فهرس الكتاب

الصفحة 2877 من 3028

في التعليم: كان التعليم منذ الستينيات من عوامل الحراك الاجتماعي الهامة، إلا أنه منذ السبعينيات ـ وما بعدها ـ ونتيجة لارتفاع معدلات التعليم وكثرة الخريجين فقد التعليم فاعليته في الحراك الاجتماعي إلى حد كبير، ولا سيما مع تردي الأحوال الاقتصادية وانكماش فرص العمل، مما أدى إلى تزايد الشعور بالإحباط. وفي دراسة اجتماعية تبين أن عدد الشباب المصابين بالإحباط في مصر تصل نسبته إلى 25% بينما الفتيات إلى 30% (6) . وإن كان هذا لا يمنع في المقابل وجود أعداد كبيرة من الأميين؛ إذ بلغت نسبتهم في العالم العربي سنة 1993م 47% أي حوالي 60 مليون عربي (7) ، وفي الجزائر ترك مئة ألف شاب جزائري الدراسة في المرحلة الثانوية لعدم تمكنهم من نفقاتها (8) .

وفي السكن: بلغ العجز في المساكن الملائمة لحياة البشر ـ في مصر ـ حسب الأرقام الرسمية سنة 1999م حوالي 2.5 مليون مسكن (9) ، وفي الفترة من (1970م ـ 1980م) بلغ معدل التزاحم (عدد الأفراد / للغرفة الواحدة) بين الأسر الحضرية في تونس (3.1) وفي المغرب (3) (10) ، وفي الجزائر كان 80% من الشبان الذين كانت أعمارهم تتراوح بين 16 ـ 29 سنة 1990م لا يزالون يقيمون مع أهاليهم (11) .

وفي العمل: بلغت نسبة القوى العاملة في المجتمع العربي 33% فقط سنة 1990م، أي أن ثلث المجتمع يعول ثلثيه، والنسبة العالمية 47%، وهي نفس النسبة في الدول النامية (12) ، وبلغت نسبة البطالة في تونس سنة 1990م 15%، وفي الجزائر 25%، وفي المغرب 15ـ 25%، وفي تركيا سنة 1993م 13.4 % (13) ، وفي مصر يقدر عدد العاطلين عن العمل بـ 6 ملايين عاطل في حين يعمل حوالي 4 ملايين مواطن في المهن الهامشية مثل توزيع السلع في الميادين والشوارع الرئيسية (1) .

3ـ عالم من المتناقضات الأيديولوجية والسياسية أنتجت شعوبًا سلبية:

«أوساط مثقفة تشعر باليأس، ولكن اليأس ممن؟ من أصنامها تشعر باليأس، وربما يصعب عليها تحطيم هذه الأصنام، لذلك تقف مشدوهة وتشعر الأزمة» (2) ، بمثل هذه المرارة يُعبِّر مثقف علماني عن مشاعر الصدمة لديه وأقرانه من المثقفين في علمانيي السياسة، وما اعتبروه خروجًا على مقتضى العلمانية القومية، ويعبِّر علماني آخر عن هذه الصدمة بهذا الموقف المعبر في مظاهرات 1968م عندما خرجت قوات الأمن تفرقها، وضُرب المتظاهرون، فدهش وقال عن عبد الناصر: «كيف؟ ونحن أولاده، تفتحت عيوننا على صورته، وتفتحت عقولنا على أفكاره!» صرخ أحدنا في وجه أحد الضباط: سنقول لجمال عبد الناصر، فردَّ عليه بـ «شلوت» أوقعه على وجهه، وقال في سخرية: خذ هذه هدية منه، ثم قبض عليه، وقال: خلِّ عبد الناصر ينفعك (3) ؛ فإن كانت هذه صدمتهم في أنفسهم فكيف بصدمة الشعوب فيهم؟ لقد ملؤوا حياتنا بالعديد من المتناقضات التي أصبحت شيئًا عاديًا متقبلًا.

وفي جميع البلاد العلمانيةِ الأصلُ ثبات العقيدة السياسية وتغيير الحكم، ولكن في بلاد المسلمين الأصل ثبات الحكم وتغيير العقيدة السياسية؛ ففي سوريا البعثية الاشتراكية بدأ اتباع سياسة الانفتاح الرأسمالي من السبعينيات (4) ، وفي العراق بدأت الحكومة سنة 1988م ذات الاتجاه الاشتراكي الماركسي سياسة العودة إلى القطاع الخاص (5) ، وفي الجزائر الاشتراكية ـ التي دمرت باشتراكيتها الزراعة فتحول البلد إلى مستورد لمعظم غذائه ـ وُضع دستور جديد سنة 1989م ليس فيه ذكر للاشتراكية (6) ، وكل ما سبق يتم بنفس الأحزاب وبنفس الرموز، أما مصر فالدستور الحالي الذي تم وضعه في ظل نظام اشتراكي يتم تفسيره من قبل الحكومة بما يتناسب مع النظام الرأسمالي المعتمَد حاليًا لدرجة كبيرة (7) .

وتختلط الصور إلى حد كبير فيُسمِّي الحزب الناصري نفسه بالديمقراطي، ويُؤبِّن اليساريون ضابطًا شيوعيًا سابقًا فيصفونه بأنه شيوعي متشدد كما أنه من اكثر الناس حماسًا للديمقراطية.. (اشتراكية ممكن ـ رأسمالية لا بأس ـ اليهود أعداؤنا ـ اليهود أصدقاؤنا...) وقد أنتجت هذه التناقضات سياسات اقتصادية واجتماعية متضاربة وفجائية، حتى وصف بعضهم أسلوبه في سياسة المجتمع مفتخرًا بأنه: أسلوب الصدمات الكهربية (8) . وعندما يتضارب الواقع ويتفتت بهذه الصورة، وتظهر بشدة آثار وضعية العلمانية التي تقوم على تحكيم المتغير في الثابت (9) ، بل بلسان الواقع، تحكيم المتضارب في الثابت، فتظهر الأعاجيب؛ فهل يمكن أن تتحمل الشعوب كل ذلك؟ الواقع أنها لم تتحمل، فكانت هناك ردود أفعال متفاوتة:

فمنها: تنامي شعور السلبية والابتعاد عن المشاركة السياسية: ففي أحد دورات مجلس الشعب المصري تشكل بنسبة 10% فقط من أصوات الناخبين، وبلغت نسبة المشاركة في المحليات 5% ـ 6% (10) . ومنها: ـ في المقابل ـ: القيام ببعض مظاهر الاحتجاج التي قد تصل إلى الانتفاضات الجماهيرية التي تحدث في كثير من الأحيان ردَّ فعل مباشر على زيادة أسعار السلع الأساسية، مثلما حدث في مصر 1977م، وفي تونس 1976م، 1987م وفي المغرب 1974م، 1981م، وفي الأردن 1988م، وفي الجزائر 1988م، وغالبًا يصاحبها تدمير لمظاهر البذخ والترف في الشوارع (1) . ومنها: تزايد معدلات الهجرة للخارج، خاصة ذوي العقول والكفاءات الفنية، وقد بلغ المهاجرون العرب من حملة شهادة الدكتوراه في الفترة من 1966م ـ 1977م حوالي ستة آلاف، منهم ثلاثة آلاف من مصر وحدها (2) ، ومن 1962م ـ 1976م هاجر إلى أمريكا 23.000 (ثلاثة وعشرون ألف) من ذوي التخصصات الفنية الرفيعة، وفي الفترة من 1970م ـ 1980م لم يعد إلى مصر نحو 70% من مبعوثيها إلى أمريكا، واجتذبت فرنسا من ذوي الكفاءات في السبعينيات من 25.000 إلى 30.000 مهاجر (3) . ومنها: شيوع اللامبالاة بالقوانين أو شيوع الانطباع بأن هناك «شبه عقد اجتماعي بين الدولة والمواطن يقوم على خرق القانون في العلاقات الاجتماعية كافة، وهو الأمر الذي جعل الالتفاف حول القانون هو شريعة المجتمع» (4) . ومنها: تنامي ظاهرة النفاق الاجتماعي والسياسي، ومسايرة النظام بقصد الانتفاع المصلحي، كما يدل عليه ارتفاع نسبة الأعضاء في بعض الأحزاب الحاكمة في بعض الدول من طبقة رجال الأعمال والرموز الثقافية والفنية. ومن الأمثلة الطريفة لظاهرة النفاق السياسي في أوساط الصحفيين أن جريدة (لوموند) الفرنسية أجرت حوارًا مع أنيس منصور قبل حرب 1973م بعنوان: (العدو رقم واحد لإسرائيل) ، ثم بعد الصلح مع اليهود أجرت معه حوارًا أخر بعنوان جديد: (الصديق رقم واحد لإسرائيل) (5) .

ومن أبرز ردود الأفعال الجماهيرية على هذه التناقضات العلمانية تلك الرجعة الإسلامية الكبيرة، وإبداء قطاعات عريضة من الشعوب الإسلامية رغبتهم في العودة إلى دينهم، وإن تفاوتت قوة هذه الرغبة تفاوتًا تمثل في انقسامهم إلى حركات عاملة، وجماهير محبة ومؤيدة للتيار الإسلامي خاصة أو للإسلام عامة. ولو أخذنا تركيا نموذجًا فسنجد أن نسبة الأصوات التي حصل عليها حزب الرفاه في الانتخابات البلدية والبرلمانية ـ كمؤشر على هذه الرجعة ـ تعبِّر عن التنامي المتزايد لها: 1984م ـ 4.4%، 1987م ـ 7.1 % 1989م ـ 9.8 %، 1991م ـ 16.9%، 1994م ـ 19.87%، 1995م ـ 21.3% أي حوالي 6 ملايين ناخب (6) . وهو أمر ذو دلالة قوية لكونه يحدث في أكثر البلاد الإسلامية تمسكًا بالعلمانية وتطبيقًا لها.

ثانيًا: الحصاد الأخلاقي (إخفاق العلمانية في أن تكون مصدرًا للقيم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت