فالنمو الاجتماعي والاقتصادي الذي كان مشوهًا بعد الاستقلال ـ في معظم الدول العربية ـ أدى بدوره إلى بناء اجتماعي مشوه، ولو اعتمدنا التقسيمات الطبقية السائدة (1) لأمكننا أن نختزل علامات ذلك التشوه والاضطراب الاجتماعي فيما يلي:
أ - التنافر الطبقي: إذ يتشكل بناء المجتمع بصورة هرمية، على قمتها طبقات عليا صغيرة العدد نسبيًا، مميزة اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا، وفي قاعدته سواد أعظم يعاني من تدني أوضاعه المجتمعية بالمعنى الشامل (2) ، وبينهما طبقة متوسطة حائرة بين هذا وذاك ـ كما سيتبين لاحقًا ـ وبينما رفعت معظم الثورات العربية شعارات مثل: «القضاء على الاقطاع والتفاوت الطبقي» ، و «العدالة الاجتماعية» ؛ نجد أن الواقع بعيد تمامًا عن ذلك؛ فبالنسبة للطبقات العليا ـ من 5% إلى10% ـ فإن النظام الناصري وإن استطاع أن يلغي الطبقة المتميزة القديمة، إلا أنه في الوقت نفسه وسَّع دائرة الصفوة الجديدة التي تتشكل من البيروقراطيين والعسكريين والتكنوقراطيين (3) ، وفي سوريا قضى حزب البعث سنة 1963م على البورجوازية القديمة، إلا أنه مع بداية السبعينيات لم تلبث أن عادت مرة أخرى بصورة متعددة (بورجوازية قديمة ـ تجارية جديدة ـ صناعية ـ بيروقراطية) (4) . وحرصت عناصر السلطة ـ في أكثر من بلد ـ على تدعيم روابطها بهذه الطبقة من خلال علاقات المصاهرة والمشروعات الخاصة.
أما الطبقات الدنيا: الفقيرة، وتلك التي تحت خط الفقر، فتقدرها بعض الدراسات بحوالي 60% (5) من إجمالي السكان في العالم العربي، بل لو أخذنا الطبقة الأقل ـ السكان تحت خط الفقر ـ لوجدنا الأمر مفجعًا؛ ففي مصر وفق التقارير الرسمية بلغت نسبتهم 45 % (6) من إجمالي السكان، وبلغت نسبتهم إلى إجمالي سكان الحضر في تونس 30%، وفي المغرب 28 %، وفي الجزائر 20% (7) ، وبلغت نسبة السكان الفقراء في تركيا 80 % (8) . ومن المؤشرات الهامة التي تعبر عن حجم التنافر الطبقي: نصيب كل فئة من الدخل القومي؛ ففي تركيا سيطر الـ 20% الأغنى على 60% من الدخل القومي، بينما لم يحصل الـ 20 % الأفقر سوى على 4% فقط (9) . وفي تونس في بداية الثمانينيات كان نصيب الـ 20% الأفقر من الدخل القومي يعادل 5%، بينا نصيب أغنى 5% يعادل 26%، وفي مصر في نفس الفترة كانت النسبة: 5%، 24% على التوالي، وفي سنة 1998م كان 2.5% من السكان ـ الأغنياء ـ يحصلون على ربع الدخل القومي (10) ، ولم يكن الأمر في الحقبة الناصرية يختلف كثيرًا رغم ما كان يقال عن إزالة الفوارق الطبقية، فكانت النسبة على الترتيب سنة 1970م (نهاية الحقبة الناصرية) : 5.1%، 22% .
ومن المؤشرات الصارخة على وهم هذه الحقبة القومية نسبة أعلى راتب في الحكومة والقطاع العام إلى أدنى راتب، حيث بلغت (40: 1) سنة 1966م (11) .
ب - تآكل الطبقة المتوسطة: تضم الطبقة المتوسطة شرائح اجتماعية متفاوتة التعليم والدخل والمكانة؛ ففيها صغار الموظفين والعسكريين وكذا المهنيون كالأطباء والمهندسين والمدرسين والضباط، وكذا الرؤساء والمديرون (1) ، ومن هذه الطبقات خرج الكثير من الثوريين في العالم العربي مثل: حزب البعث السوري، والضباط الأحرار في مصر. ويعتبر الكثيرون الطبقة المتوسطة مستودعَ الحيوية الاجتماعية والممسكة بميزان الاعتدال والاستقرار في المجتمع؛ إلا أنه بعد حوالي أربعة عقود من الاستقلال أصبحت تعيش في حالة ضغط وحصار وعجز عن الحركة، وهوى عدد كبير من أبنائها إلى قاعدة الهرم الطبقي نتيجة لتردي الأحوال المعيشية وانتشار الفقر، إلا من استطاع بهذه الطريقة أو تلك أن يصعد إلى صف الطبقة العليا (2) ، أو يبقى مكانه إلى حين.
ج - تفكك المجتمع وتضارب مصالح فئاته (مجتمع القصعة) : أنشأ عبد الناصر الاتحاد الاشتراكي ليضم «قوى الشعب العاملة» في تنظيم جماهيري واحد يتجنب الصراع الاجتماعي الحزبي القديم (3) ؛ فكأني به وضع بذور التفرق والتفتت التي نتجرع مرَّها حتى الآن؛ إذ تحول المجتمع ـ نتيجةً للتنافر الطبقي ـ إلى فئات متصارعة، يتحدد التوازن الاجتماعي بينها ـ ومن ثم قوانين المجتمع ـ تبعًا للأقوى، لا فرق بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، بل الدولة بهذا الاعتبار لا بد أن تكون مشاركة أو طرفًا مستقلًا في هذا الصراع (4) . ومن صور التفكك البارزة: تلك الهجرة المستمرة من الريف إلى المدن، والتي هي أشبه بعملية احتجاج صامتة؛ وذلك لأن الريف يحمل كثيرًا من عوامل الطرد (الضغط السكاني ـ البطالة ـ انتشار الفقر ـ قصور الخدمات) ولأن المدن هي الطرف الأقوى في مقابل الريف؛ حيث يستأثر الفرد في المناطق الحضرية العربية بحوالي ثلاثة أمثال نصيب الريفي من الناتج المحلي الإجمالي. ونتيجة لذلك أتخمت المدن بسكانها، وبلغت نسبة سكان الحضر في الدول العربية 54% (5) ، وتضاعف عدد سكان كبرى المدن المسلمة ثلاثة أضعاف خلال عشرين عامًا (6) .
د - الفئات والظواهر الشاذة: أنتجت السياسات العلمانية في بلادنا فئات غريبة يمثل كل منها ظاهرة اجتماعية شاذة، نذكر مثالين عليها: فمنها ما يسمى بطبقة «الهامشية الحضرية» ، أو «الهلامية الحضرية» ، أو «سكان المناطق العشوائية» ، وهم طوائف متزايدة من السكان تتجمع في الضواحي حول المدن؛ حيث تقيم لنفسها أحياءًا جديدة في نطاق مديني لم تعرف الدولة كيف تنظمه، لا على صعيد البنى التحتية (ماء ـ صرف ـ نقل) ولا على صعيد التأطير السياسي والثقافي (7) ، وعادة ما تكون بيوتهم من أكشاك وصفيح أو دور صغيرة مبنية من مواد مرتجلة (8) ، والكثير من أحياء القاهرة نشأ بهذه الصورة في البداية (9) ، وهي أسرع الكيانات الاجتماعية نموًا في العالم العربي خلال العقدين الماضيين؛ فقد قدر عددهم حول القاهرة فقط بـ 5 ملايين نسمة، وقدر عدد سكان المقابر ـ الأحياء ـ بمليون نسمة، وفي نفس العام قدر باحث مغربي عدد قاطني الصفيح في المدن الغربية بمليون نسمة (10) ، وتنتشر في ضاحية الجبل الأحمر بتونس الأكواخ القصديرية (11) ، وتنتشر بين هذه الفئة صفات مثل: اليأس والعجز والتشتت والاختلاط والتحلل الجنسي، وتكون أكثر من غيرها عرضة للانخراط في الجريمة (1) ، ويصفها البعض بأنها قنبلة موقوتة.
ومن هذه الفئات: «الأثرياء الجدد» الذين يتميزون بمظاهر الغنى الفاحش والبذخ الشديد، وهي طبقات صغيرة العدد جدًا، بينها وبين السلطات علاقات متشابكة، وأحدث هذه الطبقات في سوريا ما يعرف باسم: «الطبقة الجديدة» ، والنقّاد يصفونها بهذا الاسم أدبًا، وقد ظهرت بعد سنة 1973م، ولا يتجاوز عددها مائة فرد، وتعتمد على العلاقات والعمولات والصفقات المريبة (2) ، وفي مصر بدأت هذه الفئة في الظهور في نفس الفترة تقريبًا، وبلغ عدد المليونيرات في نهاية السبعينيات... (سبعة عشر ألف مليونير) (3) وصف بعض الكتاب سلوكهم الاقتصادي في السبعينيات بأنه «نهب منظم لمصر لم تتعرض لمثله منذ الخديوي إسماعيل» (4) ، وقد بلغت هذه الفئة حدًا من النفوذ جعل الكثيرين يصفون هذا العصر بعصر رجال الأعمال. وفي تركيا كان لهم أسماء مثل: «المديرون الشبان» ، وهي طبقة من رجال الأعمال خريجي الجامعات الأمريكية، وأصدقاء شخصيين لأحمد تورجوت أوزال، وأيضًا «الآباء الروحيون» الذين سهلت علاقاتهم برئيس تركيا قيامهم بعمليات غسيل الأموال (5) .
2ـ تزايد الحرمان والقهر الاجتماعي:
ويمكن التعبير عن هذا الحرمان من خلال عرض نسب إشباع بعض الحاجات الاجتماعية (*) :