فهرس الكتاب

الصفحة 2898 من 3028

إن الدارس المنصف لا يحتاج إلى أكثر من عقلية ( ذرية ) لكي يدرك أن حقيقة الإسلام لن يجدها عند أبي جهل كما أن حقيقة مريم الصديقة الطاهرة لن يجدها عند اليهود، وأن من يبحث عن الذهب والفضة والجواهر الكريمة لا يذهب إلى الحداد..

والمستشرقون يعترفون بناحية النقص الخطيرة هذه التي ذكرها في دراساتهم في بعض المناسبات يقول العلامة مصطفى السباعي رحمه الله عن حديثه عن المستشرقين في كتابه ( السنة ) :

قال لي المستشرق ( آربري ) رئيس قسم الدراسات العربية والإسلامية في جامعة كمبردج: إننا نحن المستشرقين نقع في أخطاء كثيرة في بحوثنا عن الإسلام ومن الواجب ألا نخوض في هذا الميدان لأنكم أنتم المسلمين العرب أقدر منا على الخوض في هذه الأبحاث. [8] اهـ.

والأمثلة كثيرة على ما ذكرنا من دراساتهم لكنني سأكتفي بمثالين منها وعلى من يريد الاستقصاء الرجوع إلى كتبهم المتوفرة..

في مجموعة بحوث عن المغازي ومؤلفيها نشرت في مجلة - الثقافة الإسلامية- وهي مجلة استشراقية كانت تصدر في الهند يقول المستشرق الألماني ( يوسف هوروفتس ) في معرض كلامه عن موقف العلماء من الشعر:

ومن هؤلاء الفقهاء من لم يشتهر بقول الشعر ولكن اشتهر بتذوق الفن الشعري في عصره ونقده له مثل أحد الفقهاء الستة الذين ذكرهم عبيد الله - يقصد عبد الله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود - قال: أعني سعيد بن المسيب وهو ابن امرأة أبي هريرة وأحد أركان علم الحديث. ثم يذكر الروايات التي استند إليها في رأيه هذا فإذا بها من الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني ومنها قوله:

وفي كتاب الأغاني خبر يبين إعجاب هذه الجماعات بالكلام البليغ في جميع الظروف فيروى عبد الله بن عمر: خرجت حاجا فرأيت امرأة جميلة تتكلم بكلام رفثت فيه فأدنيت ناقتي منها ثم قلت لها: يا أمة الله ألست حاجة أما تخافين الله؟ فسفرت عن وجه يبهر الشمس حسنا ثم قالت: تأمّل يا عمي فإني ممن عنى العرجي بقوله:

من اللاء لم يحججن يبغين حسبة

ولكن ليقتلن البرئ المغفلا

قال فقلت لها: مهلا فإني أسأل الله ألا يعذب هذا الوجه بالنار …

قال وبلغ ذلك سعيد بن المسيب فقال أما والله لو كان من بعض بغضاء العراق لقال لها: اعزبي قبحك الله، ولكنه ظرف عباد الحجاز [9] ا-هـ.

ونحن لن نناقش صحة هذا الرأي عن تذوق العلماء عن الشعر وقد كان كثير منهم يتذوقه تذوق الناقد الخبير وإن كنا نقف عند قول - هورفتس: في كل الظروف. مرتابين من مقصده؟ إلا أننا نبغي بهذا المثال الإشارة إلى نوع المصدر الذي عول عليه في هذه المسألة ألا وهو كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني الذي يقول عنه بعض علماء الأسانيد والرجال: إنه كان أكذب الناس [10] .

المثال الثاني: ما ذكره المستشرق المجري جولد زيهر في كتابه ( مذاهب التفسير الإسلامي ) عن حديثه عن تأويلات المعتزلة عند تفسيرهم للقرآن حسب ما تمليه عليهم آراؤهم في الاعتقاد، فقد ضرب مثالا بالشريف المرتضى في محاولته في كتابه الغرر في تأويل قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} بأن حرف- إلى - هو كلمة بمعنى النعمة.. يقول جولد زيهر: فالمرتضى في قوله: {وُجُوهٌ … إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} يستبعد اعتراض المشبهة بتجريد لفظ إلى من طابعه الحرفي وتفسيره على أنه جمع مفرده ألًا أي نعمة، أي ناظرة نعم ربها..ا- هـ.

هكذا فهمها هذا المستشرق الذي استعرض عضلاته العلمية في كتابه هذا متطفلا على علم التفسير: أن لفظة-إلى- بمعنى النعمة جمع مفردة ألًا بينما أصغر طالب علم عندنا يستطيع بمراجعة القاموس أن يعرف أن إلىً وألًا مفردان يجمعان على آلاء. فيكون المعنى الذي تكلفه المرتضى قسرا: وجوه ناظرة نعمة ربها..

هذا مع أن هذا المستشرق يعد لدى المستشرقين أعلمهم بعلوم الإسلام إذ قضى فترة طويلة في بلاد المسلمين يدرس على علمائهم وممن درس عليهم اللغة العربية الشيخ طاهر الجزائري..

ويكفينا هذان المثالان نموذجا لما ذكرنا من عيوب دراسات المستشرقين في خلال هذه الدراسة العاجلة..

المستشرقون في ميزان الإسلام:

آيات كثيرة في القرآن تنبهنا إلى حقيقة دائمة إلى يوم القيامة هي أن العلاقة بيننا وبين أهل الكتاب ستبقى صراعا مريرا بين إيمان وكفر..

وأن أهل الكتاب - وهم اليهود والنصارى- سيبذلون قصارى جهودهم لتدميرنا وإخضاعنا لهم واتباعنا لملتهم..

ولنترك وقائع التاريخ تتكلم لتثبت لنا هذه الحقيقة:

يقول التاريخ إن الحركة الاستشراق وجه جديد لنشاط الكنيسة الصليبية التخريبي في بلاد المسلمين لا شك في ذلك ولا امتراء..

وهذا حكم لا ندعيه نحن فقط فيقال إنه مجازفة أو مبالغة ولكن الصليبيين أنفسهم يثبتونه، وما سجله التاريخ والدارسون من أهل الغرب:

يقل المستشرق المسلم - دود كاون - محاولا إضفاء مسحة من البراءة على أهداف حركة الاستشراق البريطانية في القرون الأخيرة ابتداء بالقرن السادس عشر الميلادي وذلك عند ذكره لشركة الهند الشرقية التي كنت طليعة الاستعمار البريطانية الوحشي للهند المسلمة يقول:

كان هناك نوع آخر من مستخدمي الشركة لا يهمه جمع ثروة أو الظهور كملك صغير فالرجال المنتمون إلى هذه الفئة كانوا يكرسون حياتهم لفهم ودراسة ثقافات الهند المتباينة وآدابها وأديانها المختلفة وقد ترك كثيرون من هؤلاء الرجال مؤلفات قيمة تدل على سعة أفكارهم وعطفهم على الشعب بل لشعوب التي رأوا أنفسهم مسئولين عنها.ا-هـ [11] .

ولعل هذا المستشرق يريد بالعطف المذكور إراقة دماء المسلمين بحارًا تجري على أرض الهند عندما ثار المسلمون في وجه الشركة المذكورة فتدخلت بريطانيا مباشرة لتكشف القناع الذي كانت تختفي وراءه، نعم هذه المذابح المريعة كانت دائما نتيجة عطف تلك الفئات على الشعوب التي رأوا أنفسهم مسئولين عن التمهيد لاستعمارها..

وهذا الشرح ليس لي أنا بل هو لنفس المستشرق المذكور آنفا إذ يقول بعد أسطر من كلامه ذاك مبينا حقيقة نوايا المستشرق:

ارتفعت أصوات في الجزر البريطانية في أوائل هذا القرن تنادي بوجوب تأسيس معهد شرقي في بريطانيا تكون مهمته: إعداد وتخريج رجال ونساء يستطيعون أن يخدموا وطنهم في الشرق وفي اتصالاته بالشرق إما في السلك السياسي أو في التجارة أو في دوائر الحكومة وراء البحار أو في ميدان الثقافة غير أن هذه الأصوات لم تجد صدىً أو تشجيعًا من الحكومة إلا تحت ضغط الحرب العالمية الأولى التي أظهرت للحكومة البريطانية قلة عدد البريطانيين الذين يهتمون بلغات الشرق وذلك بالرغم من مصالح بريطانيا الكثيرة المتزايدة الممتدة من المحيط الأطلسي إلى بحر الصين، وفي أوائل الحرب العالمية الأولى كلفت الحكومة اللورد -رِيْ- برئاسة لجنة وظيفتها دراسة حاجة بريطانيا إلى معهد علمي من هذا الطراز وبعد مدة نشرت اللجنة تقريرها الذي أشارت فيه إلى وجوب الإسراع في إنشاء معهد شرقي فقبلت الحكومة مقترحات اللجنة وتم تأسيس معهد للدراسات الشرقية في جامعة لندن سنة 1917م. ا-هـ.

هذا ما جاء في محاضرة المستشرق- داود كاون - وهي تحتوي على إشارات خطيرة سوف تعيننا في سبر غور هذه الحركة الإستشراقية سواء كانت في بريطانيا أو في أي قطر آخر من الأقطار الأوروبية أو في القارة الأمريكية فإن كل هذه فروع والحقيقة واحدة والأهداف مشتركة. ولندع الحقائق تتكلم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت