وهكذا باقي المواد سالفة الذكر، نجد أن جميع نصوص قانون العقوبات جاءت خلوًا من عقوبة جنائية لمن سبَّ الله أو رسول الله أو دين الله أو كتاب الله أو كل ما هو مقدس عقائديًا، وذلك ما قد يعطي معنى فقدان القداسة لهذه العقائد (وذلك لب الفلسفة العلمانية) .
3 -على الجانب الآخر (التشريعات المقيدة للدين) :
فهناك جملة من التشريعات الفضفاضة التي تهدف إلى تقييد قيام الدين بدوره الإصلاحي الطبيعي في المجتمع، وإليك النصوص القانونية الآتية:
أ - تنص المادة 201 عقوبات المضافة للقانون رقم 29 لسنة 1982م على أنه:
(كل شخص ولو كان من رجال الدين أثناء تأدية وظيفته ألقى في أحد أماكن العبادة أو في محفل ديني مقالة تضمنت قدحًا أو ذمًا في الحكومة أو في قانون أو في مرسوم أو قرار جمهوري أو في عمل من أعمال جهات الإدارة العمومية أو أذاع أو نشر بصفة نصائح أو تعليمات دينية رسالة مشتملة على شيء من ذلك يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن مائة جنيه ولا تزيد على خمسمائة جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، فإذا استعملت القوة أو العنف أو التهديد تكون العقوبة السجن) ، وهو ما يعني مصادرة وتجريم فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ب - كما تنص المادة 98 (و) المضافة أيضًا بالقانون رقم 29 لسنة 1982م على أنه: «يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تجاوز خمس سنوات أو بغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تتجاوز ألف جنيه كل من يستغل الدين في الترويج أو التحبيذ بالقول أو بالكتابة أو بأية وسيلة أخرى لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي» .
ج - وتقضي المادة 102 عقوبات المعدلة بالقانون رقم 29 لسنة 1982م بأن: «كل من جهر بالصياح أو الغناء لإثارة الفتن يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بغرامة لا تزيد على مائتي جنيه» ، ويدخل في ذلك أيضًا الأناشيد.
د - والأشد من ذلك والأنكى والأمرّ ما أوردته المادة 88 مكرر ( ج ) من أنه: «لا يجوز تطبيق أحكام المادة 17 من هذا القانون عند الحكم بالإدانة في جريمة من الجرائم المنصوص عليها في هذا القسم (قضايا أمن الدولة) عدا الأحوال التي يقرر فيها القانون عقوبة الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة، فيجوز النزول بعقوبة الإعدام إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، والنزول بعقوبة الأشغال المؤبدة إلى الأشغال الشاقة المؤقتة التي لا تقل عن عشر سنوات» .
ملحوظة: تنص المادة 17 بأنه (يجوز في مواد الجنايات إذا اقتضت أحوال الجريمة المقامة من أجلها الدعوى العمومية رأفة القضاة تبديل العقوبة.. ) وهو ما يسمى قانونًا باستعمال الرأفة مع المتهم.
قارن ذلك مع العقوبات المقررة للمعتدي على الأديان حيث يجوز استعمال الرأفة معه، بينما لا يجوز استعمالها مع المتدين المتهم باستغلال الدين لأغراض سياسية (أمن الدولة) ، وهي قضايا فضفاضة مطاطة تتسع وتضيق حسب الظروف والأحوال السياسية.
ثانيًا: حماية القيم والأخلاق:
1 -في مجال شرب الخمور:
لقد وقف المشرع الجنائي المصري ـ جريًا على نهج رائده الفرنسي ـ من جريمة الشرب موقف الإغفال التام، فخلت نصوص قانون العقوبات من أية إشارة إلى تأثيمه وعقابه؛ مما يعني أن المشرع الوضعي لا يعتد بتحريم الله ـ تعالى ـ لفعل الشرب ولا يعاقب عليه بالجلد حدًا، أي أن شرب الخمر حرام عند الله حلال في القانون الوضعي.
ولم يكتف المشرع المصري بذلك، بل عمد إلى تلك الأماكن التي يتعاطى الناس فيها الخمر فأسبغ عليها بعض أوجه الحماية، من ذلك: ما نصت عليه المادة الحادية عشرة المكررة من قانون الأسلحة 394 لسنة 1954م، من أنه: (لا يجوز حمل الأسلحة في المحال العامة التي يسمح فيها بتقديم الخمور ولا في الأمكنة التي يسمح فيها بلعب الميسر) ، وبموجب هذا النص أسبغ القانون رعايته على محال تعاطي الخمور وأمكنة لعب الميسر، حين نزع سلاح الناس فيها توفيرًا لأكبر قدر من الأمان لروادها.
2 -في مجال حماية الأعراض:
المفهوم القانوني لجريمة الزنا:
في بيان المصلحة التي يحميها قانون العقوبات في مجال حماية الأعراض يقول شراح القانون الجنائي: (رأى المشرع أن المصلحة الاجتماعية عدم تجريم كافة أفعال المساس بها [أي: بالأعراض] وإنما فقط الأفعال التي تمثل اعتداءًا على الحرية الجنسية للفرد، فضمان هذه الحرية أمر لازم لوجود الناس في المجتمع وحفظ النظام الطبيعي للحياة) ؛ لذا: عاقب القانون على (المساس بالحرية الجنسية) المشكّلة في:
أ - حالة استعمال الإكراه، ويتحقق ذلك في جريمة اغتصاب الإناث وهتك العرض بالقوة أو التهديد؛ حيث تنص المادة 267 على أنه: (من واقع أنثى بغير رضاها يعاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة) .
كما تنص أيضا المادة 268 على أنه: (كل من هتك عرض إنسان بالقوة أو بالتهديد أو شرع في ذلك يعاقب بالأشغال الشاقة من ثلاث سنين إلى سبع) .
ب - حالة التغرير بصغير السن أو حديث الخبرة، ويتحقق ذلك في جريمة هتك العرض بغير قوة أو تهديد، (أما ممارسة الحرية الجنسية في غير الحدود التي لا ينهى عنها القانون كهتك العرض بالرضا لمن بلغ ثمانية عشر عامًا فهو لا يعاقب عليه القانون) (1) .
ويتضح من هذا الشرح الذي يكشف عن منهج المشرع الوضعي وسياسته الجنائية فيما يتعلق بحماية العرض: أن المصلحة المعتبرة في الحماية هنا هي (الحرية الجنسية) وليست طبيعة العلاقة الجنسية وشكلها، فليس للقانون أن يتدخل إلا عندما يشكل فعل الجاني اعتداءًا على حق الحرية الجنسية؛ فهو لا يحمي شرف المجني عليه ولا اعتباره ولا حياءه، وإنما هو يحمي حريته في ألا يمارس الوطء الجنسي إلا بإرادته، فإذا مارسه بهذه الإرادة ـ في أي شكل ـ فليس ثمة مصلحة معتبرة متطلبة للحماية.
وقد عَرَضَ القانون المصري لجرائم العِرْض في الباب الرابع من قانون العقوبات تحت عنوان: (هتك العرض وإفساد الأخلاق) ، وذلك في المواد (267 حتى 279) وهي من المواد التي يمكن وصفها بأنها ترجمة شبه حرفية لمثيلاتها الفرنسية.
وفيما يتعلق بتحديد (كنه الفعل المؤثم) فقد بان أنه ليس الزنا، وإنما هو شيء آخر يتمثل في الاعتداء على حق الإنسان في ألا يزني إلا بإرادته، أما الزنا وفق تعريفه في شرع الله ـ تعالى ـ فليس مما يُشكِّل ـ في عرف القانون الوضعي الفرنسي والمصري ـ جريمة تستحق العقاب.
ولذلك فحين تعرض المادة (273) وما بعدها من قانون العقوبات لزنا الأزواج، فإنها لا تعاقب أيًّا منهما بسبب إتيانه لفاحشة من الكبائر التي نهى الله ـ تعالى ـ عنها، وإنما هي تؤثم اعتداء الجاني على الرابطة الزوجية، ولذلك يجري نص المادة (273) من قانون العقوبات على أنه: (لا تجوز محاكمة الزانية إلا بناءًا على دعوى زوجها، إلا أنه إذا زنى الزوج في المسكن المقيم فيه مع زوجته لا تسمع دعواه عليها) .
ومن ذلك: أن الزوج هو صاحب الحق الوحيد في تحريك العقوبة في مواجهة زوجته، فإن عفا عنها بعد بلوغ الأمر للسلطة ـ ولو بعد صدور الحكم ـ سقطت عنها العقوبة، حيث تقضي المادة 274 بأن: (المرأة المتزوجة التي ثبت زناها يحكم عليها بالحبس مدة لا تزيد على سنتين، لكن لزوجها أن يوقف تنفيذ هذا الحكم برضائه معاشرتها له كما كانت) .