هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فإن الزوج الزاني في مسكن الزوجية لا يستطيع أن يحرك الدعوى في مواجهة زوجته الزانية؛ إذ إنه باعتدائه على الرابطة الزوجية يكون قد أسقط حقه في طلب العقاب على اعتدائها على ذات الرابطة.
ومن ناحية ثالثة ـ جديرة بالعجب ـ فإن الرجل الزوج لا يعاقب على الزنا إلا إذا كان زناه في منزل الزوجية وثبت عليه هذا الأمر بدعوى الزوجة، وفقًا لنص المادة (277) من قانون العقوبات التي تنص على أن: (كل زوج زنى في منزل الزوجية وثبت عليه هذا الأمر بدعوى الزوجة يجازى بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر) وأعظِم بها من عقوبة!
العقوبات الجنائية المقدرة للزنا:
أ - عقوبة الزوجة الزانية: سبق أن ذكرنا نص المادة (274) من قانون العقوبات التي تقول: (المرأة المتزوجة التي ثبت زناها يحكم عليها بالحبس مدة لا تزيد عن سنتين، لكن لزوجها أن يوقف تنفيذ هذا الحكم برضائه معاشرتها له كما كانت) .
وينزل حكم هذا النص (الفرنسي) المصري بعقوبة الزنا للمحصن من القتل (الإعدام) رميًا بالحجارة وفقًا لما هو مقرر في شريعة الإسلام كحد لله ـ تعالى ـ لا يملك الإمام تخفيفه أو العفو عنه، إلى عقوبة الحبس اليسير لمدة سنتين قابلتين للإلغاء برضاء الزوج معاشرة زوجته.
ب - عقوبة الزوج الزاني: كما حددت المادة 277 عقوبة الزاني بأن (كل زوج زنى في منزل الزوجية وثبت عليه هذا الأمر بدعوى الزوجة يجازى بالحبس مدة لا تزيد عن ستة أشهر) .
ومما هو جدير بالملاحظة هنا أن المشرع الفرنسي ـ ومن بعده مقلده المصري ـ يجعل من الزنا بمعناه الشرعي (أي الإيلاج الكامل) ـ في حالة المادتين (274- 277) ـ جنحة لا تزيد مدة الحبس فيها عن سنتين، بينما يعاقب على أي استطالة لجسم المجني عليه بعقوبة الجناية التي يمكن أن تصل إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، اعتدادًا بالمصلحة المعتبرة فيها (وهي حق الحرية الجنسية) ، وراجع المواد 267 وما بعدها حتى 279 من قانون العقوبات.
وأما ممارسة الفجور والدعارة على وجه الاعتياد فقد عاقب عليها ما يسمى بقانون مكافحة الدعارة (القانون رقم(10) لسنة 1961م ) في مادته التاسعة: بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد على ثلاث سنوات، أو الغرامة التي لا تقل عن خمسة وعشرين جنيهًا ولا تزيد على ثلاثمائة جنيهًا، أو كليهما.
وفي مقابل هذا التساهل مع جريمة الزنا التي حرمها الله ـ عز وجل ـ، نجد تضييقًا وتصعيبًا لحق تعدد الزوجات الذي أباحه الله تعالى، وهو ما سنعرض له بعد قليل عند مناقشة تشريعات الأسرة.
ولا شك في أثر ذلك على أخلاق المجتمع عندما تفتح لأفراده أبواب العلاقات المحرمة بإباحة الزنا طالما كان بالإرادة الحرة المحضة وبتهوين عقوبته، وتوصد في الوقت نفسه أبواب العلاقات المباحة بالتضييق على الزواج الشرعي، بل عندما يعاقب عليه أحيانًا ـ كما رأينا في بعض البلاد (الإسلامية) الأخرى ـ أو عندما تهدم الأسرة بإعطاء الزوجة حق طلب الطلاق عند حدوث التعدد.
3 ـ حماية الأموال (جريمة السرقة) :
نص قانون العقوبات المصري على السرقة والجرائم الملحقة بها في الباب الثامن من الكتاب الثالث تحت عنوان: (السرقة والاغتصاب) ، حيث تنص المواد من (311) إلى (327) في أولاها على أن (كل من اختلس منقولًا مملوكًا لغيره فهو سارق) .
ولا يستحق هذا التعريف للسرقة كثير نقاش في الفقه الجنائي المقارن بين الشريعة والقانون؛ إذ المفهومان مشتركان من حيث إن كلًا منهما يُخرِج من معنى السرقة صورًا متعددة من وسائل الاستيلاء على مال الغير، ويعني ذلك ـ بصورة جزئية ـ أن أركان جريمة السرقة في القانون الوضعي المصري قريبة الشبه بأركانها في الشريعة الإسلامية وفقًا لشروطها المتفق عليها، وهي: أن تقع السرقة على مال الغير، وأن تقع على مال لم يكن قد ائتمن عليه، وتأتي بعد ذلك أمور محل خلاف في الفقه الإسلامي، مثل: السرقة من حرز، ونصاب المسروق، ونوع بعض الأموال المسروقة.
عقوبة السرقة:
يعاقب على السرقة في شريعة الإسلام بعقوبة الحد المقدرة في قول الله ـ تعالى ـ: {$ّالسَّارٌقٍ $ّالسَّارٌقّةٍ فّاقًطّعٍوا أّيًدٌيّهٍمّا جّزّاءْ بٌمّا كّسّبّا نّكّالاْ مٌَنّ پلَّهٌ $اللَّهٍ عّزٌيزِ حّكٌيمِ} [المائدة: 38] ، وهو نص عام خصصته السُّنَّة بأحاديث متعددة، وتقطع اليد اليمنى من مفصل الكف وهو الكوع (1) ، فإن سرق مرة ثانية بعد قطعه قطعت رجله اليسرى من مفصل الكعب، وهو قول أبي بكر وعمر، وقد روي عن أبي هريرة عن النبي قوله في السارق: «إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله» (2) ، وهو قول علي والحسن والشعبي والزهري وحماد والثوري وغيرهم، فإن سرق ثالثة فلا قطع وإنما يحبس تعزيرًا.
بينما في قانون العقوبات المصري: الأصل في السرقة أنها جنحة يعاقب عليها بالحبس مع الشغل مدة لا تتجاوز سنتين؛ حيث تنص المادة 321 على أنه (إذا كانت السرقة في حالة الشروع فيعاقب عليها بالحبس مدة لا تتجاوز نصف الحد الأقصى المقرر في القانون للجريمة التامة أو بغرامة لا تزيد على عشرين جنيهًا مصريًا) .
وإذا كان هذا هو الأصل العام في العقوبة المقدرة للسرقة فإن هذه الجريمة قد تقترن بظروف مخففة أو أخرى مشددة، قد تصل بالعقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة.
ويعني ذلك بشكل واضح أن المشرع المصري في حذوه حذو رائده الفرنسي قد أسقط حد القطع بوصفها عقوبة مقدرة للسرقة، ولا يعنى هذا الإسقاط في الحقيقة غير الانسلاخ من كنف الشريعة؛ فالحد في الشرع هو (عقوبة مقدرة واجبة حقًا لله تعالى عز شأنه) ، والمقصود بكونها (مقدرة) أن الشارع العزيز حدد كمَّها وكيفها سلفًا بخلاف التعزير، والمقصود بكونها (حقًا لله) الاحتراز عن القصاص الذي هو حق للعباد في غالب عناصره، ومن ثم: ليس للعباد حق التبديل في هذه الحدود أو العفو عنها؛ لقول رسول الله: «إن الله حد حدودًا فلا تعتدوها» (3) ، فالحد حق الله، نسب إليه ـ تعالى ـ لعظم خطره وشمول نفعه.
المطلب الثاني: تشريعات الأسرة:
تعد تشريعات الأسرة من أخطر مجالات الغزو العلماني على الإطلاق؛ نظرًا لحساسيتها وخصوصيتها وخطورة شأنها وأثرها، ولذلك كانت آخر المجالات المغزوة من حيث الترتيب الزمني على النحو المبين سابقًا؛ بيد أن حملة الغزو العلماني لهذا المجال بات مجنونًا محمومًا متسارعًا في الآونة الأخيرة، إلى أن فقد مجال الأسرة حصانته أمام تلك الحملات المحمومة التي تتبناها كافة شراذم العلمانيين في مؤسسات التشريع أو الإعلام أو منابر الثقافة ومعاهد التعليم، وهو مجال يستحق بحثه بإفراده ببحث خاص، ولكن على سبيل المثال نذكر بعض الوقائع والتشريعات الآتية:
1 -الحملة الشرسة التي لم تتوقف رغم صدور القانون 46 لسنة 1955م بإلغاء القضاء الشرعي بل تواصلت حتى تُوِّجت بإصدار الرئيس الراحل السادات قرارًا بقانون رقم 44 لسنة 79 (والمشهور عند عامة المصريين بقانون جيهان) والذي ظل معمولًا به حتى قضت المحكمة الدستورية العليا بإلغائه.