وفي خط متوازٍ تدفقت عدة بعثات أخرى في مناطق الكاب و النالتال والترنسفال حتى مستعمرة روديسيا ، فنزلت طائفة النصارى المنهجيين ( الميثودست) Methodistes ، وأسسوا كلية لوفديل Lovedale لتخريج المنصرين والمعلمين ، كما أسس فرانسوا كولار F . Coillard مركزًا للدعوة في روديسيا الشمالية بين قبائل باروتسي .
أما الإنجيليكان Angeliccans فقد ركزوا جهودهم في المدن وفي الغابات ، واتخذوا أساسًا في استراتيجيتهم للدعوة ألا يخالفوا أو ينفوا أي نظام قائم لدى القبائل في سلوكياتهم وعاداتهم وتقاليدهم إلى حد أن أعلن واحد منهم يدعى كولينسو Colenso إباحة تعدد الزوجات في قبيلة كافريه Cafres فعنّفته كنيسته وحرمته من العمل بالتنصير لفترة زمنية .
وفي حين اتجهت البعثات الأمريكية إلى قبائل الزولو ، اتجه الألمان الإصلاحيون إلى الجنوب الغربي لإفريقيا ، وذهبت البعثات البرتغالية لممارسة نشاطها التنصيري في أنجولا وموزمبيق في الشمال الغربي .
وفي إحصاء غير موثق نشرته إحدى الإرساليات الأمريكية عن انتشار الكرازة ( الدعوة ) النصرانية في اتحاد جنوب إفريقيا عام 1953م جاء على الوجه الآتي:
-الميثودست 000,100,2 نسمة .
-الإنجيليكان 000,800 نسمة .
-الكاثوليك 000,650 نسمة يتركز أغلبهم في ردويسيا الشمالية .
-البروتستانت الهولنديون 000,600 نسمة تميزوا بالنعرة العنصرية ، وجعلوا من الكنائس التي أنشؤوها ما هو خاص بالبيض وما هو خاص بالزنوج والملونين .
التنصير في شرق إفريقيا:
يضم شرق إفريقيا عدة ممالك شهيرة ، استأثر الجهد التنصيري من بينها بمنطقة تنجانيقا ( تنزانيا حاليًا ) و كينيا و أوغندا و رواندا وشطرًا من جنوب السودان .
وقد استطاع المسلمون أن يحققوا مكاسب ضخمة في هذه الممالك كلها خاصة بعد أن كانت الهجمات البرتغالية الأولى قد طردت المسلمين منها ، ثم استردها المسلمون ثانية ونشطت دعوتهم وتثبتت أصولهم في السنوات الأولى من بداية القرن التاسع عشر .
واستطاعت إنجلترا أن تحط بقواتها في زنجبار عام 1840م بعد أن أخضعت مصر للنفوذ الأوروبي ، وكان نفوذ مصر يمتد جنوبًا حتى أوغندا ، ثم توسع المحتلون في احتلال الأراضي وقهر ملوك القبائل وسرقة أراضيهم وحيواناتهم مما أفسح الطريق أمام بعض البعثات للعبور إلى كينيا ، واستطاع أحد المبشرين الألمان يدعى كرابف Krapf بأن يؤسس أول مركز للتنصير في مدينة ممبسة ، وقام هذا المركز بترجمة كتابهم المقدس إلى اللغة السواحلية ، مما فتح أمامهم آفاقًا رحبة ومستحدثة للدعوة النصرانية ، فأسس مركزًا آخر بمدينة بوجامايو Bogamayo على الساحل المواجه لجزيرة زنجبار ، بالتعاون مع منصر آخر يدعى ربمان Rebmann .
فلما اكتشف أحد القبطان المسلمين ويدعى سليم في العام 1842م منطقة البحيرات العظمى ، وتمكن لأول مرة من اختراق عقبة السودان النباتية مما جعل النيل منفذًا مفتوحًا إلى سكان البحيرات الاستوائية ، هرعت قوات الاحتلال إلى المنطقة وبسطوا سلطانهم عليها ، وما لبث أن أرسل جريجوري السادس بابا روما في العام 1846م بعثة تنصيرية ضخمة ، أنشأت ما أطلق عليه: نيابة إفريقيا الوسطى الرسولية ، يبدأ نشاطها من قلب القاهرة ويمتد إلى جنوب أوغندا ، ثم أرسلت أول بعثة كاثوليكية معتمدة إلى جنوب السودان لاختراق قلب إفريقيا بقيادة الأب ريلو Rullo . فكان ذلك بمثابة الاختراق الأول لجدار الدعوة الإسلامية في منطقتي شرق إفريقيا ، وإفريقيا الاستوائية .
وبرغم هذا الجهد النشط في حماية السلطات المحتلة ، فإن دعوة النصرانية ظلت محصورة في المناطق الساحلية دون القدرة على اختراق المناطق الداخلية التي كانت تنتشر فيها دعوة الإسلام .
بل ويؤكد ز . هيل و تونوالو في كتاب لهما صدر عام 1974م ، أن طوائف تنصيرية متعددة قد توقف نشاطها تمامًا مثل الفرنسيسكان ، وأُغلِقَت مراكز تنصيرية مثل مركز تنصير ( كاكا ) عام 1862م [6] .
وفي العام 1880م تقريبًا استطاعت مجموعة من قوافل التنصير النفاذ إلى داخل القارة مرة أخرى ، فتمكن المنصرون الألمان على وجه التحديد من بناء عدة مراكز وكنائس في تنجانيقا ( تنزانيا ) وتمكن المنصرون الإنجليز من بناء عدة مراكز وكنائس في كينيا .
أما في أوغندا فكان النجاح حليفًا للكنيسة البروتستنتية التي نجحت في استمالة متيسا Mtesa ملك البلاد الذي كان مترددًا في اعتناق الإسلام ، لكنه لما رأى توافد البعثات الكاثوليكية إلى بلاده أيضًا ، واقترب من الصراع الحاد الذي تبودل بين الكنيستين لكسبه ، واستشعر تخلف دعاة المسلمين عن مساندته في ظل السلطات المحتلة ، فآثر ألا يعتنق دينًا ، مفضلًا الموت على وثنيته ، وخلفه على الملك ابنه موانجا Mouanga الذي وقع تحت تهديد البعثات التنصرية لإعلان نصرانيته ، فأعلن تحديه لهذه التهديدات وأمر بقتل كل نصراني في ديوان مملكته ، وأصدر قراراته بقتل كل من يعتنق دينًا غير الوثنية التي مات عليها والده ، فالتزمت البعثات النصرانية الصمت وأوقفت كل نشاط لها داخل البلاد ، في حين أعلن بعض من المسلمين تمردهم على قرارات: القتل أو الوثنية التي أصدرها موانجا ، فاضطر إلى الهروب خارج البلاد ، لكن أحدًا من المسلمين لم يتقدم للإمساك بزمام حكام المملكة ، فتآمر النصارى مع موانجا ووقفوا معه في مواجهة المسلمين وأعادوه إلى عرشه الذي لم يسع إليه أحد من المسلمين ، وسمح للبعثات النصرانية أن تمارس نشاطها في البلاد بحرية ، فانضم شطر منها إلى الكاثوليكية وشطر آخر للبروتستانتية ، تولد بينهما صراع مذهبي بين القبائل ، خاصة في قبائل باجاندا التي اختارت مذهب البروتستانتية .
غرب إفريقيا:
تضم منطقة غرب إفريقيا خاصة الساحلية منها والتي أصابتها الدعوة النصرانية: الكونغو ، و الجابون ، و الكاميرون ، و نيجيريا ، ومنطقة المينا التابعة لجمهورية داهومي ( بنين حاليًا ) وساحل العاج و ليبيريا ، و سيراليون وكل قطاعات غينيا و السنغال .
وقد بدأت البعثات التنصيرية دورها الفعال في هذه المناطق مع بداية القرن التاسع عشر ، حيث نزلت أول البعثات البروتستانتية إلى منطقة ليبريا وكانت تبشر بالمذهب الميثودستي ، وتكونت هذه البعثة من خليط من المنصرين البيض وعدد من القساوسة الزنوج الذين يجيدون الإنجليزية .
أما البعثة الثانية فقد نزلت في سيراليون ، وكانت تابعة لجمعية التنصير الكنسي ، وبلغت من النشاط مستوى كبيرًا جعل من سيراليون مركزًا لكل البعثات التنصيرية التي تعمل في غرب إفريقيا .
وأتت البعثة الثالثة من مدينة بال السويسرية ، ونزلت في ساحل الذهب ؛ حيث ركزت دعوتها بين قبائل فانتي Fanti وحققت نجاحًا كبيرًا بينها ، عوضها الخسائر الكبيرة التي تكبدها أندريا رايس Andreas Riis رئيس البعثة ، في محاولاته المخفقة المتكررة بين قبائل أشانتي التابعة لساحل العاج ، والتي وصلت في عنادها ورفضها لأي وجود نصراني ، إلى حد أن احتجزت قِسَّين رهينة حتى جلاء البعثة عن أراضي الأشانتي وتحقق لها ما أرادت .
فلما أتت قوات الاحتلال الفرنسي وسيطرت على أملاك الأشانتي وأراضيهم حوالي عام 1815م ، كانت بعثة الميثودست هي أسبق البعثات التنصيرية إلى هذه البلاد ، حيث تم إعداد عدد من القسس الزنوج من أبناء القبيلة لممارسة الدعوة بينهم ، كما أسست كنيسة محلية مستقلة خاصة بالمتنصرين الزنوج تابعة لطائفة البريسبيتريان النصرانية .