أما عن المطلب الأخير وهو حق المرأة في العمل؛ فيمكن اعتباره العامل الخطير الذي تسبب في تفكك الأسرة المسلمة بهذه الصورة المعاصرة .. إذ تبلغ نسبة النساء من القوى العاملة لسن 15 سنة فما فوق 25% في العالم العربي (9) ، وتبلغ في تركيا 32% (10) ، وفي الكويت 23% (11) . وقد ترتب على خروج المرأة للعمل تداعيات أسرية خطيرة من أهمها عجزها عن القيام بدورها الطبيعي الأسري، وبالإضافة إلى اضطرار غالبية الأزواج إلى قضاء أغلب أوقاتهم خارج المنزل لطلب الرزق، أو للسفر للخارج أحيانًا (*) ؛ فإن الرقابة الأسرية ينعدم تأثيرها، وفي حين أنها مطلوبة في الأوضاع الطبيعية؛ فكيف والانحلال الخلقي ينتشر بهذه الدرجة؟ (1) ، ومنها كذلك سقوط المرأة في دوامة تعدد الأدوار، ثم التبرم بالدور الطبيعي المقيد لها، ثم صراع الأدوار بينها وبين زوجها، وهو ما أثر على قوامة الرجل واستقرار الأسرة، ووصل الأمر بعلمانيات تركيا إلى المطالبة بإلغاء المادة القانونية التي تقول إن الزوج هو رب الأسرة (2) .
وبالإضافة إلى العامل السابق؛ فإن هناك عوامل أخرى أفرزتها الصبغة العلمانية للحياة ساهمت في تفكك الأسرة: منها: تسارع عمليات التغيير الاجتماعي والثقافي وتطور وسائل الاتصال، بالإضافة إلى تأخر سن الزواج، كل ذلك أدى إلى تنامي ظاهرة صراع الأجيال بين الآباء والأبناء وظهور بوادرها مبكرًا، ليتحول الصراع داخل الأسرة إلى صراع مزدوج (**) . ومنها: غلبة النمط المادي مع تفريغ الحياة من المضمون الإيماني الذي جعل النطاق الأسري يضيق جدًا، وهو ما حدا ببعض الباحثين إلى القول بأن «المقومات التي تؤدي إلى التفكك في الأسرة الحضرية (الأكثر تأثرًا بالعلمانية) أكثر من المقومات التي تؤدي إلى التكامل» (3) .
2 -فتنة النساء:
صدق النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما أخبرنا أنه لم يترك بعده فتنة أضر على الرجال من النساء، ولقد نفخ العلمانيون في نار هذه الفتنة حتى تعاظمت، وأخذت أبعادًا خطيرة، يمكن استيعابها في أربعة أبعاد:
البعد الأول: وضع مجتمع الشباب في حالة الإثارة الجنسية الدائمة؛ فوسائل الإغراء والإثارة متعددة ومتنوعة وتتميز بالشمول في الزمان والمكان، في البيت، وفي الشوارع، وفي العمل، وفي المواصلات، وفي المدارس والجامعات، لماذا؟ لأن هذه الحرارة المرتفعة الدائمة هي التي تطور أشكال هذه الفتنة وأبعادها، وبدونها لن يتم ذلك، وبها يغرق الشباب في شهواته لا يفيق منها إلى أمور أهم لا يراد له الالتفات إليها (4) . ولقد أدت هذه الإثارة الدائمة إلى تطور آخر إجرامي ـ بعرف العلمانية أيضًا ـ يتمثل في زيادة معدلات الجرائم المتعلقة بالاغتصاب (5) وهتك العرض، بالإضافة إلى تغير نوعيتها تغيرًا يعبر عن انتكاس الفطر؛ فهناك جرائم تتكرر بصورة دائمة: زنا المحارم ـ انتشار شبكات الدعارة (6) ـ قيام مدرس ابتدائي بهتك عرض تلميذاته ـ خطف فتيات صغيرات مع الاعتداء المستمر.
البعد الثاني: مفهوم العورة: ومفهوم العورة الذي صاغه العلمانيون للمجتمع المسلم في هذا العصر مفهوم مطاط قابل للتشكل والتغير بتغير المكان والعمل والسن. فهو ينحسر جدًا إذا كان في ناد رياضي أو على شاطئ البحر، ثم يتسع مرة أخرى ـ نسبيًا ـ إذا خرجت المرأة إلى الشارع والأماكن العامة، ثم ينحسر مرة أخرى إذا كانت تعمل فنانة أو إعلامية، ثم يتسع إذا كانت قد تجاوزت الأربعين ـ أو أكثر، ثم ينحسر مرة أخرى إذا كانت شابة يافعة أو طالبة في الجامعة.. وهكذا.. فأي عورة هذه التي يحافظون عليها؟!
البعد الثالث: تطور أنماط العلاقة بين الرجل والمرأة: من نظرة، إلى ابتسامة، فموعد، فلقاء ـ هذه هي المراحل العاطفية التي كان يزينها العلمانيون للشباب ـ لدرجة أن هذه المراحل يمكن اختزالها ـ وأكثر منها ـ في ساعات قليلة، والذي يطّلع على أحوال الشباب ـ خاصة في الجامعات على أقوالهم، وحركاتهم، وملابسهم، وعلاقاتهم يجد أن انحدارًا كبيرًا وبصورة مطردة يحدث في ثقافات الشباب المتعلقة بفتنة النساء.
ويمكن أن نحدد هنا ثلاث مراحل لهذه الثقافات: الأوليان تعبران عن ثقافة سابقة، ثم حالية، والثالثة عن ثقافة متوقعة ـ لا قدرها الله ـ لو استمر ذلك التطور: المرحلة الأولى: ثقافة الحرمان: وتتمثل في كثرة تداول المثيرات ووسائل الإغراء، المعاكسات، علاقات غير كاملة.
ثم المرحلة الثانية: ثقافة الإشباع: ما سبق، بالإضافة إلى علاقات كاملة تنتشر بصورة متزايدة، (الزواج العرفي) (1) .
ثم تأتي المرحلة الثالثة والخطيرة وهي: ثقافة الاستمتاع، وتتمثل في كل ما سبق بالإضافة إلى: تطوير أنماط العلاقة مع عدم التقيد بإطار الزواج العرفي، تطوير أساليب الاستمتاع بالحرية السائدة. استسلام مجتمعي ـ نسبي ـ لظاهرة الزواج العرفي.. واعتبارها أرحم من عدمها.
البعد الرابع: اختلال قيمة الشرف والغيرة: عندما حاور النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ الشاب الذي طلب الإذن بالزنا، كان ـ عليه الصلاة والسلام ـ يعتمد على ثبات قيمة الشرف ووضوحه لدى الشاب؛ فسهُل إقناعه بترك الأمر.
ونحن نتساءل الآن: هل لا يزال للشرف والغيرة نفس الوضوح والثبات؟ ما يريده العلمانيون هو أن يتوافق مفهوم الشرف عندنا تمامًا مع المفهوم الغربي (2) ، وقد حققوا في ذلك نجاحًا لا بأس به، وانتهى بهم الأمر إلى انحسار مفهوم الشرف والغيرة ـ لدى الكثيرين ـ في مجانبة الزنا، وهم في طريق النجاح التام يصطدمون بعقبة أساسية وهي استمرار تمسك المجتمع بنظرته ـ الدينية الموروثة ـ إلى «عذرية الفتاة» ، إلا أنهم لم يستسلموا، فتم نشر وسائل مبتكرة مؤقتة ودائمة لمنع الحمل، وتم الترويج لعمليات إعادة العذرية بدون أي قيد قانوني، بل استُدرج بعض العلماء للمشاركة ـ بطريقة غير مباشرة ـ في هذه الحملة، وذلك لإزالة الرهبة والحساسية لدى الناس من مناقشة هذه القضية، ولا يزال المكر مستمرًا، حتى تصبح مشكلة الفتاة الكبرى ليست في فقد عذريتها، بل في احتفاظها بها.. !.
3 ـ الفساد المالي:
عندما تبحث وسط الناس عن قيم إسلامية مثل: الأمانة ـ من غشنا فليس منا ـ المسلمون كالجسد الواحد ـ الحلال والحرام في اكتساب المال.. تجد أن كثيرًا من الناس استبدل بها قيمًا يستمدها من قوانين العلمانية؛ فانتشر الفساد فيما يتعلق باكتساب الأموال انتشارًا يقشعر منه المرء، حتى أصبح الغش كأنه خطوة طبيعية من خطوات بيع السلعة ـ أو الخدمة ـ وإنتاجها، وحتى أصبحت الرشوة ممارسة يومية في بعض المجتمعات، وهذا الفساد في انتشاره يشمل معظم الطبقات والفئات المجتمعية إلا ما رحم الله. يقول أحمد بن بيلا في مقابلة مع التلفاز الفرنسي: «إن كل شيء بات يتم في الجزائر عن طريق الفساد من القمة إلى القاع» (1) . بل إن البلدان الأفريقية المغرقة في فقرها لم تنجُ من ذلك؛ إذ تقدر سلطات سويسرا ثروة رئيس مالي السابق «موسى تراوريد» بحوالي مليار دولار، وهو ما يعادل نصف ديون هذا البلد (2) . حتى السلطة الفلسطينية ـ العلمانية ـ الوليدة لم تكد تستلم سلطتها حتى انتشرت رائحة الفساد على الفور، وهو ما شهدت به زوجة عرفات نفسه، وسمعها العالم كله. وفي مصر خلال 1993م حققت النيابة الإدارية في 56000 قضية رشوة. يقول أحد الصحفيين الحكوميين: وإذا كان ما يضبط عادة من الجرائم هو ربعها، فمعنى ذلك أن هناك أكثر من ربع مليون مرتش ومختلس سنويًا (3) .
4 -انتشار المخدرات: