فهرس الكتاب

الصفحة 339 من 3028

قلت: والأمثلة على هذا"الهذر الكلامي"و"الشقاشق اللفظية"ليست قليلة في بحثهما. والسبب في ظني هو إدمان صاحبي البحث قراءة كتب العصريين التي لا تسمن من جوع، والاقتباس منها، رغم أن العقلاء من بني البشر هم الذين لا تسلب لبهم الألفاظ دون أن يتأملوا حقيقة ما تحتها من معاني.

ويحضرني في هذا المقام حكاية لطيفة للشاعر صفي الدين الحلي الذي اطلع أحدهم على ديوانه فقال: لا عيب فيه سوى أنه خالٍ من الألفاظ الغريبة ! فكتب إليه الحلي هذه الأبيات:

إنما الحيزبون والدردبيس

والغطاريس والشقَطحب والصقـ

والحراجيج والعفنقس والعفـ

لغةٌ تنفر المسامع منها

وقبيح أن يُسلك النافر الو

إن خير الألفاظ ما طرب السا

... ... والطََّخا والنُقَاح والعلطبيس

ـب والحربصيص والعيظموس

لق والطرفاسان والعسطوس

حين تروى وتشمئز النفوس

حشي منها ويُترك المأنوس

مع منه وطاب فيه الجليس

فبعض الباحثين -ومنهم كاتبا البحث- مولع بالمصطلحات العصرية، والألفاظ المفخمة التي لا ثمرة فيها لمن تدبرها؛ مصداقًا لقوله تعالى (يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا) ، فهي من قبيل (الزخرف) لا غير.

مغالطات الباحثَيْن (19) :

المغالطة الأولى:

عدم تفريق الباحثَيْن بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية -لله عز وجل-! فعندهما: ما دام أن البشر مختلفون -كونًا وواقعًا- في عقائدهم ومذاهبهم فإنه لا يحق لأحد أن يزيل أو حتى يحاول إزالة هذا الاختلاف بجمعهم على الحق؛ لأن هذه إرادة الله!

يقول الباحثان: (ص13) "نستخلص مما تقدم أن المقرر لم يعرض أصول الاختلاف وقواعد التعامل مع المخالفين وعلى رأسها:"

1-أن الاختلاف سنة كونية: فلا يمكن لأي منظومة فكرية مهما أوتيت من الإمكانيات ووسائل الاتصال وقدرات التغيير أن تقضي على الاختلاف البشري أو توحد اتجاهات الإنسانية أو تحمل الناس على مسار واحد؛ ذلك أن الاختلاف سنة كونية ملازمة للحياة الإنسانية كما قال تعالى (وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ) ) ، وسيبقى هذا الاختلاف كما قال تعالى (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) . وقد رددوا مثل هذا في (ص5 ،15) .

قلت: ووقوعهما في هذه الزلة العظيمة مما يثير العجب والأسى لكونهما من المتخصصين في العلوم الشرعية! ورغم هذا لم يفرقا بين إرادة الله الكونية التي قد لا تستلزم المحبة والرضا، وإرادته الشرعية التي تستلزم ذلك. وهذا مما يعرفه صغار الطلبة في بلادنا -ولله الحمد-. فالإرادة الربانية قسمان (20) :

1.إرادة كونية قدرية: أي أن كل يجري في هذا الكون فهو بمشيئة الله. فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. فلا يخرج عن إرادته شيء، والكافر والمسلم تحت هذه الإدارة والمشيئة سواء، فجميع ما يصدر منهم -سواء كان إيمانًا أم كفرًا- فهو واقع -حتما- بهذه المشيئة، وهي لا تستلزم محبة الرب ورضاه.

ومن أدلتها: قوله تعالى (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا) وقوله (ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) وقوله (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم) .

2.إرادة دينية شرعية: وهي تتضمن محبة الرب ورضاه. ومن أدلتها: قوله تعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وقوله (وما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم) وقوله (والله يريد أن يتوب عليكم) .

فالكفر والفسوق والمعاصي الواقعة من العباد قد شاءها الله وأرادها (كونًا) لأنه لا يخرج شيء عن مشيئته سبحانه، ولكنه لم يردها (شرعًا) ولهذا لا يحبها ولا يرضاها تعالى، بل أمر عباده ببغضها ومجاهدة أهلها. كما قال (ولا يرضى لعباده الكفر) مع أن الكفر واقع في الأرض.

والأعمال الصالحة الواقعة من العباد قد شاءها الله وأرادها (كونًا) ، وأرادها (شرعًا) . ولهذا فهي محبوبة مرضية عنده تعالى.

ومن لم يفرق بين الإرادتين وقع في تخبط عظيم يؤدي به إلى الرضا بالكفر والبدع والفسوق والمعاصي زاعمًا -بجهله- أن الله قد (شاءها) و (أرادها) ! فلماذا الإنكار على أهلها أو دعوتهم إلى الحق؟! (21)

يقول ابن القيم -رحمه الله-:"فصل: وهاهنا أمر يجب التنبيه عليه والتنبه له، وبمعرفته تزول إشكالات كثيرة تعرض لمن لم يحط علمًا، وهو أن الله سبحانه له الخلقُ والأمر. وأمره سبحانه نوعان: أمر كوني قدري، وأمر ديني شرعي."

فمشيئته سبحانه متعلقة بخلقه وأمره الكوني، وكذلك تتعلق بما يحب وبما يكرهه، كله داخل تحت مشيئته، كما خلق إبليس وهو يبغضه، وخلق الشياطين والكفار والأعيان والأفعال المسخوطة له وهو يبغضها، فمشيئته سبحانه شاملة لذلك كله.

وأما محبته ورضاه فمتعلقة بأمره الديني وشرعه الذي شرعه على ألسنة رسله، فما وُجد منه تعلقت به المحبة والمشيئة جميعًا فهو محبوبٌ للرب واقع بمشيئته، كطاعات الملائكة والأنبياء والمؤمنين.

وما لم يُوجد منه تعلقت به محبته وأمره الديني ولم تتعلق به مشيئتهُ.

وما وُجد من الكفر والفسوق والمعاصي تعلقت به مشيئته -أي الكونية- ولم تتعلق به محبته ولا رضاه ولا أمره الديني.

وما لم يُوجد منها لم تتعلق به مشيئته ولا محبته.

فلفظ المشيئة كوني، ولفظ المحبة ديني شرعي، ولفظ الإرادة ينقسم إلى إرادة كونية فتكون هي المشيئة، وإرادة دينية فتكون هي المحبة.

إذا عرفت هذا فقوله تعالى: (ولا يرضى لعباده الكفر) ، وقوله: (لا يحب الفساد) ، وقوله: (ولا يريد بكم العُسر) ، لا يناقض نصوص القدر والمشيئة العامة الدالة على وقوع ذلك بمشيئته وقضائه وقدره، فإن المحبة غيرُ المشيئة، والأمر غير الخلق". (شفاء العليل 1/141-142) ."

وقال ابن أبي العز -رحمه الله- في شرح الطحاوية:"ومنشأ الضلال: التسوية بين المشيئة والإرادة، وبين المحبة والرضا، فسوى بينهما الجبرية والقدرية، ثم اختلفوا، فقالت الجبرية: الكون كله بقضائه وقدره، فيكون محبوبًا مرضيًا، وقالت القدرية النفاة: ليست المعاصي محبوبة لله، ولا مرضية له، فليست مقدرة، ولا مقضية، فهي خارجة عن مشيئته وخلقه". (شرح الطحاوية، ص324) .

وفي ظني أن الذي أوقع الباحثَيْن في هذا الانحراف انصرافهما إلى قراءة كتب العصريين الذين لا يفقهون عقيدة السلف الصالح في هذه المسألة، ولهذا يخلطون كثيرًا بين المشيئتين والإرادتين لأن هذا موافق لأهوائهم في عدم التفريق بين أهل الحق وغيرهم (22) .

المغالطة الثانية:

تلبيسهما على القارئ بافترائهما على شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بأنه ألف كتابه"رفع الملام عن الأئمة الأعلام"للاعتذار عن انحرافات المبتدعة من جهمية ومعتزلة وأشاعرة وصوفية !! (ص6) .

وهو -رحمه الله- إنما ألف كتابه هذا ملتمسًا العذر لأئمة أهل السنة والجماعة -أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد- فيما قد يقع في أقوالهم من مخالفة لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، عازيًا هذه المخالفة إلى أسباب (23) : إما عدم اعتقاد الإمام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحديث، أو اعتقاد أنه لم يرد تلك المسألة بهذا الحديث، أو اعتقاد أن الحكم منسوخ. هذه خلاصة رسالة شيخ الإسلام -رحمه الله-، فلا علاقة لها بالاعتذار عن المبتدعة والمنحرفين عن طريق أهل السنة والجماعة -كما يدعي الباحثان-!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت