الأولى سبق الإِشارة إليها ولكنها هن تصاغ بصورة أوضح وأصرح ، وهي أن الجهود التي تبذل ، هي في سبيل التربية النصرانية ، لا في سبيل نشر الحضارة من حيث هي تراث إنساني لا يعرف الدين ولا الوطن ، وتشترك فيه البشرية بكاملها ، كما كان يخيل للمستغفلين من المسلمين في الشرق ، إزاء أعمال"التمدين"التي يقوم بها الاستعمار في البلاد الإِسلامية ، وكما كان يزعم المأجورون من دعاة هذا الاستعمار أو المتسممون بسمومه .
إنها في صراحة ووضوح جهود تبذل في سبيل التربية النصرانية ، ويصاحبها ويلازمها نزع الاعتقادات الإِسلامية من النفوس .
والثانية أن التقسيم السياسي الذي طرأ على الإِسلام سيمهد السبل لأعمال المدنية"الأوربية"أي - كما شرحها شاتلييه - المدنية النصرانية ..
وهذا التقسيم السياسي الذي يشير إليه الكاتب هو تفتت العالم الإسلامي إلى دويلات شبه مستقلة ، يقوم بالحكم فيها حاكم شبه مستقل ، أو طامع في الاستقلال ، يتبناه الاستعمار الصليبي وينفخ فيه من روح الشيطان .
هذا التفتيت كان عملية مقصودة ولا شك ، ليتم الغزو ، الديني والحربي ، بصورة أسرع وأيسر مما لو كان العالم الإِسلامي وحدة - مهما يبلغ من ضعفها فهي صعبة التفتيت ، وتجزئتها تزيدها ضعفا على أي حال .
ثم إن هذا يؤيد يؤكد ما سبق أن ذكرناه ، وكررناه ، من أن المدنية الأوربية بذاتها - أو"التطور"كما يلذ"للمثقفين"أن يسموه - لم يكن مستطيعًا وحده أن يفسد من العالم الإِسلامي ما أفسد ، لولا هذا الدك المستمر في قلاعه على أيدي الاستعمار الصليبي ، بنزع العقيدة الإِسلامية من النفوس بكل وسيلة يملكها المبشرون والمستعمرون .
وقد كانت هذه المقدمة في الحقيقة كافية لتوضيح ما نقصد إليه من هذه المقتطفات . كافية لبيان الكيد الذي دبر للإِسلام للقضاء عليه منذ قرن مضى ، ولبيان أن هذا الكيد ذاته هو الذي ما يزال يجري عليه العالم الصليبي في علاقاته مع العالم الإِسلامي ، مع فارق واحد ، أنه لم يعد - دائمًا - يعلن عن أهدافه - فيما عدا صراحات رجل كالمسيو بيدو في فرنسا - وإنما صار أميل إلى إخفائها والتستر عليها ، بل نفيها أحيانًا بكل وسيلة ممكنة .. وذلك لسببين:
الأول: أن هذا الكيد قد فعل فعله في حقيقة الواقع ، وما تزال دفعته سارية ، فيحسن التستر عليها حتى تؤدي عملها في هدوء ، ويحسن عدم التشويش عليها بما يوقظ الناس إلى حقيقة أهدافها .
والثاني: أن الاستعمار الصليبي قد وجد أسناده الداخليين - من بين المسلمين الذين استُعمرت أرواحهم وتسممت نفوسهم - الذين يكل إليهم المهمة الكبرى في تحطيم العقيدة الإِسلامية ، دون أن يتدخل تدخلا سافرًا كما كان مضطرًا قبل نصف قرن ، ودون أن ينكشف للناظرين .. وجد أسناده الداخليين في كل مكان في العالم الإٍسلامي ، من"الكتّاب"و"المفكرين"و"الموجهين"و"المثقفين"و"التحرريين"و"التقدميين"و"التطوريين".. وغيرهم ممن يملكون التوجيه والتأثير .. يسند إليهم المهمة ويستريح ، ويقف ساخرًا يفرك يديه من غفلة المستغفَلين وسهولة الكيد على الكائدين !
كانت المقدمة التي كتبها شاتلييه واقتطفنا منها هذه الفقرات كافية لبيان هذا كله ، بحيث نستغني عن مزيد من المقتطفات من البحث نفسه المسمى"غزو العالم الإِسلامي"أو"الغارة"عليه . لولا أن في بقية الكتاب تفصيلات نافعة في الخطوات التي اتخذها الاستعمار الصليبي لقتل العقيدة في نفوس المسلمين وتحويلهم عنها . تفصيلات قد تزيد علمنا بالوسائل ، إن لم تزد علمنا بالأهداف .
ينقسم الكتاب إلى فصول مختلفة عن"تاريخ التبشير"و"مؤتمر القاهرة التبشيري سنة 1906"و"مؤتمر أدنبره التبشيري سنة 1910"و"المؤتمر الاستعماري الألماني"و"مؤتمر لكنو التبشيري سنة 1911"و"التنظيم المادي لإِرساليات التبشير"و"مقاصد المبشرين وآمالهم في المستقبل". وفي كل فصل من هذه الفصول تفصيلات مختلفة . ولا يهمنا هنا أن نسير مع هذه التفصيلات ولا أن نقتطف من كل الفصول . وإنما نكتفي فقط بالعبارات ذات الدلالة ، كما صنعنا من قبل في مقدمة شاتلييه .
جاء في ص 33 من الكتاب ( في فصل"مؤتمر القاهرة سنة 1906") .
"أما الذين تعلموا على الطريقة الشرقية في الأزهر وما يماثله ، فلم يتكلم أعضاء المؤتمر عنهم إلا بعض اقتراحات ونظريات: من ذلك أن أحد أعضاء المؤتمرأفاض في وصف ما للجامع الأزهر القديم من النفوذ ، وإقبال الألوف عليه من الشبان المسلمين في كل أقطار العالم . وتساءل عن سر نفوذ هذا الجامع منذ ألف سنة إلى الآن . ثم قال: إن السنيين من المسلمين رسخ في أذهانهم أن تعليم العربية في الجامع الأزهر متقن ومتين أكثر منه في غيره ، والمتخرجون في الأزهر معروفون بسعة الاطلاع على علوم الدين ، وباب التعليم مفتوح في الأزهر لكل مشايخ الدنيا خصوصا وأن أوقاف الأزهر الكثيرة تساعد على التعليم فيه مجانا ، لأن في استطاعته أن ينفق على 250 أستاذًا . ثم تساءل عما إذا كان الأزهر يتهدد كنيسة المسيح بالخطر . وعرض اقتراحا يريد به إنشاء مدسة جامعة نصرانية تقوم الكنيسة بنفقاتها ، وتكون مشتركة بين كل الكنائس المسيحية في الدنيا على اختلاف مذاهبها لتتمكن من مزاحمة الأزهر بسهولة ، وتتكفل هذه المدرسة الجامعة بإِتقان تعليم اللغة العربية ."
"وختم كلامه قائلا: ربما كانت العزة الإِلهية قد دعتنا إلى اختيار مصر مركز عمل . لنسرع بإنشاء هذا المعهد المسيحي لتنصير الممالك الإِسلامية" ( !! ) .
الأزهر إذن يتهدد كنيسة المسيح بالخطر ! وينبغي لذلك إزالته من الطريق ! ولكن كيف وهو راسخ القدم منذ ألف سنة أو تزيد ؟! الطريق هو إزالة"تفرده"الذي تفرد به هذه الألف من السنين ! فإذا أصبح له شبيه من أي نوع ، فقد ذهبت قيمته وانصرف الناس عنه إلى شيء جديد !
وجاء في ص 36 من نفس الفصل:
"خاض المؤتمر بعد ذلك في مسألة إرساليات التبشير الطبية ، فقام المستر هاربر وأبان وجوب الإكثار من الإِرساليات الطبية ، لأن رجالها يحتكون دائما بالجمهور ، ويكون لهم تأثير على المسلمين أكثر مما للمبشرين الآخرين".
وفي ص 37:"يجب على طبيب إرساليات التبشير أن لا ينسى ولا في لحظة واحدة أنه مبشر قبل كل شيء ثم هو طبيب بعد ذلك".
ولا يهمنا من هذه الفقرات أكثر من التذكير ببعض وسائل التبشير ، وكيف كانت"الخدمات الإنسانية !"تتخذ وسيلة لتحطيم الدين !
وجاء في ص 48:
"والنتيجة الأولى لمساعي هؤلاء ( المبشرين ) هي تنصير قليل من الشبان والفتيات ، والثانية تعويد كل طبقات المسلمين أن يقتبسوا بالتدريج الأفكار المسيحية".
ومن قبل في ص 47:
"ينبغي للمبشرين أن لايقنطوا إذا رأوا نتيجة تبشيرهم للمسلمين ضعيفة ، إذ من المحقق أن المسلمين قد نما في قلوبهم الميل الشديد إلى علوم الأوربيين وتحرير النساء".
وسنعود إلى موضوع تحرير النساء مرة أخرى فنتحدث عنه بشيء من التفصيل . أما هنا فنلفت النظر إلى أن المبشرين في ذلك الوقت ( سنة 1906 ) كانوا قد كفّوا عن التطلع إلى تنصير المسلمين بمعنى تحويلهم إلى اعتناق المسيحية ، واكتفوا بما يغني - في نظرهم وفي الحقيقة - عن هذا التنصير ، وهو"تعويد كل طبقات المسلمين أن يقتبسوا بالتدريج الأفكار المسيحية"أو"الميل الشديد إلى علوم الأوربيين".