فلا بد إذن من تحقيرها والزراية بها ، حتى تنتقل الزراية والتحقير - بالطبيعة - إلى ما يرتبط بها من معاني الدين .
وليكن شخص معلم اللغة العربية هو موضع الزراية والتحقير ..
فبينما يقبض مدرس اللغة الإِنجليزية أو الجغرافيا والتاريخ أو الرياضة اثني عشر جنيها كاملة في الشهر ، تساوي في ذلك الزمان الحياة الرغيدة والوفر الذي تتكون منه ثروات وأراض وبيوت .. يقبض زميله مدرس اللغة العربية الذي يقوم بالعمل معه في نفس المدرسة ، ويأخذ جدولا مماثلا من الحصص أو أكثر .. أربعة جنيهات !
وفي الحال تتميز الطبقتان تميزًا شنيعا لا يقف عند حد .
فهذا موضع الاحترام في المدرسة والمجتمع ، ينال مكانته الاجتماعية والاقتصادية .. ويتزوج من"البيوتات"ويربي أبناءه في جو من الاستعلاء والترفع ..
وذلك يتأخر ويتواضع وينطوي على نفسه ، وتنزل مكانته الاجتماعية والاقتصادية .. ولا يتسنى له أن يتزوج من أسرة كريمة .. ويربي أبناءه في جو من الفقهر والمذلة والهوان .. ويلقاه الناس في كل مكان بالازدراء والنفور ..
أف ! هذا مدرس لغة عربية !
ولا تصيبه الضربة وحده في واقع الأمر .. وإنما تصيب معه اللغة العربية والدين !
ولم يكن هذا كل شيء ...
فمع الاستعمار الصليبي في العالم الإِسلامي كان التبشير يعمل على أوسع نطاق ممكن ، وفي قوة وإصرار وعنف ، لتقويض المفهوم الإسلامي في النفوس ، وزرع المفهوم المسيحي أو الأوربي بصفة عامة في قلوب الناس بدلا من مفهوم الإِسلام .
وأمامي كتاب"الغارة على العالم الإٍسلامي La Conquete du Monde Musulman" ( ) يشتمل على حقائق مذهلة .. يذهل الإِنسان إذ يراها تنشر بهذه الصراحة ، ويذهل إذ يرى الخطوط التي وضعها التبشير والاستعمار معًا ما زالت عاملة في العالم الإِسلامي ، والسموم التي وضعاها معًا ما زالت سارية في نفوس المسلمين !
إنها مأساة شنيعة .. أن يكون هذا الكيد كله قد دبر للمسلمين وهم في غفلة من أمرهم ، أو وهم يضحكون في بلاهة ، أو وهم يخبطون كفًا على كف في تواكل بليد !
ثم مأساة شنيعة .. أن نرى آثار هذا الكيد كله عاملة في جسم العالم الإِسلامي اليوم ، في أفكاره وسلوكه ، وأخلاقه وتقاليده ... فيفرح بعضنا"بالتقدم"الذي أحرزناه ، ويغتمّ بعضنا للفساد الذي فسدناه .. ويظن هؤلاء وهؤلاء أنه"التطور""الحتمي"قد أخذ طريقه إلى العالم الإِسلامي ، وأنه لا يمكن وقفه ، ولم يكن وقفه مستطاعا في أي وقت من الأوقات ..
ويغفلان معًا - هؤلاء وهؤلاء - عما صنعه الاستعمار والتبشير في عقول الناس ونفوسهم في قرنين من الزمان !
حقًا إن"التطور"العالمي قوة ضخمة ، سواء اعتبرناه انحدارًا أو رفعة ؛ وكان لا بد أن تصيب دفعته العالم الإِسلامي رضي أم أبى ، وسنتكلم بالتفصيل عن آثاره في الفصل القادم"تيارات عالمية"؛ ولكنا نقول هنا إن الاستعمار الصليبي قد عمل ولا شك كثيرًا"لإِخضاع"العالم الإِسلامي للموجة الكاسرة ، دون أن تتاح له القدرة على مقاومتها ، أو الوقوف منها موقفًا آخر غير موقف الخنوع والاستسلام .
ولو كان العالم الإسلامي في قوته كما كان ، وفي استعلائه كما كان ، لكان له ولا شك موقف آخر من هذا"التطور"غير الخنوع له والاستسلام ، وغير الفرحة البلهاء"بالتقدم"، والمسارعة إلى أخذ كل شيء يأتي من الغرب على أنه الشفاء من كل داء ، ولو كان هذا السم وهو مبعث الداء ! .. ولكان له من البشرية كلها موقف آخر غير هذا الموقف الخانع المستسلم: موقف المنقذ من الهاوية التي تفغر فاها اليوم لتبتلع كل خير حصلته البشرية في تاريخها الطويل !
سنعود إلى هذا فيما بعد ..
أما الآن فنقتطف من هذا الكتاب المذهل فقرات ذات دلالة .. وإن كان الكتاب كله في الحقيقة يستحق القراءة كلمة كلمة ، لأنه لا توجد فيه كلمة واحدة بغير دلالة عجيبة شنيعة بشأن ما نحن فيه !!
هذا الكتاب هو في حقيقته عدد خاص من"مجلة العالم الإِسلامي La Rrevue du Monde Musulman"التي تصدر في فرنسا ، أصدرته قبل خمسين عامًا ، لعرض نشاط التبشير البروتستانتي في البلاد الإِسلامية ، وكتب مقدمته مسيو أ. لو شاتلييه A . Le Chatelier رئيس تحرير تلك المجلة عندئذ ، ليحمس الكاثوليك في فرنسا ، ويستنهض همتهم ، لينشطوا في التبشير من جانبهم ، مثيرًا غيرتهم بالنجاح الباهر الذي أحرزه البروتستانت في هذا الميدان . وجعلت المجلة عنوان هذا البحث La Conquete du Monde Musulman أي غزو العالم الإسلامي . وقد ترجمه السيدان مساعد اليافي ومحب الدين الخطيب عند صدوره مباشرة ، ونشراه في جريدة المؤيد ، مقالات متتابعة ، ثم جمعاه بعد ذلك في كتاب صدر في القاهرة سنة 1350 هـ أي منذ ثلاثين عامًا .
وهذا الكتاب - الذي صدر في ذلك التاريخ البعيد - يعرض نشاط التبشير فيما يقرب من قرن - قبل تأليفه - ويعرض بالذات أعمال المؤتمرات التبشيرية الكبرى التي قامت في القاهرة سنة 1906 وفي أدنبره بإنجلترا سنة 1910 وفي لكنو بالهند 1911 ، ويعطي فكرة واضحة جدًا عن اتجاه التبشير في العالم الإسلامي ووسائله وأهدافه . والزمن الطويل الذي مضى منذ تأليفه لا يفقده قيمته ، بل إنه على العكس هو الذي يعطيه أهمية زائدة ، لأنه يبين الخطوط الأساسية التي وضعت في الماضي ، وتركت تعمل على مهل لتبلغ أهدافها ، وقد بلغتها فعلا ، وما تزال حتى اليوم سارية المفعول .. ويبين للمسلمين أن تاريخ الاستعمار الصليبي معهم طويل من قبل ، وأن الحاضر كله ليس إلا جولة من جولات الصراع ، يفصح عنها رجل مثل بيدو في فرنسا حين يشير إلى معركة"الهلال والصليب"في المغرب .. ويخفيها آخرون .
يقول شاتلييه في مقدمته ( والأقوال الشارحة من عندنا وكذلك الخطوط الموضوعة تحت بعض الكلمات لإبراز أهميتها ) :
"قلنا في سنة 1910 عندما كنا نخوض على صفحات هذه المجلة ( مجلة العالم الإسلامي الفرنسية ) في موضوع السياسة الإِسلامية ( أي السياسة التي ينبغي أن تتبع تجاه الإِسلام والبلاد الإِسلامية ) : ينبغي لفرنسا أن يكون عملها في الشرق مبنيًا قبل كل شيء على قواعد التربية العقلية ليتسنى لها توسيع نظاق هذا العمل والتثبت من فائدته . ويجدر بنا لتحقيق ذلك بالفعل أن لا نقتصر على المشروعات الخاصة التي يقوم الرهبان المبشرون وغيرهم بها ( ! ) ... فتبقى مجهوداتهم ضئيلة بالنسبة إلى الغرض العام الذي نتوخاه ، وهو غرض لا يمكن الوصول إليه إلا بالتعليم الذي يكون تحت الجامعات الفرنساوية ، نظرًا لما اختص به هذا التعليم من الوسائل العقلية والعلمية المبنية على قوة الإِرادة ( ! ) . وأنا أرجو أن يخرج هذا التعليم إلى حيز الفعل ليبث في دين الإِسلام التعليم المستمدة من المدرسة الجامعة الفرنساوية"!
هكذا يبين شاتلييه في صراحة"الغرض العام الذي يتوخاه"! وهو أن تُبَثّ في دين الإِسلام التعليم المستمدة من المدرسة الجامعة الفرنساوية .. أي تدس في الإِسلام التعاليم المسيحية الفرنسية ، لا عن طريق الرهبان المبشرين - فهؤلاء عملهم محدود ، لا يفي بالغرض الواسع المدى - وإنما عن طريق التعليم ، عن طريق فتح مدارس فرنسية في العالم الإسلامي تبث هذه التعاليم ، وتدرس هذه الأفكار .. وهذه المدارس - لكي لا ننسى - هي المدارس العلمانية !! وهي غير مدارس الرهبان والراهبات ، ذات الصبغة الدينية الصريحة !
ثم يقول في نفس المقدمة: