فهرس الكتاب

الصفحة 2943 من 3028

في العام 1630م اعتنق زعيم مومباسا Mombaz ( ممبسة ) على الساحل الشرقي لكينيا عقيدة النصرانية ، لكنه سرعان ما رجع عنها واعتنق دين الإسلام .

في العام 1651م أعلن مونوموتابا Monomotapa ملك موزمبيق تركه للوثنية واعتناقه للنصرانية ، استجابة لدعوة إرساليتين إنجيليتين كانتا قد استقرتا في حوض نهر زامبيزي ، إحداهما يسوعية والأخرى دومينيكانية ، أغدقا عليه الأموال ، وسارا معه في استخدام الأرواح التي كان يعتقد بها في وثنيته .

وفي العام 1665م أتت هجمة تنصيرية بروتستانتية من هولندا إلى سواحل جنوب إفريقيا ، فقامت بتدمير جميع المؤسسات والكنائس والإرساليات التي كان قد أسسها البرتغاليون من قبل ، ثم وضعوا أيديهم على منطقة رأس الرجاء الصالح ؛ حيث نزل على أرضها أول قسيس بروتستانتي ، لا ينافسه قسيس آخر من أي ملّة نصرانية أخرى .

وهكذا ، منذ بداية القرن الحادي عشر حتى نهاية القرن السابع عشر النصراني وبداية القرن الثامن عشر ، بقيت الدعوة السائدة بين وثنيات إفريقيا الجنوبية ، هي دعوة الإسلام ، لإخراج الناس من ظلمات الجهل والجاهلية وعبادة الأمطار والأنهار والجن والأحجار إلى عبادة الواحد القهار ، وبقي الوجود النصراني محصورًا ومحاصرًا في بقع محدودة للغاية .

ويعلن هوبير ديشان مؤلف كتاب الديانات في إفريقيا السوداء [3] قائلًا: « لكن تلك الجهود كلها ، قضى عليها اضطراب الأحوال السياسية ، والثورات ، والجيوش التي كان يستعين بها تجار الرقيق ، وارتداد الكثيرين إلى عقائدهم الوثنية القديمة ، ولم يبق من كل ذلك إلا علامة الصليب التي اندمجت في المراسيم الوثنية » .

مائة عام بلا حصاد:

مع بداية القرن الثامن عشر دخل الأسبان ميدان التنصير ، بعد ما سمي بثورة الإصلاح في فرنسا عام 1769م ثم في أوروبا كلها ، ورحلت عدة بعثات تنصيرية كقوافل طبية وتجارية إلى عدة مناطق ، ولاقت إقبالًا كبيرًا من بعض الملوك الوثنيين ، وبقايا من النصارى والمتنصرين .

فقد وجه الملك ألادا Allada ملك داهومي ( بنين ) الدعوة إلى إحدى هذه البعثات ، لتنشيط حركة التجارة في بلاده ؛ فلما استوضح غرض البعثة وهي التنصير طردها من بلاده وأوقف كل نشاط مع الهيئات الأوروبية .

فلجأت بعثة تنصيرية فرنسية إلى أسلوب آخر ، وهو دعوة الملوك أو أبنائهم لزيارة فرنسا ، فدعت أنيابا Aniaba ابن أمير ساحل العاج ، لزيارة الكنيسة الفرنسية الكبرى ، بمدينة سايل ، حيث أعلن الابن نصرانيته وخضع للتعميد الذي قام به القس الشهير بوسيويه Bossuet ، فكان لذلك الحدث رد فعل كبير لدى السلطة الكنسية الفرنسية ، التي استضافته في قصر الملك لويس الرابع عشر ، حيث أعلن الابن اتخاذ الملك أبًا روحيًا له ، فلما عاد أنيابا إلى بلاده ساحل العاج ، أعلن ارتداده عن النصرانية والعودة إلى الوثنية دين آبائه .

ومثلما فعل نصارى البرتغال وهولندا وفرنسا ، حاولت الكنيسة الألمانية أن تحقق شيئًا في مواجهة المد الإسلامي بإفريقيا ، فاختارت العمل بين قبائل تعرف بالهوتنتوت ولكنها لم تحقق أي نجاح .

ويقول هوبير ديشان: « حتى نهاية القرن الثامن عشر كان تعداد النصارى في كل أرجاء إفريقيا عشرين ألفًا من البيض ، وبضع مئات من العبيد ، ومع بداية القرن التاسع عشر لم يكن للنصرانية قدم ثابتة في مكان ما في إفريقيا السوداء ، إذا استثنينا نقطًا ضئيلة على الساحل » [4] .

ثم يستشهد ديشان على صدق استنتاجه هذا بما كتبه المنصر الإنجليزي وليم شو W . show عام 1823م من مكتب إرساليته بمستعمرة رأس الرجاء الصالح قائلًا: « إنه لا يوجد أي بعثة تنصيرية فيما بين المكان الذي أعيش فيه وبين أبعد نقطة في شمال البحر الأحمر » [5] .

التركيز الصليبي على الجنوب الإفريقي:

مع بداية القرن التاسع عشر توغلت حركة الكشف الأوروبية في قلب إفريقيا ، وكثرت البعوث والإرساليات الدينية التنصيرية ، ثم تبعتهما حركات الاحتلال الأجنبي الذي فتح الطرق المسدودة أمام التنصير ، فكان هذا القرن حقًا هو العصر الذهبي للتنصير في إفريقيا ، ولم يبدأ القرن العشرون إلا وكان للنصرانية تواجدها المحسوس والملموس والمرئي بشتى مذاهبها ومللها وكنائسها .

كان النشاط أكثر تركيزًا في إفريقيا الجنوبية ؛ إذ بدأ برحلات الهجرة التي قام بها مئات من الهولنديين البروتستانت البيض ، فاستوطنوا الأرض وتوغلوا فيها ، لكن دون أن تتوفر أي دلائل على أن فكرة تنصير الزنوج مطروحة في عقولهم ؛ إذ كان الهدف في هذه الفترة هو الهروب من أوروبا المتصارعة الفقيرة المتخلفة إلى حيث السيطرة على قبائل الزنوج واحتلال أراضيهم وثرواتها .

ولم تتوفر أي إشارة في الوثائق المتوفرة لدينا تدل على أن هناك إرسالية تنصيرية بالمفهوم الديني قد مارست الدعوة بين الأفارقة الجنوبيين قبل عام 1841م ، عندما بدأ ذلك في مستعمرة الرأس المنصران الإسكوتلانديان روبرت موفات R . Moffat و دافيد ليفنجستون D . Livingstone وهما طبيبان اهتما برحلات الاستكشاف داخل مجاهل إفريقيا ، لخدمة عملهما بالتنصير .

أسس الطبيبان مركزًا للتنصير بين قبائل بتشوانا ، ومارسا مهنة الطب البدائي بين الناس ، فاستخفوا بهذا المركز ولم يعيروا وجوده ودعوته اهتمامًا أكثر من اهتمامهم بالذهاب إليه لمعالجة جروحهم وأمراض العيون المنتشرة بين أطفالهم ، إلى أن أغارت إحدى القبائل المجاورة على سكان بتشوانا ، فشارك موفات وصديقه في صد هذه الغارة وتنظيم صفوف المدافعين وتوجيههم مما كان سببًا في انتصارهم ، خاصة أن الطبيبين كانا يؤكدان في كل أمر يصدرانه ، بأنه آت باسم « المسيح الرب » الذي حمى قبيلتهم وهزم بقوته الروحية أعداءهم .

واستطاع موفات أن يستغل هذا الحدث الضخم في تاريخ القبيلة ، من خلال التحامه المباشر بكبارها ، حتى أعلنوا اعتناق النصرانية .

في بتشوانا ، تزوج دافيد من ابنة موفات ، واستطاع عن طريق زوجته العروس ، أن يغزو قلب سيشيله Sechele أحد ملوك بتشوانا ، ويملك هو زمام أمره ، فعرض عليه النصرانية ، ووعده بتزويجه واحدة مثل زوجته ، فطلق سيشيله كل زوجاته وحظاياه ، أملًا في الزوجة التي لم تأت ؛ إذ طلب منه دافيد أن يتنازل أولًا عن دعوى قدرته الإلهية في إسقاط الأمطار ؛ لأن هذا يتعارض مع قدرة « المسيح الرب » فاستجاب الرجل ، لكن الله يشاء أن تشهد هذه القبيلة أربع سنوات عجاف لم ينزل خلالها مطر حتى أصابها الجفاف التام ، مما اضطر دافيد إلى ترك هذا الموقع والذهاب شمالًا حيث استكشف الحياة في حوض نهر زامبيزي الذي يبدأ من الساحل الشرقي لإفريقيا وموزمبيق ويمتد إلى قلب زامبيا ، وبدأ هناك دعوته مرة أخرى ، ثم اعتاد التنقل والترحال في أدغال إفريقية الجنوبية على ضفاف حوض النهر ، على مدى ثلاثين عامًا متواصلة ، ترك خلالها آثارًا واضحة في نفوس المئات من أبناء القبائل الإفريقية ، رافضًا أن يعود إلى أوروبا ثانية ، حتى جاءه الموت فجر أول مايو سنة 1873 قرب منطقة بنجويلو Banguelo على الساحل الغربي لإفريقيا وأنجولا فدخل عليه أتباعه الزنوج الذين نجح في تنصيرهم ، وتعبيرًا عن حبهم له شقوا بطنه بسكين ، ثم نزعوا قلبه من صدره ، ودفنوه في أرضهم ، ثم نقلوا جثته إلى مكان دفن الموتى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت