فهرس الكتاب

الصفحة 2901 من 3028

ثم نجدهم يحاولون تحطيم الدعائم الرئيسية للسنة النبوية عند دراستهم لها وذلك بالطعن ولو من طرف غير مباشر في رجالاتها العظام من الصحابة والتابعين..

ولنضرب شيئًا من الأمثلة وهي كثيرة لمن يريد الاستقصاء..

لقد ذكر محاضرنا - دود كاون - ( مارغوليوث ) مثنيًا عليه معتبرًا إياه من كبار المستشرقين الذين قاموا بخدمات جلى في مجال الدراسات الإسلامية..

يقوم هذا المستشرق -مارغوليوث - في مقدمة كتبها لترجمة رودل للقرآن الكريم:

"إن السر الذي يكمن وراء قوة القرآن يعود إلى الفكر الذي أنشأه.."

إن مصدر القرآن الكريم إنما هو مأخوذ من الروايات المسيحية واليهودية عدا بعض الأساطير العربية الأصلية" [23] . اهـ."

ويقول أيضا في كتاب - موسوعة التاريخ العالم:

"إن محمدا رجل مجهول النسب لأنه محمد بن عبد الله وقد كان العرب يطلقون على من لا يعرفون نسبه اسم عبد الله [24] .اهـ."

وأما النماذج لمحاولة هدم دعامات السنة النبوية فتجدها وافرة في دراسات - جولد زيهر - خاصة في كتابه - العقيدة والشريعة في الإسلام-

فقد وجه عنايته للطعن في أبي هريرة رضي الله عنه وابن شهاب الزهري..

وهما من نعلم من عظم مقامهما في رواية السنة ونقلها للأمة فإذا انهدمت الثقة بهما فقد نجح المستشرقون في هدم جانب كبير جدًا من صرح السنة النبوية التي هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي؟؟

ولو كان المقام يتسع لذكر أمثلة من طعنه في هاتين الشخصيتين لذكرتها لكن الكتاب مطبوع ومترجم ومعتنى به من قبل دكتورين مسلمين والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.. ولكن نذكر مثالًا واحدًا لنتبين إما مدى سخف عقلية هؤلاء المستشرقين التي لا ندري أهي ذرية أم - كلية - أو مدى استخفافهم بعقليات المسلمين وذكائهم ويقظتهم وفهمهم لدينهم وتاريخهم:

يقول جولد زهير محاولا إثبات أن الزهري رحمه الله كان يضع الحديث؟ بناء على طلب الخلفاء الأمويين وقد ذكر ذلك في كتابه - دراسات إسلامية - كما ينقل عنه بعض تلاميذه.. يقول:

"إن الحكومة في الدول الأموية كانت إذا أرادت أن تعمم رأيًا وتسكت العلماء الأتقياء الذين كانوا يميلون إلى أعداء البيت الأموي من العلويين كانت تتذرع بالأحاديث التي توافق وجهتها فتضع الحديث أو تدعو إلى وضعه".ا-هـ.

ثم ذكر بعض أدلته التي بنى عليها حكمه هذا الخطير العجيب وكان من أعجبها ما يأتي:

يقول:"وقد استغل الأمويون أمثال الإمام الزهري بدهائهم في سبيل وضع الحديث وذلك يظهر لنا من بعض الأخبار التي نجدها محفوظة عند الخطيب البغدادي ويمكن استخدامها هنا فقد حدثنا معمر عن الزهري بكلمة مهمة وهي قوله: أكرهنا هؤلاء الأمراء على أن نكتب أحاديث. فهذا الخبر يفهم منه استعداد الزهري لأن يكسو رغبات الحكومة باسمه المعترف به عند الأمة الإسلامية [25] .ا-هـ."

قلت: وفي هذا المقال يتجلى لك مدى الخبث والدهاء الذي يتمتع به أمثال هذا المستشرق فهو يصيب بمثل هذه الشبهة عدة أهداف في آن واحد:

يطعن في عدالة إمام الرواة والحفاظ ابن شهاب الزهري ليهدم أكبر جانب من السنة ويطعن في الدولة الأموية التي كانت من أعظم الدعائم لدولة الإسلام بعد الراشدين وفي عهده وصلت رايات المجاهدين أقصى الحدود.. ووطئت سنابك خيلهم أراضي الروم والفرس بل أعماق تلك الأراضي..

ويطعن في عقلية الأمة الإسلامية وهي أزهى عصورها الذهبية حيث يصورها بصورة الأمة المتخلفة علميًا وذهنيًا حيث تسيرها أهواء الأمويين والعلماء الأتقياء؟؟ حيثما شاءت فتنقاد الأمة أجمعها وراء الأباطيل المختلفة بسهولة ويسر.. دون أن يوجد فيها من يتولى فضح تلك الأباطيل ويبين زيفها.. في وقت كان فيه الصحابة متوفرين في الحجاز والشام والعراق..

الحق يقال إن المستشرقين في هذه الجولة خاضوا تجربة فشلت نوعًا ما إذ لم يقدروا مدى يقظة علماء المسلمين على الأقل فضلًا عن طبقة المثقفين، فإن ألاعيبهم هذه إن كانت قد انطلت على جهال المثقفين فإن كثيرا منهم تنبهوا لزيفها وسخافتها، ومع أنه تولى عدد من العلماء الراسخين مهمة التصدي لهذه الألاعيب وتجريدها من ثوبها الزائف الذي ظهرت به - ثوب المنهجية العلمية - فلم تغن هذه الحملة ولا هذا الأسلوب الغناء المطلوب لدى المستشرقين..

فمثلا ممن تولى تجريد كتابات - جولد زيهر - عن السنة من ثوبها الزائف وبيان مقدار هزلها وسخا فتها العالم المجاهد الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله فكان مما فند به التهمة التي ذكرناها عن الزهري:

أن - جولد زيهر - أولا: حرّف الرواية إذ أصل رواية الكلمة التي نقلها كما جاء عن ابن عساكر وابن سعد: أن الزهري يمتنع عن كتابة الأحاديث للناس فلما طلب منه هشام وأصر عليه أن يملي على ولده ليمتحن حفظه فأملى عليه أربعمائة حديث ثم خرج من عند هشام وقال بأعلى صوته: أيها الناس إنا كنا منعناكم أمرًا قد بذلناه الآن لهؤلاء وإن هؤلاء الأمراء أكرهونا على كتابة الأحاديث فتعالوا حتى أحدثكم بها فحدثهم بالأربعمائة حديث.

ورواه الخطيب بلفظ:"كنا نكره كتاب العلم - أي كتابته - حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء فرأينا ألا نمنعه أحدا من المسلمين" [26] ا-هـ.

فذهب ذلك المستشرق يلفق لرأيه الخطير السخيف ما يناسبه من الروايات والعبارات المحرفة.. فلجأ إلى تحريف يسير قد يفطن له القارئ وهو حذف - أل - من كلمة - الأحاديث - فتغير المعنى بتمامه..

وهذا يذكرنا بقرار ( الأمم المتحدة ) الذي تفضلوا به على المسلمين فجعلوه ينص على وجوب انسحاب اليهود من الأراضي المحتلة .. فترجمها المندوب البريطاني: من أراض محتلة!!

من أساليب المستشرقين الفكرية:

كل من تتبع دراساتهم يروعه أنهم يركزون بشكل غريب على نقاط رئيسية يعملون من أجل هدمها بكل دقة ودأب:

1-فهم يكررون دائما أن القرآن من تأليف محمد كأنها مسألة أصبحت مسلمة لدى الباحثين، بل يكررون دائما أن القرآن مجموع من مصادر مسيحية ويهودية.. وعربية جاهلية، وبالجملة فهم يجمعون على إنكار مسألة الوحي، وفي أحسن عباراتهم وأكثرها لطفًا وخبثًا يصورون رسول الله صلى الله عليه وسلم بصورة العبقري المصلح الذي استطاع بعبقريته وذكائه تأليف هذا القرآن وتربية أولئك العرب الصحراويين.. ولكن مع ذلك تزل من أفواه كثير منهم عبارات يتجلى فيها حقدهم على الرسالة المحمدية أو جهلهم بحقيقتها:

فهذا - غوستاف لوبون - الذي يقول عنه المغفلون إنه من المستشرقين المنصفين المتعمقين في دراستهم العربية والإسلامية يقول في كتابه ( حضارة العرب ) [27] في معرض ثنائه على ما قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"وقيل إن محمدًا كان مصابًا بالصرع ولم أجد في تواريخ العرب ما يبيح القطع في هذا الرأي وكل ما في الأمر هو ما رواه معاصرو محمد وعائشة منهم من أنه كان إذا نزل الوحي عليه اعتراه احتقان وجهي فغطيط فغشيان، وإذا عدوت هوس محمد ككل مفتون وجدته حصيفًا سليم الفكر، ويجب عد محمد من فصيلة المتهوسين من الناحية العلمية كما هو واضح؟؟"ا-هـ.

-هكذا - يصور مثل هذا المستشرق قضية الوحي بصورة الهوس والصرع الذي يعتري المتهوس السليم الفكر أحيانًا، فما الفرق بين هذا الادعاء وقول مشركي قريش من العرب الجاهلين {إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} إلا أن يصاغ هذا الادعاء اليوم على لسان المستشرقين بصيغة تظهره بمظهر علمي منمق حتى ليخيل للقارئ ضعيف العلم والبصيرة أنها حقائق علمية تاريخية محايدة..

حاشا إمامنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يقولون..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت