"إنني أنتمي إلى تلك الأسرة التي تتمنى للحكومة البريطانية كل الخير والسعادة. لقد كان والدي -مرزا غلام مرتضى- رجلًا وفيًا صديقًا محبًا مخلصًا للحكومة البريطانية. لقد خصصت له الحكومة كرسيًا للجلوس في كل الحفلات الرسمية إلى جانب الحاكم البريطاني. فلقد ساعدهم والدي مساعدة كبيرة في قمع تمرد 1857م -يقصد الثورة الوطنية الكبرى ضد الإنجليز- ومدهم بخمسين فارسًا مسلحًا لضرب الثوار. ولذلك تدفقت على والدي رسائل الشكر والامتنان من قبل الحكام. وكذلك ساندهم والدي في المعارك الأخرى التي خاضها المتمردون -يقصد الأحرار الوطنيين- ضدهم (65) ."
إن والده لم يكتف بأن يكون سلبيًا ضد هؤلاء الغزاة، ويجلس في بيته ويغلق عليه بابه، بل فعل ما لم يفعله أحد قبله أو بعده، لقد ترك أبناء جلدته يحاربون العدو، وأخذ في طعنهم من الخلف بغية فتح الطريق على جثث هؤلاء المجاهدين إلى داخل البلاد.
إن هذا الرجل الخائن لنفسه أولًا ولدينه ثانيًا ولوطنه ثالثًا كان يحب أن يلقى جزاءه، ولكن أسياده الإنجليز -على ما نعتقد- حالوا بينه وبين غضبة الثوار.
وإذا كان الأب يفعل ذلك -فالابن كما يقال سر أبيه-
نقول إذا كان الأب باع بلاده للمستعمرين نظير ثمن بخس دراهم معدودة، فإن ابنه لم يكتف بذلك بل باع لهم دينه -حتى ينال حظوة كبرى وأموالًا عظيمة..؟؟
يقول:"لما توفي والدي ناب عنه أخي الكبير مرزا غلام قادر في خدمة الحكومة البريطانية، فشملته الحكومة هو الآخر بعنايتها وإكرامها وفضلها وجوائزها كما صنعت من قبل مع والدي..."الخ كلامه (66) .
وأما الأحباش: فلينظر ما كتبه عنهم الدكتور سعد الشهراني في أطروحته"فرقة الأحباش: نشأتها، عقائدها، آثارها". (المطلب الرابع: من يدعم الأحباش؟) .
والأدلة والشواهد كثيرة جدًا جدًا قديمًا وحديثًا لا يجهلها إلا مكابر أو محسن الظن بأهل البدع. وما أحوال العراق الآن عنا ببعيد.
المغالطة الثامنة:
زعمهما أن ذكر المناهج لشيء من جهود الصحابة -رضي الله عنهم- والتابعين وأئمة المسلمين في مواجهة البدع والانحرافات الطارئة على الأمة (شديد الخطورة على نفسية الطالب حيث قد يوحي بتأييد ضمني لما انطوت عليه من ظروف شائكة يصعب عليه فهم دقائقها وضوابط التعامل معها، الأمر الذي قد يؤدي إلى انهيار حرمة الدماء والنفوس من وجدان الشاب فيشعر بهوان النفوس ومشروعية القتل وإزهاق الأرواح) !! (ص8) . هكذا قالوا !
فتأمل -رعاك الله- أسلوب الباحثَيْن التهويلي ضد المناهج! حيث أن مجرد ذكر تلك الجهود يؤدي إلى القتل وإزهاق الأرواح الذي لم نجده سوى في أذهان الباحثَيْن وظنهما السيئ بمناهجنا التي تناقض قولهما أشد المناقضة.
ومن طالع ما ذكرته في المقدمة عن موقف مناهجنا من قضية التكفير يجد أنها أقامت حواجز منيعة أمام من يريد أن يستحل أموال الناس ودماءهم بما لا تجده عند غيرها.
ويكفي لتأكيد هذا والرد على الباحثَيْن وظنهما السيئ أن هذه المناهج منذ وضعت -ولله الحمد- لم نسمع بمن قتل أو أهريق دمه متكئًا قاتله على مناهجنا. أتدري لماذا؟ لأن مناهجنا -كما سبق- تربي الشاب على أن يحكم تصرفاته كلها بالكتاب والسنة، وتحذره أشد الحذر من تجاوزهما تحت أي مسوغ، وتحوط أعراض الناس ودماءهم بسياج منيع من المحاذير. بينما في المقابل نجد أن الدول التي أعرضت عن المناهج الشرعية ولم يتلق شبابها المنهج الصحيح في مسائل الإيمان والكفر قد وقعت فيها الحوادث الشنيعة من اغتيالات وإزهاق أرواح؛ لأن شبابها لما لم يجدوا من يبصرهم بالحق في تلك المسائل لجأوا إلى عقولهم وفهومهم أو إلى من يغرر بهم؛ فتعدوا حدود الله وتجرؤا على دماء الناس .
كما قيل:
إذا جلس الأكابر في الزوايا فمن يثني الأصاغر عن مراد
فمن الذي قتل محمد حسين الذهبي وزير أوقاف مصر ؟!
ومن الذي قتل فرج فودة في مصر ؟!
ومن الذي قتل ناجي العلي في لبنان ؟!
ومن الذي قتل صبحي الصالح في لبنان ؟!
ومن الذي قتل حسن خالد في لبنان ؟!
ومن الذي قتل عبد الرحمن الشهبندر في سوريا ؟!
ومن.. ومن.. الأمثلة كثيرة أظنها لا تخفى على الباحثَيْن. فهذه نتيجة واحدة من نتائج تجفيف المناهج واختزالها في تلك الدول وابتعادها عن منهج أهل السنة والجماعة. فهل من معتبر ؟!
المغالطة التاسعة:
اعتراضهما على مناهجنا في تقيمها الولاء والبراء بالنسبة للآخرين ثلاثة أقسام: من يوالى ويحب جملة وهو المؤمن، ومن يحب من وجه ويبغض من وجه وهو المسلم الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا فيحب ويوالى على قدر ما معه من الخير، ويبغض ويعادى على قدر ما معه من الشر والمخالفات. ومن يُبغض جملة وهو الكافر.
فظن الباحثان -بعد أن ذكر القسم الثاني بتحريف!- أنه يؤدي (إلى تعميق الكراهية ضد المسلم المقصر) ! (ص9) وكان المفترض -حسب قولهما- (بث الروح الإسلامية وتأكيد الأخلاقيات النبوية مع المقصر) ! (ص9) .
قلت: التقسيم السابق هو ما دلت عليه النصوص الشرعية و (اتفق عليه أهل السنة والجماعة) (67) -كما يقول شيخ الإسلام الذي كثيرًا ما يحرف الباحثان أقواله ويحملانها على غير محملها-، وليس هو من اختراع مناهجنا. وأدلته كثيرة لا أظنها تخفى على الباحثَيْن الشرعيين! وهي قائمة على العدل مع الجميع كما قال تعالى (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون) .
والمؤلم أن الباحثَيْن في محاولتهما التشنيع على مناهجنا قاما بحذف عدة كلمات رأيا أنها ستعارض ما يريدان إيصاله للقارئ!
فقد نقلا أن المناهج تقول (العصاة أصحاب الكبائر من المؤمنين.. فيوالون لما فيهم من الإيمان، ويعادون لما فيهم من المعاصي.. وهجرهم إذا كان في هجرهم ردعًا لهم وتوبيخًا) .
وعبارة المناهج بالنص هي(يبقى معنا صنف ثالث وهم العصاة أصحاب الكبائر من المؤمنين الذين فيهم إيمان وفسق، أو قد يكون معهم إيمان وكفر أصغر لا يخرج من الملة، ما حكمهم في هذا الباب؟
الجواب: أن هؤلاء تجتمع في حقهم الموالاة والمعاداة، فيوالون لما فيهم من الإيمان، ويعادون لما فيهم من المعاصي، مع مناصحتهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وهجرهم إذا كان في هجرهم ردعًا لهم وتوبيخًا).
فلماذا حذف الباحثان ما تحته خط ؟! لعل القارئ أدرك أن هذا الحذف (متعمد) في محاولة فاشلة للتشنيع على مناهجنا بأنها لا تبادر أهل الكبائر -ممن يدافع عنهم الباحثان!- بالمناصحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإنما تريد إيهام القارئ أن العلاج فورًا هو الهجر! مع أن المناهج تدرجت في التعامل مع أصحاب الكبائر -فيما فيه مصلحة لهم وفيما يعود عليهم بالنفع وسلوك الصراط السوي الذي يجعلهم من المفلحين دنيًا وأخرى- فابتدأت بمناصحتهم؛ وهي من أنواع الرفق، ثم أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر بشروطه المعروفة عند أهل السنة التي من ضمنها الرفق، ثم إذا لم تنجح تلك العلاجات فإن آخر الدواء الهجر بشرط أن يكون (في هجرهم رادعٌ لهم) -كما يقول المنهج- أما إن لم يكن في الهجر مصلحة فإنه لا يلجأ إليه -كما بين ذلك العلماء- (68) .
المغالطة العاشرة:
وهذه من أعجب المغالطات! إذ كيف يتصور عاقل أن مسلمًا صادقًا يعيب مناهجنا بأنها تحارب الشرك الأكبر وتصف مرتكبه بالكفر والضلال؟! متناسية قوله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به) وتشنيعه عليه وعلى أهله في آيات الكتاب العزيز .