لبها الذي هو عبارة عن عقيدة وأيدلوجية لها نظرتها الخاصة التي أنتجتها أحداث الصراع مع الكنيسة (85) والقائمة على الحرية المطلقة وعلى"فصل الدين عن الحياة" (86) كما يقول الدكتور محمود الخالدي. ويقول -أيضًا-:"إن الناس في أوربا وأمريكا يؤمنون بالرأسمالية كعقيدة ونظام للحياة، بمعنى أنها صارت دينًا ينتحله النصارى، ورأوا في العقيدة الرأسمالية أنها جاءت ناسخة لدين السيد المسيح عليه السلام. ومفهوم العقيدة أنها وجهة نظر كلية في الكون والإنسان والحياة. والرأسمالية كذلك؛ لأنها تقوم على الإيمان المطلق بفصل الدين عن الحياة" (87) ويقول الأستاذ محمد عبدالرؤف:"تعد الحرية الفردية المطلقة سمة أصيلة من سمات الرأسمالية" (88) .

أما الأستاذ أحمد الشيباني -رحمه الله- الخبير بالمذاهب المعاصرة فيبين وجهًا قبيحًا للرأسمالية بقوله:"أرى أن الرأسمالية هي المخطط الكامل الذي ابتدعته السلبية في العقل البشري لتنظيم وإدارة وتوجيه الغريزة البشرية في أحط أدوارها الهمجية. لذلك أعتبر الرأسمالية هي الحيوانية التي ينظمها العقل، وأنها تمثل طمعًا واعيًا، ونهمًا يقظًا يعرف أهدافه، ويعرف الوسائل التي يسلكها إليها، وشراهة تتغذى بالواقع، وتهتدي بنور العقل، وأثره ضيقة خانقة. إنها في اختصار أرقى الدرجات التي وصل إليها العقل الحيواني في الإنسان" (89) . ويقول بيتر إل بيرجر في كتابه"الثورة الرأسمالية" (ص245) متحدثًا عن نظرة المسلمين للرأسمالية:"حين يُنْظر إلى الرأسمالية من منظار التقليديين، فإنها تبدو لهم عدوة؛ لكون ديناميكياتها تنسف المؤسسات التقليدية وطرق حياتها". ويقول رافي بترا في كتابه"بعد الشيوعية سقوط الرأسمالية" (ص301) :"الرأسمالية ليست فقط نظامًا اقتصاديًا، ولكن أيضًا نظامًا اجتماعيًا واقتصاديًا متواكبان..".

المغالطة الرابعة عشر:

يعيب الباحثان مناهجنا بما ورد فيها من أن: (الشرك الأكبر يوجب العداوة الخالصة بين صاحبه وبين المؤمنين، فلا يجوز للمؤمنين محبته وموالاته ولو كان أقرب قريب) ! بدعوى أن (هذه العبارة نقلت من بعض المصادر المولودة في ظروف استثنائية ولا تصلح قاعدة عامة) ! (ص12) .

قلت: هذه العبارة مستفادة من كتاب الله عز وجل!! فلماذا التلبيس؟! قال تعالى (لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) .

وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان) وقال سبحانه (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنّا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده) .

ومما يثير العجب أن الباحثَيْن رغم دراستهما الشرعية يخلطان بين مودة الكافر وموالاته (المحرمة) بنص الكتاب والسنة، وبين بر الكافر غير المحارب والقسط معه إليه وهو أمر مشروع لا يتناقض مع البراءة منه. ولعل هذا يضاف إلى تأثرهما بالكتب العصرية التي نسخت ما في عقولهما من عقيدة أهل السنة!

فكما حرمت النصوص الشرعية موالاة الكفار ومودتهم؛ كما في قوله تعالى (لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله.. الآية) وقوله (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) .. إلى غيرها من الآيات (90) فإنها أجازت بر الكافر غير المحارب والعدل معه؛ كما في قوله: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم) . ومن ذلك: الإنفاق على الكافر القريب وصلته والإحسان إليه.

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله- رادًا على واحدٍ من الخالطين بين الموالاة والمودة (المحرمة) وبين القسط والإحسان لغير المحارب (الجائز) :"زعم آخر من دعاة القومية أن الله سبحانه قد سهل موالاة الكفار الذين لم يقاتلونا ولم يخرجونا من ديارنا، واحتج على ذلك بقوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) وهذا كالذي قبله احتجاج باطل، وقول في القرآن بالرأي المجرد، وتأويل للآية على غير تأويلها. والله سبحانه قد حرم موالاة الكفار ونهى عن اتخاذهم بطانة في الآيات المحكمات، ولم يفصل بين أجناسهم ولا بين من قاتلنا ومن لم يقاتلنا، فكيف يجوز لمسلم أن يقول على الله ما لم يقل، وأن يأتي بتفصيل من رأيه لم يدلّ عليه كتاب ولا سنة؟! سبحان الله ما أحلمه! وإنما معنى الآية المذكورة عند أهل العلم الرخصة في الإحسان إلى الكفار والصدقة عليهم إذا كانوا مسالمين لنا بموجب عهد أو أمان أو ذمة، وقد صح في السنة ما يدل على ذلك، كما ثبت في الصحيح أن أم أسماء بنت أبي بكر قدمت عليها في المدينة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهي مشركة تريد الدنيا، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أسماء أن تصل أمها وذلك في مدة الهدنة التي وقعت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة"وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أعطى عمر جبة من حرير فأهداها إلى أخ له بمكة مشرك. فهذا وأشباهه من الإحسان الذي قد يكون سببًا في الدخول في الإسلام والرغبة فيه وإيثاره على ما سواه، وفي ذلك صلة للرحم، وجود على المحتاجين، وذلك ينفع المسلمين ولا يضرهم، وليس من موالاة الكفار في شيء كما لا يخفى على ذوي الألباب والبصيرة" (91) ."

المغالطة الخامسة عشر:

عدم تفريق الباحثَيْن بين التعاملات الجائزة مع الكفار وبين البراءة منهم وعدم مودتهم ومحبتهم. ولذلك فقد حشدوا نصوصًا كثيرة جاءت في المقام الأول للتدليل بها على المقام الثاني! دون فقه بمعانيها (ص12-13، 23-26) ، وقد سبق في كلام الشيخ ابن باز -رحمه الله- الرد عليها والتفريق بين المقامين.

المغالطة السادسة عشر:

قولهما: (ومن نماذج تعميم أحكام المحاربين ما يقوله المقرر مثلًا:"ومحبة الله لها علامات تدل عليها.. ومنها: العزة على الكافرين) (ص13) ."

قلت: المنهج يتحدث عن علامات محبة الله عز وجل؛ المستفادة من آيات القرآن الكريم! ومنها ما يراه الباحثان عيبًا في مناهجنا -والعياذ بالله-؛ وهو العزة على الكافرين المستفاد من قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين..) الآية، وقد ذكرت في المنهج! فكيف عميت عنها الأبصار؟! فإذا كان للباحثَيْن اعتراض فليعترضوا -صراحة- على كتاب الله عز وجل؟! لا أن يوهموا القارئ أن اعتراضهم ليس على النصوص والأحكام الشرعية الثابتة، إنما على المناهج .. فما هذا إلا ضحك على العقول واستخفاف بها.

المغالطة السابعة عشر:

ادعاؤهما أن الإسلام لم يأت بتفاصيل الأحكام !

يقول الباحثان: (ولما بعث الله الرسل وأنزل معهم الشرائع لم يبين فيها إلا القواعد العامة التي يحتاجها الناس في حياتهم وبعض التفاصيل الثانوية، ولم يشأ الله تعالى أن يحسم كل مظاهر الاختلاف..) ! (ص14) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت