فهرس الكتاب

الصفحة 2945 من 3028

في العام 1844م استطاع اثنان من المنصرين ، أحدهما أبيض ويدعى تونزند Townsend والآخر زنجي ويدعى كروثر Growlther استطاعا أن ينشئا فرعًا لجمعية التنصير الكنسي في أبيوكوتا Abeo Kouta بنيجيريا بين أفراد قبيلة اليوروبا التي ينتمي إليها المنصر الزنجي .

ونجح كروثر كثيرًا في نشر الدعوة النصرانية في نيجيريا لمعرفته بلغة القبائل في المنطقة ولهجاتها ، حتى منحته المنظمة عام 1854م منصب مطران نيجيريا ، إلى أن مات عام 1891م .

ومن خلال إعداد منصرين من أبناء القبائل ، ومنحهم الأموال والمناصب والوظائف والوجاهة الاجتماعية ، حقق النصارى مكاسب ضخمة في شتى أرجاء نيجيريا ، مهدت لكل البعثات الأخرى أن تمارس دعوتها في أرض جيدة الحرث وخصبة التربة ومهيأة لكل بذرة يمكن أن تؤتي حصادًا بأقل جهد ومال ؛ إذ عملت إلى جانب البعثات البروتستانتية بكل مذاهبها ثلاث هيئات كاثوليكية هي: آباء روح القدس ، وليون ، والآباء البيض .

وكان للهيئة الأولى نشاطها السابق ومراكزها النشطة في السنغال منذ القرن الثاني عشر ، وهي ذاتها التي بذلت جهودًا ضخمة في غينيا السفلى .

أما جمعية ليون التي أسسها القس الثري بريزيلك Bresillac عام 1856م ، فكان أول نشاط تنصيري لها في غرب إفريقيا عام 1859م بمدينة فريتون على ساحل سيراليون ، لكنه لم يبق على أرض هذه المدينة أكثر من ثلاثة أشهر ، حيث أصابته الحمى الصفراء ومات ليخلفه القس بلانك Planque الذي حدد هدفه على مدى نصف قرن من الزمان على ساحل غينيا ، فأغدق عليها باستدعاء البعثات التنصيرية من كل المذاهب والملل النصرانية ، ولم يغادر هذه المنطقة يومًا بإطلاق .

فلما تمكنت البعثات والمراكز التنصيرية وتثبتت قواعدها في المنطقة الساحلية ، بدأت تنطلق نحو العمق الإفريقي حيث كانت السيطرة كاملة للوجود الإسلامي الذي لم يكن له وجود ملموس في السواحل الإفريقية .

تأسست عام 1868م جمعية الآباء البيض للسيدة العذراء على يد القس الفرنسي لافيجري Lavigerie الذي ابتعثته الكنيسة الجزائرية ؛ حيث كان يشغل منصب أسقف عام الكنيسة الجزائرية ، فأرسل عام 1875م ثلاثة منصرين إلى تمبكتو في قلب مالي جنوب الجزائر ، غير أن قبائل الطوارق تصدوا لهم وقتلوهم .

وإلى رواندا بوروندي Rouanda Puroundi وشرقي الكونغو البلجيكية ( حينذاك ) امتدت جهود البعثات الفرنسية للآباء البيض ، أما بقية الكونغو البلجيكية فكانت من نصيب البعثات البروتستانتية الآتية من إنجلترا وأمريكا .

وفي المنطقة التي سميت بالكونغو الفرنسية ، كان لجماعة آباء الروح القدس النصيب الأكبر فيها ، حيث عمل هناك القس أوجوار Augouard الذي اشتهر باسم مطران أكلة لحوم البشر .

وفي هذه المنطقة تشير بعض الصفحات القديمة في تاريخ الكنيسة الغربية في إفريقيا أن الحماس الذي كان لدى البعثات والأفراد الآتية من طاحونة الحرب المشتعلة في أوروبا وارتدت ثوب الكنيسة وتعلقت بالصليب ، بلغ ذلك الحماس بأحدهم أن لجأ في محاربة الإيمان الذي ينتشر في هذه البلاد بأحقية الرجل في الزواج بأكثر من امرأة ، أنه كان يتزوج هو الفتيات زواجًا صوريًا ، حتى لا يتزوجن من رجال سبق زواجهم ، ثم يعيد تزويج هؤلاء الفتيات مرة ثانية إلى أتباعه الكاثوليك الذين يؤمنون مثله بحرمة تعدد الأزواج .

ولعل أشهر المنصرين الفرنسيين الإنجيليين في منطقة الجابون كان الدكتور شفايتزر Schweitzer الذي كرمته ملكة إنجلترا ونال جائزة نوبل للسلام عام 1954م لقاء جهوده التنصيرية في شرق إفريقيا ووقف المد الإسلامي هناك . أما في الكاميرون فقد تسابقت البعثات الكاثوليكية والبروتستانتية القادمة من ألمانيا ، فسيطرت الأولى على جنوب البلاد وتركت للأخرى مناطق صراع مذهبي وقبلي ، بينما تمكنت بعض البعثات البروتستانتية الإنجليزية والكاثوليكية الإيطالية أن تصل بنشاطها إلى سكان أعالي النيل في السودان .

بعثات التنصير النسوية:

أدت البعثات النسوية دورًا كبيرًا في خدمة الكنائس والمنظمات والجمعيات التنصيرية في إفريقيا منذ وقت مبكر للغاية ، وتذكر الوثائق المتاحة أن من أشهر الإرساليات النسوية التي نشطت في هذه المنطقة كانت إرسالية الراهبات البيضاوات ، وكلمة البيض أو البيضاوات تشير مباشرة إلى أن هذه البعثات بروتستانتية عنصرية .

ثم إرسالية سيدة الرسل ، وإرسالية الراهبات الزرقاوات ( كاثوليك في مواجهة البروتستانت البيض ) ، وإرسالية راهبات الروح القدس .

أما القوة المحركة التي أثارت كل همم الكنائس النصرانية الغربية للعمل النسوي في إفريقيا ، فكانت لفتاة فرنسية ريفية تدعى جافوهي Javouhey لم تكمل عامها الثامن والعشرين عندما أسست عام 1806م جمعية سان جوزيف الكلوثي للدعوة النصرانية بين أبناء قريتها والقرى المجاورة .

وفي العام 1819م أبحرت بدعم من الكنيسة الأم على رأس أول إرسالية نسائية إلى منطقة السنغال ، فأنشأت عدة مشاريع يدوية ، ومستوصفات علاجية ، وفصولًا تعليمية كنسية ، استطاعت من خلالها أن تخترق جدار السلطات الإقليمية الحاكمة التي مهدت لها السبل لممارسة نشاطها ، وكانت هي بدورها لا تألو جهدًا لتمهيد كل السبل أمام الإرساليات النسائية التي تدفقت إلى إفريقيا ، خاصة في منطقة السنغال وغينيا وساحل العاج ، حتى أطلق عليها لويس فيليب ملك فرنسا حينذاك ، لقب الرجل العظيم .

كلمة أخيرة:

وبعد هذه الإطلالة السريعة على تاريخ التنصير في إفريقيا نجد أن من موضوعية الطرح أن نستعيد السؤال الذي طرحه منذ نصف قرن من الزمان هوبير ديشان أحد حكام المستعمرات ( المستعمرات مصطلح خاطئ وصوابه قوات الاحتلال ) وهو: ترى أيهما ينتصر: الإسلام الشرقي ، أو المسيحية الغربية ؟ فالقضية بحق يشهد عليها الواقع ، ويثير هذا الواقع عشرات المسائل والخطط التي يمكن أن يستدعيها خاطر المسلم الغيور على دينه ، خاصة إذا ما تأكدنا أن ما كتبه أ . ل . شاتليه ، ما زال متجسدًا أمام عيوننا ، حينما كتب يقول على لسان أحد القسس العاملين في إفريقيا: « إن الدين الإسلامي هو العقبة القائمة في طريق تقدم التبشير بالنصرانية في إفريقيا ، لأن انتشار الإنجيل لا يجد معارضًا ، لا من جهل السكان ، ولا من وثنيتهم ، ولا من مناضلة أمة من الأمم ، غير أمة العرب ، فليس خصمنا غير الشيخ الذي يملك نفوذًا أكثر مما هو للفرسان المحاربين » [7] .

وهذا هو ما كرره بصياغة أكثر يأسًا القس جاير ديز أحد كبار قساوسة أوروبا ، أمام مؤتمر أدنبره الشهير ، حينما قال عن دعاة الإسلام معبرًا عن سخطه: « كيف يمكن التعامل مع هذه الأشياء ؟ لقد وجدنا في رحلتنا الأخيرة عبر إفريقيا القبائل على نهر شاري ، وجداول الكونغو وما بين الدرجات العاشرة والخامسة من خط العرض الشمالي ، كلها تدين بالإسلام أما تلك الزوايا التي تنتشر في القرى والسهول والأدغال بشكلها غير الحضاري والمضاد للعصرية تمامًا ، فإنها رأس النبع للمد الإسلامي في أنحاء إفريقيا ، الذي يحتاج من الكنائس أن تتوحد في مواجهتها وتوجيه ضربة قاسية لها [8] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت