لم تؤد المناهج والتطبيقات العلمانية إلى تفسخ الأخلاق وانحلالها فقط، بل إنها هاجمت القيم الأساسية التي تستند إليها هذه الأخلاق، والتي لا وجود لها بدونها، سعيًا لاستبدالها بقيمها الخاصة. ولأن هذا الهجوم ترتب عليه انهيار كثير من القيم الإسلامية؛ فينبغي علينا أن نتعرف ملامح هذا التصادم القيمي (العلماني ـ الإسلامي) ؛ فقد أصبحت القيم في وضع يرثى له من الاختلال والاضطراب، خاصة مع اتباع بلدان كثيرة لسياسة ازدواجية الخطاب (العلماني ـ الإسلامي) ، ويصف بعض الباحثين هذه الحالة بـ «تشويه الوعي» (7) .. أو تصادم القيم.. فهناك قيم يؤيدها المجتمع، وهناك قيم تفرضها الأيديولوجيا السياسية، وهناك قيم يروّج لها النظام في مؤسساته (الدينية ـ التعليمية ـ الإعلامية) ، بل إن النظام قد يعرض قيمتين متعارضتين في مؤسستين مختلفتين (8) في الوقت نفسه، ويتجلى هذا الاختلال القيمي لصالح العلمانية باستعراض الحالة الراهنة لعوامل الردع والهدم الأخلاقيين في المجتمع:
1 -النزعة الفطرية للتدين: ولا يمكن القضاء عليها {فٌطًرّتّ اللَّهٌ الَّتٌي فّطّرّ النَّاسّ عّلّيًهّا} [الروم: 30] وهي سبب أساس في رجوع كثير من المسلمين إلى دينهم (1) .
2 -الأسرة: وسيتم التعرض لها لاحقًا، وإن كان خلاصة حالها: ذوبان الدور الرقابي للأسرة.
3 -المجتمع: وتمنعه هلاميته من ممارسة دور واضح، وإن كان أميل إلى الهدم بالمقاييس الشرعية (حديث السفينة) ، بالإضافة إلى العمل على تحديد دوره بإصدار قوانين مثل (قانون الحسبة) في مصر.
4 -القانون: علماني قائم على شريعة أجنبية، ومعلوم أن كل شريعة تنقل خصائص المجتمع الذي صُممت من أجله في الابتداء إلى الواقع الجديد الذي استجلبت إليه (2) (تحول الدواء إلى داء) .
5 -التيارات الإسلامية: مضيق عليها، وإن كان على عاتقها الدور الأكبر في مواجهة الانحلال القيمي.
6 -المؤسسات الدينية: تم تحييد معظمها (الأزهر) ، بل وتجنيدها أحيانًا (الزيتونة) ، وإلغاؤها أحيانًا أخرى (محاولة غلق مدارس الأئمة والخطباء في تركيا) .
7 -الإعلام: وسيلة الهدم الرئيسة (التركيز الأكبر للعلمانيين) .
8 -التعليم: وسيلة الهدم بعيدة المدى.
والذي ينبغي الانتباه إليه: أن هذه الوضعية القيمية المختلة «مرحلة تشويه الوعي» يراد تطويرها للوصول بها إلى «مرحلة تغييب الوعي» ؛ حيث تحل منظومة قيمية متكاملة (علمانية) محل المنظومة المختلة القائمة (3) .
ولعل من أخطر الوسائل لتحقيق هذا «الحراك القيمي» : مفهوم «مجتمع الوسط المتحرك» بين طرفين: يمين يمثله الإسلاميون، ويسار يمثله الإباحيون، ومع افتراض ثبات الإسلاميين على مبادئهم؛ فإن تحرك مجتمع الوسط ـ لكي يحافظ على وسطيته كمبدأ ثابت ـ يكون غالبًا في اتجاه اليسار، فإذا أريد تحريك الوسط؛ فإنه يكفي أن يدفع طلائع الفسق نحو مزيد من الانحلال، فينجذب إليهم الوسط (مع إعطاء عامل الزمن فرصته) .. ولا يستطيع الوسط أن يمتنع عن التحرك؛ لأن فئة الإباحيين تتحرك بأقصى ما يسمح به الإطار القانوني الهلامي، وبكل وسائل الجذب المتاحة، ولأن الطرف الآخر (الإسلاميون ـ التدين) يعاني من تحديده والتضييق عليه.
والرسم الآتي يوضح هذه المفهوم:
ومن آثار هذا الوضع الشائك، ما يمكن أن نسميه: «دائرة التيه» ، فيما بتعلق بالمرجعية الحكمية على القول والفعل.
فمع وجود مجموعات متضاربة من القيم في المجتمع، ولكل مجموعة جهة تتبناها ـ ولها ثقلها المرجعي ـ يصبح أمر مخالفة الثوابت الشرعية أكثر سهولة، وتصبح آثارها الاجتماعية والنفسية سريعة الزوال، فأي عمل مخالف ستقوم به، سيكون له معارضون، وسيكون هناك مرحبون، فيتحول إلى قضية خلافية.
وبدون أن نفهم ما سبق من الكلام عن انهيار القيم فلن نستطيع استيعاب الحالة التي وصل إليها المجتمع المسلم الآن، ولن يعدو الأمر بالنسبة لنا أكثر من قراءة صفحة في أي جريدة.
المظاهر العملية لانهيار القيم الأخلاقية:
1-التفكك الأسري وخروج المرأة عن دورها الطبيعي:
نشرت مجلة العربي ـ في استطلاع لها عن تونس ـ إحدى صور الدعاية المنصوبة في الشوارع، وفي كل ميدان لوحتان: الأولى تمثل أسرة ترتدي الزي المحتشم مشطوبة بإشارة (*) ، والأخرى تمثل أسرة متفرنجة متبرجة ومكتوب تحتها: «كوني مثل هؤلاء» . وبالإضافة إلى الدلالات الظاهرة التي لا تحتاج إلى تعليق؛ فإن توجيه الخطاب العلماني إلى المرأة بالذات يعتمد على كونها نقطة الضعف الواضحة في الكيان الأسري، ومعبرًا هامًا من معابر العلمانية إلى المجتمعات الإسلامية، ولو استعرضنا المطالب الأساسية للعلمانيين والعلمانيات فيما يتعلق بتحرير المرأة أو علمنتها وهي: الحق في التعليم ـ الخروج إلى العمل ـ تعديل القوانين خاصة: تعدد الزوجات ـ المشاركة السياسية، لوجدنا المطالب الأربعة قد تحققت في معظم بلاد المسلمين إلا ما يتعلق بتعدد الزوجات؛ فقد منع في تركيا وتونس، وتصف هدى شعراوي تحقق هذه المطالب دفعة واحدة في تركيا ـ في نهاية الثلث الأول من القرن ـ بأنه «من نعمة الأقدار إلى أخواتنا في إسطنبول» (1) ، ويقول زين العابدين عن تحقيق المرأة لمطالبها في تونس، وعلى رأسها قانون الأحوال الشخصية ، يقول: «إننا نفتخر به ونستمد منه زهوًا حقيقيًا» (2) . فهل يستحق تحقيق هذه المطالب الزهو فعلًا؟.. الحقيقة أن الأمر لا يستحق الزهو أبدًا:
فبالنسبة للتعليم ـ وبعد عشرات السنين ـ لا تزال المرأة في بلاد الإسلام تعاني من الأمية التي بلغت 47% في الوطن العربي للرجال والنساء معًا (3) ، ومعلوم أن النسبة تزيد في النساء عن الرجال، بل في تركيا رائدة العلمانية بلغت نسبة الأمية 31% بين النساء 1990م (4) .. وتتضاعف النسبة بين الريفيات وكبار السن. وأما تحريم تعدد الزوجات (تركيا، تونس) حتى لا يكون للزوج امرأة أخرى، فيقابله أن هذين البلدين بالذات يأتيان على قائمة الدول المشهورة بالسياحة الجنسية والدعارة المقننة، فهربت النساء من تعدد الزوجات ليقعن في تعدد العشيقات.
وعن المشاركة السياسية التي منحت لها منذ عشرات السنين بدءًا بتركيا 1934م، وسوريا 1949م للانتخاب، ثم الترشيح في عهد الوحدة، مصر في 1956م، تونس 1959م، المغرب 1972م، الأردن 1974م، العراق 1980م (5) ؛ فبعد ما يقرب من 60 سنة على منحهن هذا الحق في تركيا لم ترتفع مشاركة المرأة في البرلمان عن 2%، وفي انتخابات 1991م نجحت 8 نساء من 450، وفي سنة 1995م نجحت 13 امرأة من 550 نائبًا (6) . وهناك أمثلة كثيرة تعبر عن رفض المجتمع التركي نفسه (رجالًا ونساءًا) للمشاركة النسائية، مثل كون حزب «الطريق القويم» العلماني الذي تتزعمه «تانسو تشيللر» ، تبلغ نسبة أعضائه الذكور (99.8%) ، ويصرح أحد الرافضين لزعامتها للحزب: «إننا نريد زعيمًا نستطيع ـ حرفيًا ـ أن نحمله على أكتافنا» (7) ، وفي البلاد العربية لم يكن لها حظ أوفر؛ إذ تبلغ نسبتها من المقاعد 4% معظمها بالتعيين (8) .