كيف هذا ؟ وشيخ الإسلام هو صاحب الردود الشهيرة والفاضحة لطوائف أهل البدع؛ حيث رد على الرافضة بكتابه"منهاج السنة"ورد على الجهمية والأشاعرة بكتابه"تلبيس الجهمية"، ورد على الأشاعرة بكتابه"التسعينية"ورد على الصوفية بكتابه"الرد على الأخنائي".
كيف هذا؟ وهو القائل:"والتعزير يكون لمن ظهر منه ترك الواجبات، وفعل المحرمات؛ كتارك الصلاة والزكاة والتظاهر بالمظالم والفواحش، والداعي إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة" (24)
كيف هذا؟ وهو القائل:"ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قتل؛ مثل المفرق لجماعة المسلمين، والداعي إلى البدع في الدين"
المغالطة الثالثة:
رغم حرص مناهجنا الشرعية على توضيح قضية التكفير وتقييدها بالضوابط الشرعية، وتحذيرها من التسرع أو التهاون فيها -كما سبق في المقدمة- إلا أن الباحثَيْن -لحاجة في صدورهما- قد أعميا أبصارهما عن هذا كله وافتريا على مناهجنا بأنها تهون أمر التكفير!! (ص6) .
وحجتهما في ذلك أن المناهج وصفت أهل البدع بأنهم"منحرفون عن منهج السلف"!! أو أنهم من"الفرق المخالفة"أو"الفرق الضالة"!
وأقول: أين التكفير في هذه الأوصاف؟!
ثم ادعيا أن المناهج قصدت الأشاعرة والماتريدية بقولها"من نفى ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم فقد كفر".
وهذا من الكذب والافتراء على مناهجنا؛ لأن القول السابق هو لأحد أئمة السلف"نعيم بن حماد"نقله المنهج عن مختصر العلو للذهبي (ص184) للرد على (المشبهة) وأوله:"من شبه الله بخلقه فقد كفر"وآخره:"وليس ما وصف به نفسه ولا رسوله تشبيهًا" (25) .
والمشبهة هم الذين يشبهون صفات الله الخالق بصفات المخلوقين -تعالى الله عن قولهم-
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-:"اتفق السلف والأئمة على الإنكار على المشبهة الذين يقولون بصر كبصري، ويد كيدي وقدم كقدمي" (26) .
وقد قال المنهج بعد النقل السابق عن نعيم بن حماد: (وهذا ردٌ على المشبهة) . فلماذا زاغت عنه أبصار الباحثَيْن ؟!
والمشبهة قد اتفق السلف على تكفيرهم (27) .
أما الأشاعرة والماتريدية فقد قال المنهج: (القول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر من حيث الثبوت ونفي المماثلة وعدم العلم بالكيفية. وهذا رد على الأشاعرة والماتريدية حيث فرقوا بين المتماثلات) . فأين التكفير المزعوم؟! والمنهج إنما يلزم الأشاعرة والماتريدية أن يثبتوا جميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة ما داموا قد أثبتوا بعضها؛ لأن القول في جميع الصفات واحد -كما بينه العلماء والمحققون- .
المغالطة الرابعة:
تستعمل مناهجنا كلمة (الإلحاد) في مقام الحديث عمن لم يثبتوا أسماء الله وصفاته، أو أولوها وحرفوها عن معناها الحقيقي؛ اتباعًا لقوله تعالى (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون) . قال ابن كثير -رحمه الله-: (عن ابن عباس: الإلحاد: التكذيب. وأصل الإلحاد في كلام العرب العدول عن القصد، والميل والجور والإنحراف. ومنه اللحد في القبر لانحرافه إلى جهة القبلة عن سمت الحفر) (28) . وهذا الاستعمال قد تقرر عند علماء السنة في مجال الحديث عن أسماء الله وصفاته.
ولكن الباحثَيْن الشرعيين! لم يفقها هذا فظنا (الإلحاد) يعادل: إنكار وجود الله!! وظنّا أن مناهجنا -لأجل سوء فهمهما- ترمي المخالف في باب الأسماء والصفات بالكفر !! (ص7، 32) .
فحق لمناهجنا أن تقول للباحثَيْن:
لو كنتَ تعلم ما أقول عذرتني
أو كنتَ تعلم ما تقول عذلتكا
لكن جهلتَ مقالتي فعذلتني
وعملتُ أنك جاهل فعذرتكا
المغالطة الخامسة:
قولهما تشنيعًا على مناهجنا: (وتزداد حدة التصعيد مع أقوال المخالفين فيقول -أي المنهج-"من رد نصوص الصفات أو استنكره بعد صحته فهو من الهالكين") ! (ص7) .
حيث يرى الباحثان أن لا يوصف من رد نصوص الصفات الثابتة في الكتاب والسنة أو استنكرها بعد صحتها بأنه من"الهالكين"!
ولا أدري، لعلهما يريدان أن يصفه المنهج بأنه من"المفلحين"أو"الفائزين"!
ولو عاد القارئ إلى المنهج لعلم أن الذي وصف من رد نصوص الصفات بأنه من الهالكين هو حبر الأمة وترجمان القرآن وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم: عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، وليس مناهجنا !! وذلك في قوله عندما رأى رجلًا قد انتفض لما سمع حديثًا في الصفات استنكارًا لذلك:"ما فَرَق هؤلاء؟ يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه" (29) .
ثم يقال بأن وصف"الهلاك"يطلق على كل من عصى أو خالف. ولو راجع الباحثان مادة"هلك"من معجم ألفاظ القرآن أو المعجم المفهرس لألفاظ الحديث لرأوا عشرات النصوص تشهد لهذا. فلماذا العجب؟
المغالطة السادسة:
ينتقد الباحثان مناهجنا الشرعية بقولهم: (ويعرض -أي المنهج- بعض ممارسات المسلمين بمبالغة وتهويل تنطلق بالأخطاء إلى مستويات مشبعة بالتضليل من الطبيعي أن تربك الانضباط الشرعي للطالب مع المخالفين فيقول مثلًا:"الاحتفال بمناسبة المولد النبوي وهو تشبه بالنصارى.. فيحتفل جهلة المسلمين أو العلماء المضلون.. ويحضر جموع من دهماء الناس وعوامهم.. ولا يخلو من الشركيات والمنكرات.. وقد يكون فيها اختلاط الرجال والنساء مما يسبب الفتنة، ويجر إلى الوقوع في الفواحش.. وهو بدعة أحدثها البطالون أو شهوة نفس اغتنى لها الأكالون") . (ص7) .
قلت: هذا النص المنقول من أحد مناهجنا -على ما فيه من بتر كما مضى!- لم يعجب الباحثَيْن حيث ظنوه من قبيل"التهويل"و"التضليل"! غير المطابق لواقع المسلمين. وهذا الظن دليل مؤكد على قلة اطلاعهما على أحوال كثير من البلاد الإسلامية التي تنتشر فيها مثل هذه البدع. ولو كلف الباحثان نفسيهما جهدًا يسيرًا لعلما أن المنهج لم يخالف الحقيقة المرة التي شهد بها العقلاء والغيورون من علماء ومفكري وأدباء الأمة الإسلامية من غير أهل هذه البلاد!. ولا بأس أن أنقل شيئًا من أقوالهم يوافق -بل يزيد!- على ما جاء في مناهجنا:
يصف المؤرخ عبدالرحمن الجبرتي أحد الموالد على عهده منذ حوالي مئتي عام، فيقول:"ينصبون خيامًا كثيرة، وصواوين، ومطابخ، وقهاوي، ويجتمع العالم الأكبر من أختلاط الناس، وخواصهم وعوامهم، وفلاحي الأرياف، وأرباب الملاهي والملاعيب والغوازي والبغايا والقرادين والحواة، فيملؤون الصحراء والبستان، فيطؤون القبور، ويبولون ويتغوطون ويزنون ويلوطون ويلعبون ويرقصون ويضربون بالطبول والزمور ليلًا ونهارًا.." (30) .
ويصف أحمد شفيق باشا (الليلة الختامية) للمولد النبوي فيقول:"ويزدحم الناس في هذه الليلة ازدحامًا لا مثيل له لمشاهدة هذه الأذكار وسماع أناشيدها، ورؤية النيازك.. وينتهز الشباب فرصة الزحام، فيكثر الغزل بين الفتيات والفتيان، وتمشي رسائل (اللب والفستق) ونحوها بين العربات التي تحمل الجنسين، مما يجعل من الليلة مهرجانًا: حظ الفتنة فيه أكبر من حظ الدين -إن كان للدين حظ في أمثال هذه الاحتفالات-" (31) ، وهذه حقيقة!، فالموالد غالبًا ما تكون فرصة للتحلل من كل الضوابط والتفلت من كل القيود سواء أكانت أخلاقية أو شرعية أو حتى تنظيمية، حتى أصبحت كلمة (مولد) تطلق على المواقف التي تشيع فيها الفوضى وعدم الانضباط.