فهرس الكتاب

الصفحة 3022 من 3028

"نعم ، إن غاية المدرسة اليسوعية ( في بيروت وهي من مدارس الرهبان ) وطريقة التعليم فيها تختلفان عن غاية وطريقة المدرسة الكلية الفرنساوية في الأستانة ( وهي من المدارس العلمانية ) إلا أن النتائج كانت متقاربة من حيث تعميم التعاليم والأفكار التي تنشرها اللغة الفرنسية . ومن هذا يتبين لنا أن إرساليات التبشير الدينية التي لديها أموال جسيمة وتدار أعمالها بتدبير وحكمة ، تأتي بالنفع الكثير في البلاد الإِسلامية ، من حيث إنها تبث الأفكار الأوربية".

ثم يمضي في المقدمة فيستشهد بهذه الفقرة من كلام الأب زويمر ( وهو مبشر بروتستانتي كان له نشاط في نهاية القرن الماضي وأوائل هذا القرن في الشرق الإِسلامي ومصر خاصة ، وهو منشئ مجلة العالم الإِسلامي الإِنجليزية ) :

"إن لنتيجة إرساليات التبشير في البلاد الإِسلامية مزيتين: مزية تشييد ومزية هدم . أو بالحرى مزيتي تحليل وتركيب . والأمر الذي لا مرية فيه هو أن حظ المبشرين من التغيير الذي أخذ يدخل على عقائد الإِسلام ومبادئه الخلقية في البلاد العثمانية والقطر المصري وجهات أخرى هو أكثر بكثير من حظ الحضارة الغربية منه".

وهو كلام له خطورته بصفة خاصة . فهو يقرر صراحة أن التغيير الذي دخل على عقائد الإِسلام ومبادئه الخلقية يرجع إلى نشاط التبشير - الذي يحميه الاستعمار ويمكّن له - أكثر مما يرجع إلى الحضارة الغربية بذاتها . وهذا يؤيد ما قدمنا به لهذه المقتطفات ، من أن موجة"التطور"العالمية - أي الغربية في الحقيقة - لم تكن بذاتها مستطيعة أن تصنع هذا الصنيع كله في العالم الإسلامي ، فتدمر عقائده وأخلاقه ، لولا الاستعمار الصليبي الذي مهد لها ، ومكنها من تسديد الضربات القاصمة لصرح الإسلام .. وهو قول يعترف به المبشرون الغربيون أنفسهم ، ثم ينكره كثير من"المسلمين"! مؤرخين وغير مؤرخين !

ونمضي في المقتطفات .. يقول شاتلييه بعد ذلك في المقدمة:

"ولا شك في أن إرساليات التبشير من بروتستانتية وكاثوليكية تعجز عن أن تزحزح العقيدة الإِسلامية من نفوس منتحليها ، ولا يتم لها ذلك إلا ببث الأفكار التي تتسرب مع اللغات الأوربية . فبنشرها اللغات الإِنجليزية والألمانية والهولندية والفرنسية يحتك الإِسلام بصحف أوربا وتتمهد السبل لتقدم ( ! ) إسلامي مادي ، وتقضي إرساليات التبشير لبناتها من هدم الفكرة الدينية الإسلامية التي لم تحفظ كيانها وقوتها إلا بعزلتها وانفرادها".

وهو كلام كذلك له خطورته . فهو يبين لنا - فيما أحسب - هدف الاستعمار الصليبي من نشر اللغات الأوربية في البلاد الإسلامية التي يستعمرها . إنه أولا وقبل كل شيء هدم الفكرة الدينية الإِسلامية .. ثم إنشاء أي شيء بعد ذلك ، أو عدم إنشاء شيء على الإطلاق ! فالمهم هو الهدم وليس هو الإِنشاء .. باعتراف شاتلييه نفسه إذ يقول في الفقرة التالية:

"ولا ينبغي لنا أن نتوقع من جمهور العالم الإِسلامي أن يتخذ له أوضاعا وخصائص أخرى إذا هو تنازل عن أوضاعه وخصائصه الاجتماعية ( المستمدة من الفكرة الإِسلامية ) إذ الضعف التدريجي في الاعتقاد بالفكرة الإِسلامية وما يتبع هذا الضعف من الانتقاض والاضمحلال الملازم له ، سوف يفضي بعد انتشاره في كل الجهات إلى انحلال الروح الدينية من أساسها لا إلى نشأتها بشكل آخر":

كلام صريح لا يحتاج إلى تعليق .. فتعليم اللغات الأوربية هدفه إضعاف الاعتقاد بالفكرة الإِسلامية . وهذا الضعف مقدر له - في علم الاستعمار الصيبي وتدبيره - أن يتبعه انتقاض واضمحلال ملازم له .. وهذا هو المطلوب !

وهنا نقف لحظة لنرد على هذا السؤال: هل كنا نمتنع إذن عن تعلم اللغات الأوربية - وهي الوسيلة الكبرى أو الوحيدة للمعرفة في الوقت الحاضر - بسبب أن الاستعمار يستخدمها لإِضعاف العقيدة الإِسلامية ؟

كلا ! فالامتناع عن تعلم اللغات وإقفال باب المعرفة حماقة لا يطلبها لنفسه عاقل ! وإنما السبيل هو أن نتعلمها بوعينا وإرادتنا ، لا على النحو الذي يريده لنا الاستعمار . نتعلمها كما تعلم المسلمون الأوائل اليونانية والفارسية والهندية - لغات العلم يومئذ والمعرفة - دون أن تتأثر بذلك عقيدتهم ، بل تعلموها لخدمة هذه العقيدة ومد نشاطها إلى كل فروع المعرفة .. ويومها أصبح المسلمون هم علماء الأرض .. مع بقائهم مسلمين !

ووقفة أخرى - لا يملك الإنسان نفسه إزاءها - ليقارن بين هذا الصنيع الصليبي في العام الإِسلامي ، وبين ما صنعه الإِسلام في البلاد المفتوحة ، ليتبين لنا الفرق بين اتجاه واتجاه !

فما لا شك فيه أن المسلمين نشروا لغتهم العربية في البلاد التي فتحوها ، وأنهم فتحوا هذه البلاد لينشروا فيها الإِسلام .. ولكن أي فرق .. !

لم يحفظ التاريخ قط أن المسلمين سعوا بأية وسيلة ملتوية إلى"استلاب"الناس من عقيدتهم وأفكارهم ليدخلوا الإِسلام ! وإنما كانت الدعوة صريحة مكشوفة لا تحايل فيها ، ولا ضغط كذلك ولا إكراه .

يقول ت. و. أرنولد - وهو كاتب مسيحي ، فوق مستوى الشبهات فيما نحن بصدده ! - في كتابه"الدعوة إلى الإٍسلام The Preaching of Islam"ص 48 من الترجمة العربية لحسن إبراهيم حسن وآخرين:

"ويمكننا أن نحكم من الصلات الودية التي قامت بين المسيحيين والمسلمين من العرب ، بأن القوة لم تكن عاملا حاسما في تحويل الناس إلى الإِسلام . فمحمد نفسه قد عقد حلفا مع بعض القبائل المسيحية ، وأخذ على عاتقه حمايتهم ومنحهم الحرية في إقامة شعائرهم الدينية ، كما أتاح لرجال الكنيسة أن ينعموا بحقوقهم ونفوذهم القديم في أمن وطمأنينة"

ويقول في ص 51:"ومن الأمثلة التي قدمناها آنفًا عن ذلك التسامح الذي بسطه المسلمون الظافرون على العرب المسيحيين في القرن الأول من الهجرة ، واستمر في الأجيال المتعاقبة ، نستطيع أن نستخلص بحق أن هذه القبائل المسيحية التي اعتنقت الإِسلام ، إنما فعلت ذلك عن اختيار وإرادة حرة . وإن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات مسلمة لشاهد على هذا التسامح".

ثم إن نشر اللغة العربية في البلاد المفتوحة ، الذي كان مقصودا به ولا شك فتح الباب السلمي لاطّلاع الناس على العقيدة الجديدة ، حتى يعتنقوها - إذا أعجبتهم - دون إكراه ، ( ) لم يكن مقصودا به ، ولا هو أدى قط إلى الاضمحلال والانتقاض ، ولا إلى انحلال الروح الدينية من أساسها بحيث لا تنشأ بشكل آخر ، مما يصرح شاتلييه أنه هدف الاستعمار الصليبي ، وإنما كان مقصودا به ، وأدى بالفعل إلى إنشاء الروح الدينية الصحيحة بصورة قوية بناءة في واقع الحياة .

ويكفي هذا التفريق .. ونمضي في الطريق ، نسجل المقتطفات .. أو في الحقيقة الاعترافات !

يستمر شاتلييه في المقدمة فيقول:

"ولكننا نعود فنقول: إنه مهما اختلفت الآراء في نتائج أعمال المبشرين من حيث الشطر الثاني من خطتهم وهو الهدم ، فإن نزع الاعتقادات الإِسلامية ملازم دائما للمجهودات التي تبذل في سبيل التربية النصرانية . والتقسيم السياسي الذي طرأ على الإِسلام سيمهد السبل لأعمال المدنية الأوربية ، إذ من المحقق أن الإسلام يضمحل من الوجهة السياسية ، وسوف لا يمضي غير زمن قصير حتى يكون الإسلام في حكم مدنية محاطة ( محاصرة ) بالأسلاك الأوربية".

وهذه الفقرة القصيرة تشتمل وحدها على حقيقيتين خطيرتين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت