1-بينّا في أول هذه المحاضرة الموقف الذي وجدت الكنيسة الصليبية نفسها فيه أمام الحضارة الإسلامية الزاحفة على أوروبا منذ القرن الثامن الميلادي والهزات العنيفة التي منيت بها أمام تأثير هذه الحضارة فاتخذت هذه الكنيسة منذ البداية موقف المقاومة الشرسة والعداوة المستحكمة تجاه المسلمين وحضارتهم..
وعندما بدأت دولة المسلمين يتصدع بنيانها في الأندلس أو في بيت المقدس ووجدت الكنيسة الصليبية الفرصة سانحة قامت بهجمات وحشية بربرية على المسلمين وأراقت دماءهم بغير حساب مكافأة لهم على جميلهم الذي أسدوه لأوروبا حينما علموا شعوبها كيف تكون الحضارة.. وكيف يمارس الإنسان دينه دون إكراه أو كما يعبرون هم - علموهم حرية الضمير - ونشط ما يسمى - بالتبشير - واتخذت هذه الحركة هدفًا واحدًا وضعته نصب أعينها منذ تلك الحقب إلى اليوم وهو تدمير هذه الحضارة الإسلامية والقضاء على الإسلام واستئصال شأفة المسلمين.. بالمسائل المشروعة وغير المشروعة، والأساليب الممكنة والوحشية على قدم سواء..
2-رأت الكنيسة الصليبية بعد تجارب مريرة في العالم الإسلامي أن أخطر وأنجع الوسائل التي يمكن أن تستخدمها هو - التعليم - فاستغلته إلى أبعد الحدود وفتحت المدارس والكليات الصليبية ليس في أوروبا فحسب بل في قلب العالم الإسلامي منتهزة فرصة وقوعه تحت السيطرة الاستعمارية الأوروبية وكان من تلك الكليات - الكلية الإنجليزية - في بيروت التي غير اسمها فيما بعد بالجامعة الأمريكية ومثلها الجامعة الأمريكية في القاهرة وكلية أخرى في إسلامبول بتركية وبدأت الكنيسة حملات ثقافية وتعليمية لتشويه الإسلام في نفوس أبنائه ولكن بشكل سافر وأسلوب بذيء فيه الكثير من التحدي والاستفزاز والاستهانة بمشاعر المسلمين وعقلياتهم..
يقول - بنروز - رئيس الكلية الإنجيلية في بيروت في منتصف القرن العشرين النصراني:
"لقد برهن التعليم أنه أثمن الوسائل التي استطاع المبشرون أن يلجئوا إليها في سعيهم لتنصير سورية ولبنان"ا-هـ [12] .
وقد كانت آمال الكنيسة الصليبية عريضة حينذاك فقد كان كهنتها ينتظرون أن يقع المسلمون في شباكهم بسهولة وينقلبوا نصارى في فترة وجيزة ويكفروا بدينهم وقرآنهم ونبيهم صلى الله عليه سلم.
حتى إن أحد زعمائهم كان يقول في مطلع هذا القرن وبكل استفزاز وغرور: متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا أن نرى حينئذ العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يتعده إلا محمد وكتابه.ا-هـ.
نشرت ذلك مجلة ( العالم الإسلامي ) الصليبية الفرنسية [13] .
ولكن الكنيسة الصليبية تلاشت آمالها أمام صخرة من الصمود الإسلامي من الشعوب الإسلامية فقد كانت تلك الحملات الاستفزازية سببًا لنفور المسلم في كل قطر ويقظته لما يدبر له من مكائد الكنيسة فلم تثمر جهودها الواسعة شيئًا وكان عدد المنتصرين لايكاد يذكر حتى القليل المتنصرون كانوا يتظاهرون بذلك لأسباب مختلفة ليس منها الانخداع بأباطيل الكنيسة وخرافاتها.. وفوجئ رجال الكنيسة أن الإسلام رغم كل ما بذلوه لمحاربته يزحف بشكل رائع وبأبسط الوسائل. ومن بحوثهم يظهر أنهم يعتبرون أخطر وسائل انتشار الإسلام هو -السلوك الإسلامي - الذي كان يظهر به المسلمون الذين كانوا يجوبون أقطار إفريقيا أو جنوب شرق آسيا من التجار وغيرهم فقد كانت أخلاقهم ومعاملاتهم وحدها كفيلة بنشر هذا الدين العظيم..
فقدرت الكنيسة حينئذ قوة هذا الدين وتماسكه ومدى تأثيره في النفوس وأنه حضارة متكاملة الجوانب شديدة البنيان لم تستطع معاولهم التأثير عليها، جاء في مقدمة كتاب بعنوان - العالم الإسلامي - نشره القسيس صموئيل زويمر وكان رئيس الإرسالية الصليبية في البحرين في مطلع هذا القرن ونشرت بعض فصوله مجلة العالم الإسلامي الصليبية جاءت فيه هذه العبارة:
"إن الكنيسة المسيحية ارتكبت خطأً كبيرًا بتركها المسلمين وشأنهم إذ ظهر لها أن أهمية الإسلام تأتي في الدرجة الثانية بالنسبة لثمانمائة مليون وثني رأت أن تشتغل بهم رأت هذا وهي لم تعرف عظمة الإسلام وحقيقة قوته وسرعة نموه إلا منذ ثلاثين سنة فقط" ( [14] ) .
2-لما تنبهت الكنيسة الصليبية لهذه الحقيقة وزالت عن أعينها غشاوة الغرور بدأت تغير أسلوبها وتتبع أسلوبا آخر فيه الكثير من الخبث والفعالية..
ودفعها إلى ذلك أيضا ما رأت من وثبة العالم الإسلامي فجأة على مستعمريه الأوروبيين وبداية عهد الاستقلال والنهضة.. فعقدت ثلاثة مؤتمرات صليبية هامة أولها في القاهرة سنة 1906م وثانيها في أدنبرة سنة 1910 وثالثها في لكنو بالهند سنة 1911م وكان من أهم نتائج هذه المؤتمرات الذي نفذ مباشرة العناية بتوسيع دائرة دراسات رجال الكنيسة للإسلام واللغة العربية وتعميقها وذلك بإنشاء مدارس خاصة بتعليم رجالها العاملين في البلاد الإسلامية تعلم فيها اللغة العربية والعلوم الإسلامية وتاريخ الأوضاع الإسلامية والأمور الاجتماعية التي اقتبسها هؤلاء من بلاد الإسلام وتنشأ مكتبة ضخمة في كل مدرسة تحوي أمهات الكتب العربية وغير العربية المتعلقة بالإسلام..
وفي بريطانيا بالذات وبعد هذه المؤتمرات بخمس سنين أنشئ معهد الدراسات الشرقية في جامعة لندن بعد أن شكلت لجنة بأمر من الحكومة البريطانية لدراسة حاجة بريطانيا لهذا النوع من الدراسات كما أشار إلى ذلك المستشرق داود كاون.. وربما قيل وما علاقة هذا بذاك فإن الحكومة البريطانية أو جامعة لندن أو غيرهما من الحكومات والجامعات الأوروبية ليس من الضروري أن تكون متضامنة مع الكنيسة في خططها لأنها جهات علمانية ، ولكن الحقائق تقول إن الكنيسة عمدت إلى إظهار هذه الجامعات وخاصة مراكز الدراسات الشرقية فيها بمظهر علماني كخطة معينة، وإن التنسيق قائم بين الحكومات الاستعمارية والكنيسة الصليبية بل وكانت الشركات الكبرى الصناعية تشارك أحيانا كثيرة في تلك الجهود لأن مصالح الجميع التقت حول العالم الإسلامي، ولم يكن اسم - التبشير - الذي أطلقه رجال الكنيسة الصليبية على نشاطاتهم الهدامة إلا من قبيل التمويه والخداع وإلا فإنهم لم يكونوا مخلصين للإنسانية في يوم من الأيام وخاصة الشعوب الإسلامية وقد كانوا دائما في كل قطر إسلامي يحلون فيه طلائع جيوش الاستعمار وجواسيسه وعملاءه، وكان معظم المستشرقين موظفين في السلك السياسي للدول الاستعمارية أو في مخابراتها..
وقد اعتنت بهم تلك الحكومات وأمدتهم بالإمكانيات وقدمت لهم الحماية الكاملة لما رأت من فعالية جهودهم ونشاطهم حيث اطلعوا على أسرار العالم الإسلامي وعلومه ولغاته..
في مقالة للقسيس صموئيل زويمر نشرتها مجلة العالم الإسلامي الصليبية جاء ما يأتي:
"اتفقت آراء سفراء الدول الكبرى في عاصمة السلطنة العثمانية على أن معاهد التعليم الثانوية التي أنشأها الأوروبيون كان لها تأثير على حل المسألة الشرقية يرجح على العمل المشترك الذي قامت به دول أوروبا كلها" [15] ا-هـ.
ومن العجيب أنه في نفس الوقت الذي عقدت فيه مؤتمرات رجال الكنيسة الصليبية والتي قرروا فيها أهمية توسيع دائرة الدراسات الإسلامية والعربية لاستخدامها في تحقيق مآربهم عقد مؤتمر اقتصادي استعماري في برلين بألمانيا كان من أهم قراراته ما ذكره رئيس غرفة التجارة في هامبورغ وهو قوله: