ما هذه العناية الشديدة"بتحرير"المرأة المسلمة و"تعليم"المرأة المسلمة و"الارتقاء الاجتماعي والنفسي"للمرأة المسلمة ؟! وممن ؟! من المبشرين ومؤتمرات التبشير ؟! ومتى !؟ عندما يكون هناك"خطر"من قيام نهضة في العالم الإسلامي ! وعندما يكون المطلوب اتخاذ قرارات ضد هذه النهضة ؟!
ما هذه العناية الشديدة بهذا كله ، وما علاقة تحرير المرأة وتعليمها وترقيتها اجتماعيًا ونفسيًا ، بالقرارات التي تتخذ لقتل الإِسلام والإِجهاز عليه قبل أن يحاول النهوض من جديد ؟!
أليس هذا كلامًا يلفت النظر ؟ أليس كلامًا له خبئ ؟!
نعم .. لقد كانت حركة"تحرير المرأة المسلمة"من أخبث ما قام به الاستعمار الصليبي من حركات ، لتفتيت كيان الإسلام ومحاولة اقتلاعه من الجذور. فقد كانت كفيلة - وحدها - ببث الانحلال الخلقي والفكري والديني في الشعوب المسلمة ، بما تعجز عنه الوسائل الباقية كلها مجتمعات ..
حين تخرج المرأة عارية في الطريق ، تعرض فتنتها لكا راغب ، وتثير في الرجل شهوة الحيوان .. عندئذ لا إسلام ولا دين ولا عقيدة .. ولا تماسك في أخلاق الشعب ولا صمود .. ويجد الاستعمار الصليبي فرصته السانحة لتسديد الضربة الأخيرة .. ضربة الإجهاز ...
ويتراءى للنفوس ذلك السؤال: أو لم تكن المرأة المسلمة في حالة من الجهالة والتأخر والانحطاط والجمود والعبودية تحتاج معها إلى"تحريرها"وتعليمها ، وترقيتها اجتماعيًا ونفسيًا ؟!
بلى . من غير شك ..
ولكن الاستعمار الصليبي حين أقدم على ذلك لم يكن بطبيعة الحال يعمل لصالح المرأة المسلمة ولا المجتمع المسلم ، وقد سبق من كلام المبشرين أنهم يعملون على تفتيت هذا المجتمع وإفساد أخلاقه وتذويب عوامل القوة فيه وتحويلها إلى عوامل ضعف ..
فحين"حرر"المرأة لم يحررها للنهوض بالمجتمع وترقيته والارتفاع به كما زعم ، وكما زعم أجراؤه من بعده ، وإنما"حررها"ليفسدها هي أولا ويفسد معها بقية المجتمع .
وحين"علمها"، كان يعلمها لتعرف الفساد وتتقنه ، وتجعله فسادًا قائمًا"على أصول"! أصول تربوية مرة ، وسيكلوجية مرة ، واجتماعية وفكرية مرة ... وهو في كل مرة فساد .
وحين"ارتقى بها اجتماعيًا ونفسيًا"، كان يقصد إلى الانحدار بها في هوة الفتنة والغواية ، حيث تبقى هناك إلى ما شاء الله .. ترتكس على الدوام .
وكان له بالفعل ما أراد ...
والتحرر .. والتعليم .. والارتقاء الاجتماعي والنفسي .. كله من أهداف الإِسلام بالنسبة للمرأة المسلمة . ولكنه لا يقوم على أساس الانحلال الخلقي والديني كما أراده الاستعمار الصليبي للقضاء على الإسلام . وإنما يقوم على أسسه الرفيعة التي تحقق للفرد البشري أعلى ما في طوقه من الرفعة والتكريم ، مع المحافظة على نظافة المجتمع ونظافة الأخلاق ( ) .
وقد تحدثت في كتب أخرى عن وضع المرأة كله في الإِسلام ، وما أريد أن أعيد هنا ما قلته هناك . ولكني أشير فقط ، بصدد الحديث عن الاستعمار الصليبي في العالم الإِسلامي ، إلى أن قضية المرأة و"تحريرها"كانت أكبر فتنة اجتماعية وضعها ذلك الاستعمار لتفتت المجتمع الإِسلامي كله ، كما يفتت البارود أصلب الصخور .
وبجانب هذا الكيد كله كانت الجهود التبشيرية"العلمية !"التي يقوم بها المستشرقون !
ولقد أدى المستشرقون دورهم"بإخلاص"فأحدثوا أكبر فتنة فكرية كان في طوقهم أن يحدثوها في العالم الإِسلامي .. بين"المثقفين"من أبنائه . وقد مهدت لهذه الفتنة طريقة الدراسة ذاتها في المدرسة الابتدائية والثانوية ، ثم في"المدارس العليا".. وفي الجامعة بعد ذلك ، حين حلت الجامعة مكان تلك المدارس بالتدريج .
ولئن كان"التبشير"كان مقصودا به العوام من الناس ، حسب ما جاء في كتبهم ، وحسب ما كان واقعًا بالفعل ، من اندساسهم بين الجهلة والعوام في المدن والأرياف ، فقد كان الجهد الاستشراقي موجها إلى"المثقفين"، فهم الذين يدركون"القضايا"التي يثيرها المستشرقون ضد الإِسلام ، من فكرية وفلسفية وتشريعية واجتماعية واقتصادية ، ويتأثرون بها وقد حُقِنُوا من قبل"بمبادئ"هذه السموم في المدارس والجامعات ، وصاروا مستهدفين لها ، سريعي الاستجابة إليها .. ثم هم الذين يمكن أن يوكل إليهم بعد ذلك أن ينشروا هذه السموم ذاتها في الأجيال التالية: في كتبهم وصحفهم ، ومدارسهم وجامعاتهم ، وبيوتهم نواديهم ، بحيث يجيء على مرور الأيام جيل"مثقف"لا يعرف عن الإِسلام إلا الشبهات !
وقد ناقشت في كتاب"شبهات حول الإِسلام"كثيرا من الشبهات التي يلقيها المستشرقون حول الإِسلام ، والتي ورثها من بعدهم الشيوعيون وأضافوا إليها في الجانب الاقتصادي ما لم يكن المستشرقون الغربيون يعنون به كثيرا من قبل ، في مسائل الملكية الفردية والإِقطاع والرأسمالية .. إلخ . ولم أناقش في ذلك الكتاب شبهات العقيدة ، والوحي ، وصحة النبوة .. إلى آخر تلك السخافات التي يمعن المستشرقون في إثارتها بلجاج وسخف والتواء ، لأنني - في ذلك الكتاب خاصة - كنت مشغولًا بالإِسلام كواقع حيّ يعيش في المجتمع وينظم علاقات أفراده بعضهم ببعض ، لا من حيث هو"نظرية عقيدية"تشغل الذهن أكثر مما تشغل الحياة . ولأنني أحس - دائما - أن مجادلات المستشرقين في"العقيدة"و"الوحي"و"النبوة"أسخف من أن يتصدى لها أحد بالجدال ، ويكفي - مثلا - أن رجلا كمرجليوث ، يعتبر من أئمة المستشرقين ، وله هنا في بلادنا تلاميذ"عظام !"يدعون له ولأفكاره بشأن الشعر الجاهلي والقرآن ، يقول في بحثه عن الإِسلام في موسوعة تاريخ العالم Universal History of the World إن محمدا صلى الله عليه وسلم مجهول النسب ، لأنه محمد"ابن عبد الله".. وقد كان العرب يطلقون على من لا يعرفون نسبه اسم عبد الله !!!
محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم .. بن قصي .. محمد رسول الله ، مجهول النسب في بيئة لا تعرف شيئًا كما تعرف الأنساب ، ولا تعتز بشيء كم تعتز بالأنساب ، وهو يتحدى آلهتها وتقاليدها وعبادتها وعاداتها وأوضاعها كلها بنسبه المجهول !!!
فأي سخف وأي تفاهة في التفكير والتعبير ؟!
وعلى أي حال فلست بصدد الرد على التواءات المستشرقين ومجادلاتهم بشأن الإَسلام ، وإنما أنا أسجل فقط خطوات التاريخ .
وأقتطف هنا سطورا موحية من كتاب"الإِسلام على مفترق الطرق"تأليف ليوبولد فايس ( محمد أسد ) وترجمة عمر فروخ . يقول في ص 58 - 59