فهرس الكتاب

الصفحة 2900 من 3028

"إن نمو ثروة الاستعمار متوقف على أهمية الرجال الذين يذهبون إلى المستعمرات وأهم وسيلة للحصول على هذه الأمنية إدخال الدين المسيحي في البلاد المستعمرة لأن هذا هو الشرط الجوهري للحصول على الأمنية المنشودة حتى من الوجهة الاقتصادية."

ومن أسرار التاريخ المفجعة أن نعلم أن الكنيسة الصليبية تعاونت مع الصهيونية وحكومة بريطانيا على سلب فلسطين من المسلمين وتقديمها هدية رخيصة لليهود وأن روتشيلد الثري الصهيوني كان يساعد الجميع [16] .

ولا آتي بسر خفي إذا قلت أيضا أن معظم مراكز الدراسات الإسلامية والعربية في بريطانيا أسست بعد مؤتمري أدنبره ولكنو الصليبيين وبعد اللجنة التي أمرت الحكومة البريطانية بتكوينها لما أحست بأن مصالحها الاستعمارية في العالم الإسلامي تحتم استخدام هذه الدراسات كوسيلة فعالة..

وهذا شيء لا ندعيه نحن بل يصرحون به أنفسهم وهم لا يخفون أيضًا أن عددًا من تلك الكراسي كان يؤدي عمله بتمويل من بعض الشركات الصناعية أو أصحاب المصالح من المتمولين، يقول المستشرق -جون بيرتون - رئيس قسم الدراسات العربية بجامعة أندروز في مقالة نشرتها مجلة الإذاعة البريطانية [17] :

"لم تتأسس دائرة الدراسات العربية بوصفها الحاضر في جامعة سانت أندروز إلا في سنة 1968م وقد حصل ذلك إلى حد ما نتيجة لتقرير رفع إلى الحكومة ( ؟ ) يحث الجامعات على الاعتراف بخطورة دراسة حياة الشعوب العربية الحديثة ولقد أصبح استقلال العرب ومطامحهم القوية منذ الحرب عاملًا خطيرًا متناميًا في السياسة العالمية".ا-هـ.

وعن كرسي الدراسات الإسلامية في جامعة كمبردح يذكر المستشرق روبرت سارجنت أن أول كرسي أنشئ في الجامعة سنة 1632م حينما تعهد توماس آدامز رئيس بلدية لندن وكان تاجرًا معروفًا بإخلاصه للملكية تعهد بتمويل الكرسي، وقد كلف الأستاذ فيما كلف به أن يعمل على تقدم التجارة مع الشعوب الشرقية ؟؟ [18] .

ويذكر بعد ذلك أن مركز الشرق الأوسط للدراسات العربية أنشئ سنت 1960م بتمويل وعناية بعض شركات النفط ؟؟.

لا شك أننا بمثل هذه المعلومات الخطيرة نكوّن فكرة واضحة عن الدوافع الحقيقية والنوايا الخفية وراء عناية الأوروبيين بالدراسات الإسلامية.

ولا يخدعنا بعد ذلك أن تلبس مراكز هذه الدراسات لبوس العلم البريء من كل هدف إلا اطلاع الشعوب الأوروبية على حضارة إخوانهم الشعوب الإسلامية التي ذاقت الويلات من إخوانهم في الإنسانية المستعمرين الأوروبيين الصليبيين ..

أهداف الاستشراق والمستشرقين:

هناك شيء هام تمزقت أمام صلابته جهود الصليبيين وهو تمسك المسلمين بإسلامهم واعتزازهم به واستعلاؤهم بإيمانهم على ملل الكفر..

ويسمى المستشرقون استعلاء المسلم وعزته هذه ب ( التعصب الإسلامي ) ولقد أزعجهم كثيرا واعترفوا بمدى قوته وخطورته في عبارات تنضح بالمرارة والحقد، يقول القسيس رايد في معرض كلامه عن جهودهم في المغرب المسلم:

"إن ذلك الحاجز الذي يدعى عادة بالتعصب وهو ذلك الجدار الشاهق من الاعتزاز بالذات ومن الكره قد بناه الإسلام حول أتباعه ليحميهم في داخله وليترك المبشر خارجه إنه جدار طالما أثبت مع الأسف أن تسلقه أو اختراقه مستحيل, إن رجالا من المبشرين عملوا سنين متوالية وفي مدينة واحدة ثم لم يستطيعوا أن يكتسبوا صديقًا أن صديقين. ا -هـ [19] ."

ولقد كانت الكنيسة الصليبية وكل كافر ظالم محارب للإسلام تمتلئ قلوبهم رعبًا وضيقًا بهذا الاستعلاء الإسلامي والعزة الإيمانية الذي ربما تمثل أحيانًا في أوجه بوثبات المجاهدين الذين يعرف الصليبيون طعم سيوفهم ولذلك يهتف المستشرق الصليبي - رشتر - وهو يتحدث عن دعوة المهدي في السودان وجهاده قائلا:"هذا التعصب الإسلامي الضيق الأفق بكل ما فيه من بغض للثقافة" [20] . ا -هـ.

ولا شك أنه يعني هنا بالثقافة تلك السموم الفكرية التي يحملها هو وأمثاله من عملاء الكنيسة إلى شعوبنا لتحطيم كيانها ودينها وحضارتها..

ولقد أزعج الصليبيون كثيرا أن يروا مراكز العلم الراسخة الجذور في البلاد الإسلامية تؤدي مهمتها بتعليم المسلمين علوم الإسلام والعربية وتؤثر بفعالية في حياة المسلمين الفكرية .. فكان الأزهر مثلًا في مصر هدفًا لنشاطات الصليبيين فعملوا بكل طاقاتهم على إيجاد جامعات منافسة له وعلى هدمه هو نفسه ومسخه من داخله.. كما يتبين في تقريراتهم التي نشروها .. والتي يصف مضمونها أستاذ المجاهدين محمد قطب بارك الله في عمره بقوله:"إما أن يكون الأزهرله شبيه.. وإلا فليكن هو شبيهًا بالآخرين" [21] .

وقد أيقن رجال الكنيسة الصليبية والمستعمرون الأوروبيون أن بقاء القرآن مصدر قوة وتوجيه للمسلمين فيه الحكم الصارم بفشل جميع جهودهم ونشاطاتهم التخريبية وبنهاية جميع مطامحهم وأطماعهم الاستعمارية.

لذلك توجه عزم الجميع إلى هدف واحد هو: هزيمة المسلمين هزيمة روحية وفكرية وذلك بالقضاء على روح الاستعلاء الإيماني والاعتزاز بالإسلام في نفس المسلم وإذابة شخصيته الإسلامية عن طريق غسل دماغه شيئًا فشيئًا بأسلوب ماكر يعتمد على إخفاء النوايا الحقيقية والظهور بمظهر برئ لطيف وعدم الاحتكاك مباشرة المسلمين أو استفزاز عواطفهم..

ويعتمد أسلوبهم الجديد على سياسة النفس الطويل الذي يقولون عنه: إنه أسلوب بطئ المفعول لكنه مضمون النتيجة..

وقد اشتركت مع الكنيسة الصليبية في هذا الهدف جهات مختلفة معادية للإسلام كالصهيونية والشيوعية..

ولقد عملت الكنيسة الصليبية مع العلمانيين والصهيونيين عملوا جميعًا بدقة في سبيل تحقيق ذلك الهدف الذي ذكرناه فمهدوا أولًا له بإنشاء المدارس والكليات العلمانية في طول العالم الإسلامي وعرضه، وأفسدوا مناهج في بقية مدارس العالم الإسلامي بل أشرفوا هم بأنفسهم على التخطيط لها ووضعها موضع التنفيذ.

ثم التفتوا إلى طبقة المفكرين والمثقفين بدراسات المستشرقين..

أسلوب جديد في محاربة الإسلام:

في أوائل هذا القرن عند بداية توسع الدراسات الإسلامية لدى مراكز المستشرقين كان الأسلوب المتبع في دراساتهم:

أولا: أن تتجنب إثارة المناقشات حول النصرانية أو المقارنة بينها وبين الإسلام حتى لا ينكشف غرضهم الحقيقي أمام القارئ المسلم، فقد اكتشف رجال الكنيسة الصليبية كما سبق أن دعوة المسلمين إلى النصرانية أمر لا جدوى من ورائه وأسلوب عقيم فرأوا أنه من الأجدى والأكثر فعالية أن يركزوا على زرع بذور الشك في أهم دعامات الحضارة الإسلامية والدين الإسلامي.

وثانيا: أن تظهر دراساتهم بشكل يعطي انطباعًا لدى القارئ عن تعمق أصحابها وعنايتهم بالمنهجية في البحث والأمانة العلمية وخاصة عندما يوجهون هجومهم على نقاط حساسة أو خفية محفوفة بالشبهات والأباطيل حيث يجدون مرتعا خصبا..

كان من رواد هذا الأسلوب في محاربة الإسلام المستشرق المجري -جولد زيهر - الذي بدأ كتابه - مذاهب التفسير الإسلامي - بالتشكيك في أعظم دعامة للإسلام وهي كتاب الله - القرآن - فقال:

"لا يوجد كتاب تشريعي اعترفت به طائفة دينية اعترافًا عقديًا على أنه نص منزل أو موحىً به يقدم نصه في أقدم عصور تداوله مثل هذه الصورة من الإضطرابات وعدم الثبات كما نجد في القرآن" [22] . ا -هـ.

كما أننا نجد روادًا آخرين لهذه الفترة من تاريخ الدراسات الإستشراقية يحاولون في دراساتهم لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم تشويه بعض جوانب حياته الشريفة كزواجه من أمهات المؤمنين ورحلاته قبل البعثة إلى الشام مع عمه أبي طالب..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت