"وبعد بضعة عقود جاء زمن أخذ فيه علماء الغرب يدرسون الثقافات الأجنبية ويواجهونها بشيء من العطف ، أما فيما يتعلق بالإِسلام فإن الاحتقار التقليدي أخذ يتسلل في شكل تحزب غير معقول إلى بحوثهم العلمية . وبقي هذا الخليج الذي حفره التاريخ بين أوربة والعالم الإِسلامي غير معقود فوقه بجسر . ثم أصبح احتقار الإِسلام جزءا أساسيًا من التفكير الأوربي . والواقع أن المستشرقين الأولين في الأعصر الحديثة كانوا مبشرين نصارى يعملون في البلاد الإِسلامية ، وكانت الصورة المشوهة التي اصطنعوها من تعاليم الإِسلام وتاريخه مدبرة على أساس يضمن التأثير في موقف الأوربيين من"الوثنيين" ( أي المسلمين ! ) غير أن هذا الالتواء العقلي قد استمر ، مع أن علوم الاستشراق قد تحررت من نفوذ التبشير ، ولم يبق لعلوم الاستشراق هذه عذر من حمية دينية جاهلية تسيء توجيهها . أما تحامل المستشرقين على الإِسلام فغريزة موروثة وخاصة طبيعية تقوم على المؤثرات التي خلقتها الحروب الصليبية ، بكل ما لها من ذيول ، في عقول الأوربيين الأولين".
ولقد أدى المستشرقون خدمات جليلة للمباحث الإِسلامية دون شك ... فطريقتهم المنظمة ، وصبرهم العجيب على استخلاص النصوص وتحريرها - وإن كانت لهم أخطاء كثيرة في فهم النصوص وتفسير الأحداث - وجلدهم المثالي على الغوص في بطون الكتب العربية القديمة التي لا رابط في تأليفها ولا نظام ، والتي لا يصبر عليها العرب أنفسهم أصحاب هذه اللغة وحماتها والقائمون عليها ، ولا يتجهون إلى البحث فيها وهي تراثهم الذي ينبغي عليهم حفظه ونشره والاستفادة به .
كل هذه الصفات النادرة ، والجهود الضخمة التي بذلوها في بعث النصوص القديمة ونشرها ، على الرغم من الأخطاء الكثيرة - المضحكة أحيانًا - في الفهم والتأويل .. ينبغي أن تسجل لهم بالحق . ولكن العبرة - مع ذلك - ليست بالجهد الذي بذل ، إنما العبرة بالهدف الذي بذل هذا الجهد من أجله وعمل في سبيله . هل كان هذا الهدف هو"خدمة"الإِسلام ، أم تشويه الإِسلام وتلويث صورته في النفوس ؟
وهل كان"ضمير العالِم"هو الذي يسيطر على المستشرقين في هذا الجهد المضني الذي بذلوه ، أم كان المبشر المختفي في إهاب المستشرق ، هو الذي يدفع هذا الجهد ويغذيه ؟!
وأين هو ضمير العالم في مرجليوث الذي يحاول التشكيك في نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم .. في الجزيرة العربية التي كان حفظ الأنساب عندها"فريضة"مقدسة تفرضها البيئة والتقاليد ؟
وأين هو في جرونيباوم الذي يقول في كتابه"الإسلام"إن العلم كان مطلوبا منه في نظر الإِسلام أن يخدم الدين .. أي أمور الآخرة ( ! ) في حين يقرر في نفس الكتاب أن الإِسلام بالذات نظام دنيوي أخروي في آن واحد ، لا ينفصل فيه الدين عن الدنيا ، ولا المجتمع عن الشريعة !
وأين هو في فلهوزن في كتابه"الدولة العربية"حيث يقول إن أبا بكر وعمر اغتصبا الخلافة من المسلمين اغتصابا ( ولو قال من عليّ كرم الله وجهه لكانت هناك وجهة نظر على الأقل ! ولكنه يقول من المسلمين ! ) وإن محمدا صلى الله عليه وسلم هادن اليهود وحالفهم وهو ضعيف القوة ، فلما قوي"انقلب"عليهم ، وطردهم بدافع من القومية !! ولا يذكر ما يسجله التاريخ من أن اليهود هم الذين نقضوا عهدهم مع المسلمين ، وفعلوا كل ما يفعله المحارب من تأليب المشركين عليهم في مكة ، والتآمر مع المنافقين في المدينة ، ونشر الأراجيف .. وأخيرًا الاعتداء الشائن على امرأة من المسلمين .
وأين هو في جولدتسيهر في كتابه"العقيدة والشريعة في الإِسلام"الذي يقول فيه إن الإِسلام ليس فيه شيء جديد"لا في الأفكار ولا فيما يتصل بعلاقة الإِنسان بما هو فوق حسه وشعوره وباللانهاية"إذ هو في نموه مصطبغ بالأفكار والآراء الهلينستية ، ونظامه الفقهي الدقيق مستمد من القانون الروماني ، ونظامه السياسي متأثر بالنظريات السياسية الفارسية وتصوفه يمثل تيارات الآراء الهندية والأفلاطونية الجديدة !!!
وأين هو في"قايين رابن"تلميذ مرجيليوث في كتاب:"اللغات القديمة في غربي بلاد العرب"الذي يقول فيه إن القرآن قد احتوى على أخطاء لغوية ونحوية ( !! ) وإن المسلمين على مر الأجيال قد صححوا كثيرًا منها ولكن ما زال بعضها باقيا حتى اليوم !
إلى آخر هذا اللغو الذي لا يحترمه عقل ولا علم ولا ضمير ..
ومع ذلك كله فللمستشرقين في الشرق الإِسلامي معجبون كثيرون .. وتلاميذ !
وتصل الفتنة إلى حد أن بعض المسلمين أنفسهم ، ممن لا يشك الإِنسان في ضمائرهم ، يخدعون في كتاباتهم فيجعلونها مراجع لهم لا في البحث عن الحوادث التاريخية ، ولا في تحرير النصوص ؛ بل في البحث عن أصل التصور الإِسلامي ، وفي تفسير أحداث التاريخ الإِسلامية ، حتى شخصيات العصر الأول .. دون فطنة إلى أن الهدف الأول للاستشراق - سواء أكان ظاهرا أم خفيا - كان تلبيس هذه العقيدة ، وإلقاء الغبش في التصور الإِسلامي ، والتشكيك في الشخصيات موضع القدوة ، وفي دوافع الرجال الكرام الذين أسسوا هذا الدين .
فإذا كانت الفتنة تصل إلى هذا الحد عند هؤلاء"المسلمين"ضميرًا وثقافة .. فكيف هي عند"رعاع"المثقفين الذين لا يعرفون عن الإسلام إلا ما يقوله لهم هؤلاء المستشرقون ، وكيف هي عند المتحللين المنسلخين من هذا الدين ، الذين تتفتح نفوسهم وتشرق لهذا الطعن والتشويه ، بقدر ما تنقبض من كل كلام يصحح الأفهام ويذكر الحقائق كما أنزلها الله وعرفها المسلمون ؟! ( وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) ( ) .
نعم . لقد كان جهد المستشرقين جزءًا من الكيد المنظم لهذا الدين .
وهو جهد خبيث ...
فقد تعلموا من بدء المعركة أن المهاجمة الصريحة للمسلمين في عقيدتهم ليس لها نتيجة سوى استفزاز مشاعرهم وإيقاظهم إلى الكيد المرصود لهم ، فيزيدهم ذلك تمسكا بالدين !
لذلك لجأوا إلى طريق أخبث .. هو دس السم في العسل كما يقولون ... فهم يبدأون بتمجيد الإِسلام ورسوله ، والإِشادة بالفضائل الجمة العالية التي يشتمل عليها هذا الدين ... فإذا اطمأن المسلم إلى أنه في جوٍ صديق لا يضمر له السوء ، وألقى سلاح الانتباه واليقظة ... فهنالك يُدَسّ له السم وهو غافل ، وتوضع - في وسط التمجيد - تلك الغمزات والتشويهات ، التي تصل في النهاية إلى تشكيك الناس في حقائق عقيدتهم ، ونمو الشبهات خفية في داخل النفس أو علانية في وضح الذهن !
وهذه هي الخدعة الماكرة .. فمن ذا الذي يشك - وهو يرى كاتبا مسيحيا لا يؤمن بالإِسلام يكيل له هذا المديح كله - من ذا الذي يشك بعد ذلك في صدق كل حرف يقوله ، وفي أن هذه المطاعن موجودة حقيقة في الدين ، وإنما كان يخفيها عن بصيرته التسليم الأعمى الموروث ، حتى قيض الله له ذلك"العالم النزيه"ليكشف له عن الأباطيل ، ويريه الحقائق في وضح النور .. وفي ضوء"العلم"الذي لا يتحيز ولا يميل ؟!!
فإذا هززت أحدهم من غفوته وغفلته .. وقلت له كيف تنتظر من غير مسلم أن يقول لك الحق في أمر الإِسلام ؟! وكيف تتخذ منه مصدر المعرفة في أمر دينك وهو لا يؤمن بهذا الدين ؟ قال - بلسانه ، وهو ما يزال في غفلة المبهور - حقًا إنه لا يؤمن بالإِسلام .. ولكنه يبحث بحثًا"علميًا"حرًا لا علاقة له بالدين !!!